أخبار عاجلة
الرئيسية / بحوث ودراسات / الجذور الفكرية والعقدية للتعاليم الشيعية 1 من 3

الجذور الفكرية والعقدية للتعاليم الشيعية 1 من 3

د. محمد عبد المحسن مصطفى عبد الرحمن

أكاديمي مصري.
عرض مقالات الكاتب

في كتابه Treacherous alliance: The secret dealings of Israel, Iran, and the United States- التحالف الغادر: التعاملات السريَّة بين إيران وأمريكا وإسرائيل (2007)، فنَّد الباحث، إيراني الأصل سويدي الجنسيَّة، تريتا بارسي مزاعم وجود عداء بين نظام ملالي الشِّيعة في الجمهوريَّة الإسلاميَّة الإيرانيَّة والولايات المتَّحدة الأمريكيَّة، “الشَّيطان الأكبر”، وإسرائيل، “ربيبة الشَّيطان”، معتبرًا أنَّ العلاقة بين الطَّرفين ستظلُّ لغزًا غامضًا يتعذَّر فهمه. لعلَّ في تسمية الكتاب بـ “التَّحالف الغادر” ما يكشف عن التَّواطؤ السِّري بين الولايات المتَّحدة، حيث يستقر غالبيَّة أباطرة المال اليهود ممَّن يسيطرون على اقتصادها وبالتَّالي يوجِّهون سياساتها الخارجيَّة، وبين ملالي إيران في سبيل تحقيق هدف واحد، وهو إحكام السَّيطرة على منطقة الشَّرق الأوسط، وإعادة تشكيلها بما يخدم مصالح الطَّرفين، وفق ما تمليه عقيدة “المخلِّص”، سواءً كان ماشيح اليهود أو مهديّ الشِّيعة.

الشِّيعة واليهود!!

يعتقد المفكِّر الإسلامي المعاصر، الدكتور محمَّد العبدة، في تقديمه كتاب خريطة الشِّيعة في العالم (2008) للكاتب أمير سعيد، أنَّ الأمَّة المحمَّديَّة قد ابتُليت منذ زمن أمير المؤمنين، ذي النورين، عثمان بن عفَّان (رضي الله عنه وعن صحابة رسول الله ﷺ أجمعين)، بالحقد الفارسي، متمثِّلًا في فتنة عبد الله بن سبأ، ابن السوداء، كما يُطلق عليه. نشأ ذلك الحقد عن تدمير صحابة الرسول الكريم الإمبراطوريَّة الساسانيَّة الفارسيَّة، بعد انتصارهم في معارك منظَّمة قادها سيف الله المسلول، خالد بن الوليد، وأدارها أمير المؤمنين، عمر بن الخطَّاب من المدينة المنوَّرة، وتكلَّلت تلك المعارك بسقوط الإمبراطوريَّة الساسانيَّة، ومقتل آخر ملوكها، يزدجرد الثالث. من الحقائق الجديرة بالإشارة أنَّ شهربانو شاه زنان-أي ملكة النساء-ابنة يزدجرد الثالث، قد وقعت في الأسر، مع أختين لها، وقد أهداها أمير المؤمنين عُمر للحسين بن عليٍّ، سبط رسول الله، جاريةً. تزوَّج الحسين بشهربانو، وأنجب منها ولدًا، هو عليٌّ زين العابدين، أو علىٌّ السجَّاد. امتلأت قلوب المجوس بالحقد تجاه المسلمين، بعد انتشار الإسلام وتطهير الديار من عبادة الشَّيطان، متجسِّدًا في إله النَّار، واحتفظ بعضهم بذات العقائد التي ألبسها عليهم معبودهم عن الرَّجعة وتناسُخ الأرواح وتأليه الأولياء.

