أخبار عاجلة
للفنان موفق قات

سرقة وطن

د. عبد الحقّ الهوّاس

أكاديمي سوري.
عرض مقالات الكاتب

من المجحف أن نتهم شعبنا على صمته على انقلاب حسني الزعيم، وسامي الحناوي ، وأديب الشيشكلي، والبعث ، وحافظ أسد… ومن غير اللائق ألا نتهم كل من يقف مع الأهبل بالخيانة العظمى، وكل صفات الانحدار والانتهازية والتخلف بعد انكشاف العمق الكافي للغرق … نعم نحن نعجب من هذا التخلف المركب الذي يحمله أناس مردوا على النفاق ومازالوا يقفون مع الجزار؛ لكننا لاننكر وجوده، ولايغرنَّنا طول الجسوم وشكل المظهر، ولن نعجب من أن بشار نفسه متخلف جدا، وسهيل الحسن، ورامي مخلوف ، والخدام والشرع وطلاس وناجي جميل وكل من عملوا مع النظام الانقلابي متخلفون وضحية تخلف جنى على فرضية وجودهم بما يجب أن يكونوا عليه كمواطنين يساهمون في بناء الوطن بالطريقة الصحيحة … لعل قائلا يقول : هم طائفيون ، ولصوص ، ووجدوا فرصتهم في سرقة وطن فعاثوا به فسادا … نقول نعم هم أكثر من ذلك ، وهذا كلام حق لانشك به ولكنه أيضا يصلح دليلا صريحا يؤكد أنهم متخلفون ، ولسبب بسيط أنهم غلبوا مصالحهم الشخصية على مصلحة الوطن وهذه خيانة عظمى بكل المقاييس القانونية والأخلاقية، فسارق مال أبيه ليس ثريا وابن نعمة ، وذكي ، بل هو لص ، والأدهى إذا ترك أباه في فقر مدقع أو جعله خادما له … المجرم الذي يفلت من القانون لايمتلك شرف البراءة ، بل هو مجرم يرتكب جريمته عن قناعة …فبون شاسع بين مخلص ، ومخ لص ، ومن أراد المجد ركب له الصعاب وقاد الدنيا نحوه ، والنفس تتوق للمعالي بطبعها… ألم يكن من حق حافظ وابنه، وغيرهما أن يكون لهم مجد تاريخي تتغنى به الأجيال… ربما يقول من يقول : هم لايبحثون عن مجد خارج المجد الطائفي ! وهذا صحيح ، وهو أفق محدود وشتان بينه وبين مجد مؤثل لكل الوطن ، أوليس هذا تخلفا ؟ الموت قاسم مشترك للبشر ونهاية لابد منها ، والمجد عمرٌ باق يخلد صاحبه في حب الأجيال …أشد الناس جبنا يتمنى أن يكون مثل خالد بن الوليد …وأكثرهم ظلما يودُّ لو يكون كعمر بن الخطاب … ولو نظرنا في التفكير كمنتج بشري عالي المستوى يحدد باتجاهاته مستوى فهم الإنسان للحياة وتعقيداتها أيا كان عمله وتوجهه وفلسفته في الحياة مع ملحوظة العبء الذي يترتب عليه وفق مكانته العلمية والثقافة والاجتماعية ، لنقرر دون جدل أو خلاف : أن الطائفي متخلف مهما بلغ من العلم والثقافة المريضة المزيفة أوالمكانة الاجتماعية ، وإنْ حمل لقب شيخ الجبل أو شيخ العقل أو شيخ القبيلة … وإذا كنا نتفق أن الطائفية مرض عضال يصيب العقل في رؤيته للحياة ، ويميت الضمير في مشاركته للفعل الإنساني النبيل ، فإنه يحق لنا أن نفرش الحقيقة في فلسفة الوجود لبناء الأوطان … الوطن يبنى من جميع أبنائه دون استثناء كمشروع حيوي يتساوى به الجميع ويتمايزون في عطائهم وفق تنافس شريف يغلِّب مصلحة الوطن على أي مصلحة ذاتية أو طائفية أو إثنية أو عرقية ، وبناء الوطن على أسس سليمة يعني تحقيق غايات المواطن في أسمى معانيها ، أو ما نطلق عليه حياة كريمة … وأي استئثار شخصي، أو فئوي على حساب بناء الوطن وكرامة المواطن هو سرقة وخيانة للوطن … من هنا نحدد حال المتخلف بأنه إنسان لم يصل تفكيره بعد إلى مستوى إدراك الغاية / المثال في حقيقة وجوده أو في الأدنى في مصلحته بالاندماج بالبوتقة الوطنية المنتجة للبناء الوطني وللحياة الكريمة … ويجب التأكيد أن البناء مهما شمخ من دون كرامة المواطن، وإن لم يكن هذا المواطن كريما حرا يعي ما مطلوب منه ومن الوطن الذي يتفانى في بنائه وحمايته، فإنه بناء هش لاقيمة له ولا استمرار ولا استقرار … فنحن الآن وصلنا إلى التسليم بالحقائق ، وهي : وعي ، ينتج وطنا راقيا ومواطنا مخلصا وحرية وكرامة ومسؤولية وطنية جمعية … وفي المقابل ، تخلف ، ينتج دكتاتورية عمياء ، وخرابا ، ولصوصا وانتهازيين ومنافقين محترفين …
نأسف أن نصارحكم بأن معالجات المحللين السياسين الذين يتصدرون الساحة تقفز على ما كان إلى ما هو كائن ، وتتجاهل البدايات التي صنعت كل هذه الكوارث ، فحين يناقش برنامج فضائي على قناة ما إشكالية وجود روسيا كمستعمر غاشم ، وإيران كغازية حاقدة ، وائتلاف مصنوع ومشبوه ومتخاذل ولص؛ إنما يقفز فوق حقيقة اللحظة التاريخية التي خلقت كل هذا الإشكال ، فهو منتج طبيعي لفعل منحرف عاش على هذا التخلف الذي صمت عليه ، وربما شارك في صناعته … فلولا الانقلابات العسكرية، وزج الجيش في السياسة المريضة ما كان كل هذا الدمار وكل هذا الضياع وكل هذه الخيانات ، وكل هذا الجهل … إذًا لابد من إعادة أسلوب التثقيف في حياتنا وتشخيص حق الشعوب في أوطانها كإرث طبيعي ليس لأحد مهما كان أن يمد يده إليه من دون حقه له أو يدعيه فهو ملك الجميع وأكبر من أي فرد أو حزب أو عصابة ، وأن نكون جريئين في تشخيص حال وطننا من خلال تجريم الانقلابيين الذي سرقوا الوطن، ولعبوا لعبة التخلف المزرية ، ولن يتأتى لنا هذا إلا من خلال عدة خطوات مهمة لابد منها ، وهي :
1- قتل روح الأنا في نفوسسنا ، وإشاعة روح النحن في مجتمعنا .
2- كشف حقيقة الحزبية التسلطية والسلطوية المريضة والتي مازالت تحمل عقلية الانقلابات بأسوب أو آخر وتثقف على أنها الأفضل والأنجع في صورة مضحكة لم تعد لائقة في المجتمعات الحضارية … إن الاجترار الحيواني للشعارات التافهة التي مازال يرددها أشخاص فاقوا المستحثات في وجودهم في حياة لا تتشرف بوجودهم ، ولاترضى بهم في حدائقها الحيوانية أصبحت ظاهرة مرضية أكثر منها تخلفية ، وأصحابها بحاجة إلى إعادة تأهيل لدمجهم في المجتمعات الصحية السليمة

