أخبار عاجلة

تأملات قرآنية مع شيخ الإسلام ابن تيمية (10)

الدكتور حسين القحطاني

عرض مقالات الكاتب

لا تطع من في الأرض واسجد واقترب من الذي في السماء ، دعوة من الله لكل مسلم ، لمواجهة طغيان الطغاة ومكر الماكرين وعدوان الظالمين ، وعدم الانصياع لهم مهما كانت قوة العدو وعدده ؛ لأن الذي تسجد له وتقترب منه لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء ، وله صفات الكمال والعظمة ، وهو يتولى الصالحين ، فهذه دعوة ربانية للإستعانة بالدعاء والسجود ، وتحقيق العبودية لله ، وبها ينال العبد المعية الخاصة من رب العالمين ، وإذا اقترب منه الطغاة والظلمة بعد اقترابه من ربه ، ليمنعوه من العبودية له ؛ فإن مصيرهم عاجلا أو آجلا سيكون كمصير أبي جهل -عليه لعنة الله – لما أراد منع نبينا -صلى الله عليه وآله وسلم- من الصلاة ، وقال : “لئن رأيت محمدا يصلي عند الكعبة لأطأن على عنقه ، فبلغ النبي -صلى عليه وآله وسلم- فقال : (لو فعله لأخذته الملائكة ) . رواه البخاري في صحيحه ، أي : لأخذت كل عضو منه ولمزقته كل ممزق ، قبل الاقتراب منه ، فالمتأمل في علاقة العبد بربه يجد عجبا ، يجد أن الذل لله بالاقتراب منه هي العزة الحقيقية ، وذلك لأن ذل العبد مقترن بالقرب من ربه ، وأنه أضيف لعبوديته ، وأكبر شاهد على شرف منزلته قوله : (كلا لا تطعه واسجد واقترب) “العلق” ، وقول النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- كما في صحيح مسلم :” أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء” . فالاقتراب من الله ، سبيل السيادة والرفعة ، وهو يورث العبد عزة في قلبه ، ويصير سيدا بين الناس ، وإن علا بعضهم على بعض ، فهذه هي منزلة العبودية التي نمت في قلبه وتفرعت على جوارحه . فالقرب من الله من أعظم منازل العزة والشرف في الدنيا والآخرة . ومن معتقدات أهل السنة والجماعة ، أن الله سبحانه وتعالى فوق سماواته ، مستو على عرشه ، بائن من مخلوقاته ، وهو مع ذلك مع عباده أينما كانوا ، يعلم ما هم عاملون ، واستواؤه على عرشه ثابت بالكتاب والسنة والإجماع ، ومع الإيمان بهذا العلو وتلك المباينة من الخلق ، إلا أن الله سبحانه قريب من عباده قربا يليق بعظمته وجلاله ، وله نزول إلى السماء الدنيا كل ليلة في الثلث الأخير منها ، وهذه الأفعال تتعلق بمشيئته وإرادته واختياره ، فإن شاء فعلها ، وإن لم يشأ لم يفعلها ، ونزول الله إلى سماء الدنيا ، لا يستلزم خلو العرش منه ، ولا يقال أيضا : إن قرب الله يتناقض مع علو الله على عرشه ، ولشيخ الإسلام ابن تيمية في هذا الصدد ، كلام نفيس يكتب بماء العيون قبل ماء الذهب ، يقول فيه -رحمه الله- : “القرب فذكره تارة بصيغة المفرد ، كقوله : (وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب … ) “البقرة” . وفي الحديث : “اربعوا على أنفسكم ” إلى أن قال : “إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته” (متفق عليه واللفظ للإمام مسلم) . وتارة بصيغة الجمع كقوله : (ونحن أقرب إليه من حبل الوريد) “ق” وهذا مثل قوله : (نتلوا عليك) و (نقص عليك) و (علينا جمعه وقرآنه) و (علينا بيانه) ، فالقراءة هنا حين يسمعه من جبريل ، والبيان هنا بيانه لمن يبلغه القرآن … فإنه سبحانه وتعالى هو وملائكته : يعلمون ما توسوس به نفس العبد ، من حسنة وسيئة ، والهم في النفس قبل العمل ، فقوله (ونحن أقرب إليه من حبل الوريد) ، هو قرب ذوات الملائكة ، وقرب علم الله ؛ فذاتهم أقرب إلى قلب العبد من حبل الوريد ؛ فيجوز أن يكون بعضهم أقرب إلى بعضه من بعض ؛ ولهذا قال في تمام الآية : (إذ يتلقى المتلقيان) ، فقوله ( إذ ) ظرف ، فأخبر أنهم أقرب إليه من حبل الوريد حين يتلقى المتلقيان ما يقول ، فهذا كله خبر عن الملائكة . وقوله : (فإني قريب) ، “وهو أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته” ، هذا إنما جاء في الدعاء ، لم يذكر أنه قريب من العباد في