يعتبر مقدِّم الكتاب أنَّ المشروع الصَّفوي الإيراني اليوم ما هو إلَّا امتداد للحركة التخريبيَّة التي ظهرت في مهد الإسلام لإفساد صحيحه، وتكمن خطورته في امتلاكه المفرط للمال، وتظاهره بمعاداة الغرب، بينما هو يواليها، بالذَّات الولايات المتَّحدة الأمريكيَّة، سرًّا. يشير العبدة إلى واقعة تهديد الرئيس الإيراني السَّابق محمود أحمدي نجاد، خلال فترة رئاسته (2005-2013)، وقتما أصدر هذا الكتاب، للولايات المتَّحدة وإسرائيل، بالزيف والكذب؛ لخداع المسلمين ورسم صورة وهميَّة عن معاداة الشِّيعة الروافض، أتباع العقيدة الإماميَّة الاثني عشريَّة، لليهود. لا يتعدَّى هذا العداء الظَّاهري كونه تقيَّةً يداري بها الطَّرفان تحالُفهما السرِّي. ومن بين إيجابيَّات هذا الكتاب أنَّه يوضح حقيقة التظاهر بتطبيق الديموقراطيَّة في نظام الحُكم الحالي في إيران، بينما النظام الحقيقي يقوم على نظريَّة ولاية الفقيه.

يوضح أمر سعيد في البداية أنَّ هدفه الأساسي هو استعراض تأثير المعتقد الإيراني على سياساته الخارجيَّة، في محاولة لفهم النظام الإيراني، وتبيان تأثير امتزاج العنصر الفارسي القومي بالشِّيعي الدِّيني، وإيضاح الاستراتيجيَّة السياسيَّة التي تطبِّقها إيران منذ زمن الثورة الخمينيَّة في 1979 ميلاديًّا. يتعجَّب سعيد من سقوط العراق وحدها في حرب أمريكيَّة تدميريَّة عام 2003، برغم أنَّ الخطاب الأمريكي المعادي لما أسماه الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الابن، “محور الشَّر”، شمل مع العراق كلًّا من إيران وكوريا الشَّماليَّة، ناهيك عن معاونة شيعة العراق لأمريكا بموجب فتوى للمرجعيَّة العليا، عليٍّ السيستاني، بوجود معاونة الأمريكان ضدَّ نظام صدَّام حسين، كما سبقت الإشارة، وعن إعلان بوش دابليو بوش “حملة صليبيَّة” على المشرق الإسلامي، وهو الذي ينتمي إلى إدارة ترعى العلمانيَّة وتسعى إلى نشرها في العالم كلِّه. والتساؤل الذي يكشف عنه طرح الكاتب هو: كيف يستند الساسة في أمريكا وإيران، وكلاهما نظام ديموقراطيٌّ يقوم على الانتخاب وتنحية الدِّين جانبًا في المسائل السياسيَّة، إلى العقائد في اتِّخاذ القرار؟

“مصفاة الإسلام السياسي”: تنقية صحيح الإسلام أم تحريفه؟

يتطرَّق سعيد إلى مسألة رفض الاتِّحاد الأوروبي دخول تركيا في عضويَّته؛ بسبب رأي بابا الفاتيكان السَّابق، بندكت السَّادس عشر، الرّافض لهذه العضويَّة، التي كان من شأنها تغيير التركيبة السُّكَّانيَّة لأوروبا. أمَّا عن الحلِّ، فهو ما أطلق عليه الفرنسي الأسبق، فرنسوا ساركوزي، “مصفاة الإسلام”، وهي عبارة عن تكتُّل شرق أوسطي-أوروبي يعيد تعريف الإسلام بما يتناسب مع المشروع الغربي للعالم الإسلامي. ويرى سعيد أنَّ هذا التكتُّل هو تنفيذ لما أعلن عنه المفكِّر السياسي الأمريكي الرَّاحل صامويل هنتنجتون، في كتابه الشَّهير صدام الحضارات وإعادة تشكيل النظام العالمي (1996)، من إنتاج الغرب حضارة شرقيَّة جديدة تتفق مع مفاهيمه (ص29). لا تنتمي إيران لنفس الخلفيَّة الدينيَّة لجاراتها السُّنيَّة، ومع ذلك تُحسب على الإسلام، برغم أنَّها تستند في المرتبة الأولى إلى عقائد باطنيَّة لا تختلف عمَّا تؤمن به أمريكا ولا إسرائيل، وهذه هي الحقيقة التي لا بدَّ وأن يعرفها الجميع. لا يحرِّك السياسات الصهيو-أمريكيَّة ولا الإيرانيَّة سوى عقيدة المخلِّص، الذي سيحكم العالم ويبيد ما عدا الأمم التي تتبعه.