3- اتباع أسلوب التثقيف السليم الذي يرى في الوطن أمًّا للجميع يبرها أبناؤها كانتماء أصيل يفخر به الجميع ويلتقون على قدسيته …
4- الخروج من حالة التخلف وأمراضه الاجتماعية واحترام المواطن كقيمة كبرى يحافظ عليها الوطن ويستثمرها أجمل استثمار …
5- نبذ روح التعصب والطائفية والإثنية، وكل ما هو منتج مشوه بظروفه التاريخية ولايخدم الوطن بقدر ما يخدم المغامرين الدجالين المعتاشين على استمراره على حساب الوطن النقي …
6- وضع أولوية بناء الوطن من خلال بناء الإنسان والتوافق على قاعدة علمية تكون مرتكزا صُلبا للمشروع الوطني الحيوي الذي هو أمر لابد منه لبناء الوطن …
7- إعلاء شأن المواطن وحمايته والحفاظ على وجوده وكرامته وحقه في الحياة الكريمة من خلال المؤسسات الدستورية والقانونية، وبما يكفل الحرية المنضبطة والكرامة، والعيش الكريم …
8- أي مسؤول في الدولة مهما كان منصبه هو مواطن قبل كل منصب ومكانة اجتماعية، وخاضع للمسائلة القانونية ، وحقوقه مستمدة من حقوق المواطنة …
9- سلطة الدولة سلطة قانونية يتساوى فيها الجميع على حد سواء، وتمثل أعلى درجات العدالة في المساواة ..
10- فصل السلطات السيادية الأربع ، وخاصة القضائية ، واتباع أعلى درجات النزاهة والشفافية، ورفض كل أشكال المحسوبية ، وتجسيد روح الحرية المبدعة …
لقد خسرنا مرحلة زمنية مهمة في حياة الوطن عدنا بها إلى الصفر ، ودفعنا الثمن غاليا، ولن يكون مستحيلا أن نوقف هذا التاريخ لنصحح مسيرته في استعادة الوطن … وتبقى كلمة القرصان شاهدا تاريخيا على المفارقات السلطوية المضحكة حد البكاء في قلب الحقيقة وتثبيت الأمر الواقع بقوة القمع الأعمى ، حين قال للحاكم : يا سيدي أنا سرقت سفينة فسموني قرصانا ، وأنت سرقت وطنا فسموك امبراطورا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

رؤية في تصنيف النصوص

عبد العزيز الحامدي باحث وشاعر لخطورة ما يكتب وينشر أمامنا في عموم وسائط …