كل حال ، وإنما ذكر ذلك في بعض الأحوال . كما في الحديث “عند مسلم”: “أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد” ونحو ذلك . وقوله : “من تقرب إلي شبرًا تقربت إليه ذراعا ، ومن تقرب إلي ذراعا تقربت إليه باعا ، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة” (متفق عليه واللفظ للإمام البخاري) . فقرب الشيء من الشيء مستلزم لقرب الآخر منه ؛ لكن قد يكون قرب الثاني هو اللازم من قرب الأول ، ويكون منه أيضا قرب نفسه . فالأول : كمن تقرب إلى مكة ، أو حائط الكعبة ، فكلما قرب منه قرب الآخر منه من غير أن يكون منه فعل . والثاني : كقرب الإنسان إلى من يتقرب هو إليه ، كما تقدم في هذا الأثر الإلهي . فتقرب العبد إلى الله ، وتقريبه له نطقت نصوص متعددة ، مثل قوله : (أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب) “الإسراء” ونحو ذلك ، فهذا قرب الرب نفسه إلى عبيده ، وهو مثل نزوله إلى سماء الدنيا . وفي الحديث الصحيح : “إن الله يدنو عشية عرفة ، ويباهي الملائكة بأهل عرفة” (رواه مسلم) . فهذا القرب كله خاص في بعض الأحوال دون بعض ، وليس في الكتاب والسنة – قط – قرب ذاته من جميع المخلوقات في كل حال ؛ فعلم بذلك بطلان قول الحلولية ؛ فإنهم عمدوا إلى الخاص المقيد فجعلوه عاما مطلقا ؛ كما جعل إخوانهم الاتحادية ذلك في مثل قوله : “كنت سمعه” وقوله : “فيأتيهم في صورة غير صورته” ، وإن الله تعالى قال على لسان نبيه : “سمع الله لمن حمده” ، وكل هذه النصوص حجة عليهم . فإذا تبين ذلك ؛ فالداعي والساجد يوجه روحه إلى الله تعالى ؛ والروح لها عروج يناسبها . فتقرب إلى الله بلا ريب بحسب تخلصها من الشوائب ، فيكون الله عز وجل منها قريبا قربا يلزم من تقربها ؛ ويكون منه قرب آخر ، كقربه عشية عرفة ، وفي جوف الليل ، وإلى من تقرب منه شبرًا تقرب منه ذراعا ، والنَّاس في آخر الليل يكون في قلوبهم من التوجه ، والتقرب ، والرقة ما لا يوجد في غير ذلك الوقت . وهذا مناسب لنزوله إلى سماء الدنيا ، وقوله : هل من داعٍ ؟ هل من سائل ؟ هل من تائب ؟” متفق عليه . ثم إن هذا النزول : هل هو كدنوه عشية عرفة ؟ لا يحصل لغير الحاج في سائر البلاد – إذ ليس بها وقوف مشروع ، ولا مباهاة الملائكة ، وكما أن تفتيح أبواب الجنة ، وتغليق أبواب النار ، وتصفيد الشياطين إذا دخل شهر رمضان : إنما هو للمسلمين الذين يصومون رمضان ؛ لا الكفار الذين لا يرون له حرمة ، وكذلك اطلاعه يوم بدر ، وقوله لهم : “اعملوا ما شئتم” كان مختصا بأولئك – أم هو عام ؟ فيه كلام ليس هذا موضعه . والكلام في هذا القرب : من جنس الكلام في نزوله كل ليلة ، ودنوه عشية عرفة ، وتكليمه لموسى من الشجرة ، وقوله : (أن بورك من في النار ومن حولها) “النمل” … والصواب : قول السلف : أنه ينزل ولا يخلو منه العرش . وروح العبد في بدنه لا تزال ليلا ونهارا إلى أن تموت ، ووقت النوم تعرج ، وقد تسجد تحت العرش ، وهي لم تفارق جسده . وكذلك أقرب ما يكون من ربه وهو ساجد ، وروحه في بدنه ، وأحكام الأرواح مخالف لأحكام الأبدان ، فكيف بالملائكة ؟ ! فكيف برب العالمين ؟ ! … ومن الناس من غلط فظن أن قربه من جنس حركة بدن الإنسان : إذا مال إلى جهة انصرف عن الأخرى ، وهو يجد عمل روحه يخالف عمل بدنه ؛ فيجد نفسه تقرب من نفوس كثيرين من الناس ؛ من غير أن ينصرف قربها إلى هذا عن قربها إلى هذا . وبالجملة فقرب الرب من قلوب المؤمنين ، وقرب قلوبهم منه : أمر معروف لا يجهل ؛ فإن القلوب تصعد إليه على قدر ما فيها من الإيمان والمعرفة ، والذكر والخشية والتوكل . وهذا متفق عليه بين الناس كلهم ؛ بخلاف القرب الذي قبله”. (الأسماء والصفات)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

جوابا على سؤال مقلق : ( لماذا لم يستجب الله لدعاء أئمة الأمة وأوليائها لكشف الغمة …..الخ)

محمد شاه قطب الدين الحامدي باحث إسلامي ولأهمية السؤال والإشكال المطروح أحببت أن …