من هذا المنطلق، يقول سعيد أنَّ التراشق والهجوم المتبادَل بين إيران وأمريكا ما هو إلَّا ستار يخفي “علاقة متشعِّبة وممتدَّة جغرافيًّا وتاريخيًّا ودينيًّا، لا تخطئ ملامحها دوائر صُنع القرار في واشنطن أو طهران” (ص33). يستشهد سعيد بما جاء في مقال نشرته صحيفة هيرالد تريبيون الدوليَّة الأمريكيَّة في عام 2006، بعنوان إسرائيل وإيران: العلاقات الرابطة للفُرس واليهود.

يتطرَّق المقال إلى العلاقات التاريخيَّة بين اليهود والفُرس، منذ زمن قورش، الملك الفارسي الذي أعاد بني إسرائيل إلى الأرض المقدَّس من بابل بعد ما يقرب من 40 عامًا في السَّبي، ودعَّمهم في بناء الهيكل الثَّاني، ولولا ذلك لما قامت دولة إسرائيل الثَّانية، بعد العودة من السَّبي، وقبل ميلاد نبيِّ الله عيسى بن مريم.

يتعجَّب كاتب المقال، ستانلي فايس، من تحوُّل كلِّ من إيران وإسرائيل إلى العدو الألدِّ للدولة الأخرى؛ فالرئيس الإيراني-وقتها-أحمدي نجاد يدعو إلى محو إسرائيل من الخريطة، ورئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت-سابقًا-يسمِّي إيران المسلَّحة نوويًّا خطرًا وجوديًّا بالنسبة إلى إسرائيل.

غير أنَّ تلك العداوة بين الدولتين، والتي تأجَّجت في أعقاب الثَّورة الإسلاميَّة في إيران عام 1979، ليس إلَّا انحرافًا تاريخيًّا عن التقارب الذي كفلته الروابط الثقافيَّ العتيقة، والأهداف الاستراتيجيَّة المشتركة، التي جعلت من إيران وإسرائيل حليفتين في السَّابق، وتحديدًا قبل الثورة الخمينيَّة في 1979. ويعتبر صاحب المقال أنَّ إحياء الشَّراكة الفارسيَّة-اليهوديَّة حتميًّا، برغم تردِّي العلاقات اليوم، بفضل المصالح الاستراتيجيَّة المتينة. ستحتاج إسرائيلُ إيرانَ وسوريا في كبح جماح حزب الله وحماس والجهاد الإسلامي، كما ستحتاج إيرانُ إسرائيلَ وجماعة الضغط اليهوديَّة في واشنطن في إلغاء العقوبات الاقتصاديَّة الأمريكيَّة على إيران.

يستشهد صاحب المقال برأي رئيس الوزراء البريطاني الأسبق، بينجامين دزرائيلي، عن العلاقات بين الدول. يقول هذا الرأي “ليس للأمم أصدقاء دائمون أو أعداء دائمون، فقط مصالح دائمة”. ويستنتج صاحب مقال هيرالد تريبيون أنَّ المصالح الدَّائمة بين “إيران الفارسيَّة وإسرائيل اليهوديَّة” سيجعل منهما صديقتين من جديد. جدير بالذِّكر أنَّ بينجامين دزرائيلي، الذي يستشهد صاحب المقال برأيه، من أشهر راسمي السياسات الأوروبيَّة الاستعماريَّة في العالم الإسلامي، استنادًا إلى عقيدته المسيحيَّة الصهيونيَّة. عُرف عن دزرائيلي تمسُّكه بأصوله اليهوديَّة، ويكفي التنويه عن أنَّ الاحتلال البريطاني لمصر خُطط له في عهده، نُفِّذ بعد تركه منصبه بعامين فقط، في 1882 ميلاديًّا.

أمَّا عن أكبر داعم للتقارب بين إيران وإسرائيل هو أنَّ الأخيرة تضمُّ ما يقرب من 200 ألف يهودي من أصول إيرانيَّة، من بينهم نائب رئيس الدولة، وقائد الجيش ورئيس إسرائيلي يتقن الفارسيَّة، هو الرئيس الثامن للكيان الصهيوني، موشيه كتساف. ويرى صاحب المقال أنَّ هذه الجالية من شأنها تأسيس روابط جديدة بين إسرائيل و”وطن الأجداد”.

