أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات / سراب العدالة

سراب العدالة

ولاء العاني

كاتبة من العراق
عرض مقالات الكاتب

 كانت تُسابق الخطى إلى المطار؛ لأنها لم تعد تطيق الانتظار …

بعد أن وصلتها رسالة زوجها الهارب مع أطفالها إلى جهة مجهولة؛ لأنها لم تكن تسمع عنهم شيئًا، ولم يعينها أهله رغم توسلاتها؛ لأنهم كانوا متفقين على كلمة واحدة . الكل عند سؤاله يقول :

لا أعلم ؟

جلست متوترة في قاعة الانتظار، وهي تعدُّ الثواني، وتجهّز نفسها للقاءٍ كانت تحلُم به منذ سنين طوال .

 قد لا يتعرف عليها أبناؤها . ماذا تراه أخبرهم، وبماذا حدثهم عني ؟ وجدت نفسها تقف فجأة لتنظر في المرآة . هل أبدو جميلة ؟ … نعم نعم سيكونون سعداء، ولابد أنهم كبروا الآن، فالصغرى أصبح عمرها أحد عشر عامًا، والوسطى ثلاثة عشر، والكبير ستة عشر . كانت تكرر كلمة عشرة . عشرة . عشرة …

حتى قاطعها أبوها وقال لها : اهدئي حبيبتي، وفكري بالأيام القادمة، وليس بالسنين الصادمة، دعيها تكون دافعا لك حتى تكوني قوية، ومتماسكة لأجل الأولاد ! .

قوية ومتماسكة ؟ ما الذي تعرفه أبي ولم تخبرني به ؟

لا شيء … دعينا نستعد فالطائرة على وشك الوصول .

خفق قلبها بشدة حتى شعرت أنها قد يغمى عليها فقد صارت الثواني سنوات . لاحظت حركة غريبة، ولم تكن تسمع سوى ( لكن خدمة المطار عندهم جيدة ) ثم شاهدت من بعيد سيارة إسعاف متوقفة لم تعرها اهتماماً .

وبدأت تسأل أين أولادي ؟

خرج طاقم طبي يحملون رجلًا على نقالة، وحوله ثلاثة صبيان مُمسكين بيديه . توجهوا إلى قسم الأختام، والجوازات، ثم خرجوا فنادى أحدهم باسمها .

ذهبت دون أن تفهم شيء …

قال : اقتربي سيدتي، ووقعي باستلام أولادك .

 وهذا السيد يريد ان يقول لك شيء !!! … قالت : من هذا ؟

أجابها بصوت متقطع : زوجك، ولا أملك إلا أن أقول لك أنا آسف . تعب من الكلام ثم عاد؛ ليقول : خرجت من البلد بعد أن تراكمت عليَّ المشاكل المادية، والديون، ثم وصل بي الأمر إلى ارتكاب الجريمة، حيث قتلت أحدهم .

 دفعته بعصبية، فسقط، ومات …

قاطعته ولكن !

لكنه قال لها : من فضلك لم يعد ينفع الكلام فقد أصبت بمرض خطير، ولا أريد أن يبقى أولادي وحيدين .

 ليس لدي في الحياة إلا أشهر . هم أمانة أعيدها إليك، وفي الحقيبة الصغيرة بعض النقود، ومذكرة سجلت فيها كل شيء عن تفاصيل حياتنا لتكوني معهم خطوة بخطوة …

ترفقي بهم فقد قلت لهم إنك رفضت المجيء معنا حتى حصل ما حصل . قد تحتاجين إلى بعض الوقت لتتعودي عليهم فهم في حالة صدمة فقد انهارت صورة الأب المثالي في نفوسهم ليسامحوني .

 أريدك أن تصفحي عني . حاولت أن تسكته …

فقال لها : دعيني من فضلك . المسؤولية عليك ثقيلة . لكنني واثق من قدرتك عليها . عديني أنك ستعتني بهم ليس من أجلي فقط . لا ذنب لهم بما حصل . ثم غاب عن الوعي في الطريق إلى المستشفى؛ لأنها رافقته، واستمعت لكل ما قاله بحرص شديد، وفي غرفة العناية المركزة كانت تزوره، وتجلس قربه لساعات حتى يفتح عينيه، ويلوح لها بيديه، ثم يغيب عن الوعي .

لم يستمر على حاله فغادرهم إلى العالم الآخر حيث كلًا يأخذ ما له، ويدفع ما عليه … وهذه إحدى صور الحياة .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

إذا كان آدم (عليه السلام) قد أخطأ فما ذنب ذريته حتى يتوارثوا خطيئته من بعده!؟

د. علي محمّد الصلابيّ هذا مبدأ قد نهت عنه كل الشرائع، وهل …