يعلِّق سعيد على حقيقة العلاقات بين إيران وأمريكا وإسرائيل، موضحا متانة التعاون بسبب أحاديَّة الهدف (ص34):

من نافلة القول، التَّأكيد على متانة العلاقات (الباطنيَّة) بين كلٍّ من واشنطن وطهران، والَّتي تتجلَّى في أكثر من مشهد إقليمي؛ إنَّ في أفغانستان أو العراق أو في الخليج العربي، أو حتَّى في لبنان الَّذي إن أبدت واشنطن عداءً ظاهريًّا لـ “حزب الله” فإنَّها تمنحه “شرعيَّة” المقاومة والتَّحدي لها بذكاء أو بغباء-سيان-حين تعلن بقوَّة دعمها للحكومة اللبنانيَّة بما يشوِّه صورة الأخيرة، من دون أن يمنحها قيد أنملة في اتِّجاه تحقيق نوع من التَّوازن العسكري مع “حزب الله”…وليس جديدًا ما صرَّح به مستشار الرَّئيس الإيراني السَّابق خاتمي الَّذي قال: “لولانا ما انتصرت الولايات المتَّحدة في أفغانستان والعراق“؛ فالتَّصريح بات من الشُّهرة بحيث لا يعد خافيًا هذا التَّواطؤ المبني عل أُسس عقديَّة يتخلَّف عنها مصالح استراتيجيَّة.

يلخِّص سعيد في نقاط حقيقة العداء بين أمريكا وإيران:

-تفرض أمريكا عقوبات على إيران، وفي ذات الوقت تستعين بها في حربها على العراق وأفغانستان، المتاخمتين لها، بدلًا من غزوها مثلهما.

-تدَّعي وكالة الاستخبارات المركزيَّة الأمريكيَّة أنَّ العراق بها أسلحة للدمار الشَّامل، وثبت زيف هذا الزَّعم على لسان مشعلي الحرب عليها، الرئيس الأمريكي ورئيس الوزراء البريطاني، بينما تنفي الوكالة ذاتها امتلاك إيران برنامجًا نوويًّا.

-يطالب المجتمع الدولي بنزع سلاح كافَّة القوى غير الرسميَّة اللبنانيَّة، باستثناء حزب الله الشِّيعي، المدعوم من إيران.

-تعتبر أمريكا وإسرائيل حزب الله تنظيمًا إرهابيًّا مُسلَّحًا بعد حرب يوليو من عام 2006 ميلاديًّا، لكنَّ الاتحاد الأوروبي لا يتَّفق مع هذا الرأي، علاوة على أنَّ إسرائيل ذاتها اعترفت بشرعيَّة الحزب ضمنيًّا بإجراء تفاهم وقف إطلاق النار الإسرائيلي اللبناني، المعروف كذلك باسم تفاهمات عناقيد الغضب وتفاهم نيسان، المبرم في 26 أبريل من عام 1996.

ويعتبر الكاتب أنَّ التماهي بين إيران وأمريكا، لتقل بين الشِّيعة واليهود، يعود في المرتبة الأولى إلى تشارُك الطرفين في هدف واحد، هو “إضعاف أهل السُّنَّة ودولهم”، وليس فقط إلى استناد عقيدة الشِّيعة إلى نفس المصادر التي تأسست عليها اليهوديَّة خلال سنوات السَّبي البابلي، لكنَّ هذا التماهي لا ينفي عن الطرفين “التنافس الاستراتيجي”، مما يعني أنَّ لكلٍّ من الطرفين مشروعًا تدميريًّا يستهدف أهل السُّنَّة، وقد يتعارض المشروعان، كما هي طبيعة السياسية (ص36). منح الشِّيعة عداءهم لأهل السُّنَّة الشرعيَّة الدينيَّة من خلال الزَّعم بأنَّهم أولى بالقتال من الكفَّار، باعتبارهم مرتدِّين، أو نواصب-والنواصب هو المصطلح الأيديولوجي للردِّ على تسمية أهل السُّنَّة الشِّيعة بالرَّوافض. غير أنَّ الدَّافع الحقيقي لهذه الشرعيَّة، وما يتبع ذلك من كراهية وأحقاد، هو الثأر لإسقاط الدولة الساسانيَّة المجوسيَّة، لتقل مركز عبادة الشيطان، ولن ننسى أنَّ أوَّل عمليَّة اغتيال سياسي لأحد زعماء الأمَّة المحمَّديَّة كانت غدر المجوسي أبي لؤلؤة بأمير المؤمنين عمر وهو يؤمُّ المسلمين في صلاة الفجر، في مخطَّط مُحكم بدأ بتتبُّع عُمر خلال أدائه فريضة الحجِّ، وانتهى بالتنفيذ بعد عودته إلى مقر الخلافة، المدينة المنوَّرة، فجر الأربعاء 26 من ذي الحجَّة من عام 23 هجريًّا، 644 ميلاديًّا.

الجذور العقائديَّة لكراهية الشِّيعة لأهل السُّنَّة

ليس أدلُّ على أنَّ كراهية الشِّيعة تجاه أهل السُّنَّة أشدُّ خطرًا على الأمَّة من التهديد الصهيوني سوى أنَّ من قُتل من مسلمي العراق على يد الشِّيعة بعد الغزو الأمريكي عام 2003، يفوق أعداد القتلى في فلسطين على يد الكيان الصهيوني ذاته منذ عام النكبة، عام 1948. يستعرض سعيد آراء مشايخ الطريقة الشِّيعيَّة عن أهل السُّنَّة، واضعًا يده على كافَّة نماذج التعبير عن الكراهية والاستهزاء في كتب كبار المرجعيَّات الشِّيعيَّة، التي تعادل كتب البخاري ومُسلم الجامعة لصحاح الأحاديث. يبدأ الكاتب بما قاله الصدُّوق، وهو رئيس المحدِّثين الشِّيعة، في علل الشَّرائع، نقلًا عن الإمام جعفر الصَّادق، من حديث يُنسب إلى النبيِّ (ﷺ) يقول يبرِّر فيه غيبة المهدي القائم “لا بدَّ للغلام من غيبة، قالوا ولمَ يا رسول الله؟، قال: يخاف القتل”، مع العلم أنَّ الصَّادق سبق الحسن العسكري بما قريب من قرن ونصف. يصف الصَّادق، وفق ما يقول الصدُّوق، أهل السُّنَّة بـ “أشباه الخنازير”، وبـ “الأمَّة الملعونة”، التي تُنكر القائم، كما أنكر إخوة يوسف أخاهم. 

يضرب سعيد مثالًا آخر من كتاب بحار الأنوار للمجلسي، حيث قال “لو يعلم الناس ما يصنع القائم إذا خرج، لأحبَّ أكثرهم ألَّا يروه ممَّا يقتل من الناس، أما إنَّه لا يبدأ إلَّا بقريش، فلا يأخذ منها إلَّا السَّيف، ولا يعطيها إلَّا السَّيف، حتَّى يقول كثيرٌ من الناس: ليس هذا من آل محمَّد، ولو كان من آل محمَّد لرحم” (جزء52، ص354). سيملأ المهدي، وفق هذه الرواية، الأرض قتلًا وتدميرًا، وليس قسطًا وعدلًا، حتَّى أنَّ الإمام عليٍّ الرضا بن موسى الكاظم سُئل يومًا عن صحَّة قتل المهدي ذراري قتلة الحسين، فردَّ مؤكِّدًا لذلك. ولمَّا سُئل الرضا عن السبب، حيث لا ذنب لذراري القتلة، إعمالًا بقوله تعالى في الآية 18 من سورة فاطر “وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى”، ردَّ الجدُّ الثالث للمهدي القائم، بأنَّ ذراري قتلة الحسين يرضون عن ذلك ويفتخرون به. من هنا، يبرر الشِّيعة قتل أولاد المسلمين الرُّضَّع، حُجَّتهم في ذلك قول الله تعالى في سورة نوح “وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (26) إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا (27)”.

ينقل سعيد عن بعض مشايخ الطريقة الشِّيعيَّة، وأوائل علمائها، الذين سبقت الإشارة إلى مؤلَّفاتهم، أمثال المجلسي والكلِّيني والنعماني والكاشاني، عن المهدي الغائب وقت خروجه، وموقفه من الحرمين الشريفين وأهل السُّنَّة. لعلَّ أهم ما يورد سعيد، ما ينقله عن المجلس في بحار الأنوار، عن هدم المهدي الحرمين “القائم يهدم المسجد الحرام حتَّى يردَّه إلى أساسه، والمسجد النبويَّ حتَّى يردَّه إلى أساسه” (جزء52، ص338)، وعن تذبيحه العرب “ما بقي بيننا وبين العرب إلَّا الذَّبح” (جزء52، ص333). وينقل النعماني في كتابه الغيبة، عن أبي جعفر محمَّد الباقر بن عليٍّ السجَّاد قوله “يقوم بأمر جديد، وسُنَّة جديدة، وقضاء جديد، على العرب شديد، ليس شأنه إلا القتل، ولا يستتيب أحدًا، ولا تأخذه في الله لومة لائم” (ص154)؛ وقد ورد هذا الحديث برواية أخرى تقول “يقوم القائم بأمر جديد، وكتاب جديد، وقضاء جديد على العرب شديد، ليس شأنه إلا السيف لا يستتب أحدًا ولا يأخذه في الله لومة لائم”، ويعني هذا أنَّ القائم يأتي بشريعة جديدة تختلف عن شريعة النبيِّ (ﷺ)، ووصل الأمر بالنعماني أن ادَّعي أنَّ المهدي يدعو ربَّه باسمه العبري “إذا أذَّن الإمام دعا الله باسمه العبراني، فأتيحت له صحابته الثلاثمائة والثلاثة عشر، قزع كقزع الخريف، فهم أصحاب الألوية، منهم من يفقد عن فراشه ليلاً فيصبح بمكة” (ص169). وقد جاء في الأصول من الكافي للكلِّيني “قال أبو عبد الله: إذا قام قائم آل محمد (عليه السلام) حَكَم بحُكم داود وسليمان، ولا يُسأل عن بيِّنة” (جزء1، ص397).

وقد أكَّد المجلسي مسألة المجيء بدين جديدـ في بحار الأنوار بقوله “عن بن عقدة، عن أحمد بن يوسف، عن إسماعيل بن مهران، عن ابن البطائني عن أبيه، ووهيب، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: والله لكأني أنظر إليه بين الركن والمقام يبايع الناس على كتاب جديد، على العرب شديد” (جزء52، ص294). ويقول المجلسي في الكتاب ذاته “روى أبو خديجة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا قام القائم عليه السلام جاء بأمر جديد كما دعا رسول الله في بدو الإسلام إلى أمر جديد” (جزء52، ص338). وقد جاء المفيد في الإرشاد بهذه الرواية (ص359). وقد قال الكاشاني في الوافي ما يؤكِّد التحوُّل الجذري الذي يُدخله مهديُّ الشِّيعة على صحيح الإسلام؛ فإلى جانب هدم الحرمين الشريفين، والعمل بكتاب غير القرآن الكريم، وتقتيل العرب، يحوِّل القائم القبلة إلى الكوفة بعد أن يقتلع الحجر الأسود من الكعبة وينقله إليها “يا أهل الكوفة لقد حباكم الله عز وجل بما لم يحب به أحدًا، ففضل مصلاكم وهو بيت آدم وبيت نوح وبيت إدريس ومصلَّى إبراهيم…ولا تذهب الأيَّام حتَّى يُنصب الحجر الأسود فيه” (جزء1، ص215). من هذه الأوصاف، يكوِّن سعيدًا رأيه عن المهدي الغائب (ص46-47):

إنَّنا إذن إزاء شخص يجاوز في خسَّته ما فعله كلُّ أعداء دولة الإسلام على مرِّ العصور، من تتر وصليبيين وحتَّى “استعمار” معاصر، بل يفوق ما سيتمكَّن من فعله المسيح الدَّجَّال الَّذي نصَّت الأحاديث النَّبويَّة الشَّريفة على أنَّه لن يتمكَّن من دخول مكَّة والمدينة لأنَّها ستُحرَّم عليه؛ فأيِّ رجل هذا يدعو الشِّيعة ليل نهار أن يعجِّل الله خروجه!!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

فتح القسطنطينية – 2 من 11

أ.د. أحمد رشاد أكاديمي مصري المشهد الأول استعدادات الفاتح للفتح ولعل من الأفضل …