أخبار عاجلة

تأملات قرآنية مع شيخ الإسلام ابن تيمية (8)

الدكتور حسين القحطاني

عرض مقالات الكاتب

{أهل الغناء في زمن ابن تيمية}
قال الله عز وجل : (أفمن هذا الحديث تعجبون • وتضحكون ولا تبكون • وأنتم سامدون • فاسجدوا لله واعبدوا) “النجم” . أفمن هذا القرآن تستغربون – أيها المشركون – من أن يكون صدقا وعدلا ، وتضحكون منه سخرية واستهزاءا ، ولا تبكون خوفا من وعيده وقوارعه ؟ وأنتم لاهون في اشتغالكم بالباطل كالغناء وغيره ، معرضون عن الاتعاظ ، غافلون عما أمركم الله به ، فاسجدوا لله واخضعوا له وأخلصوا له العبادة وحده ، وسلموا له أموركم فهو إلهكم الحق . قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في معنى “سامدون” : “قال غير واحد من السلف : هو الغناء . فقال : اسمد لنا ، أي : غن لنا ، فذم المعرض عما يجب من استماع المشتغل عنه باستماع الغناء ، كما هو فعل كثير من الذين أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات ، وحال كثير من المتنسكة في اعتياضهم بسماع المكاء والتصدية عن سماع قول الله تعالى … ومن المعلوم أن استماع الأصوات يوجب حركة النفس بحسب ذلك الصوت الذي يوجب الحركة ، وهو يوجب الحركة . وللأصوات طباع متنوعة ، تتنوع آثارها في النفس … وهذا الأمر يفعله بنو آدم من أهل الديانات البدعية كالنصارى والصابئة ، وغير أهل الديانات ممن يحرك بذلك حبه وشوقه ووجده ، أو حزنه وأسفه ، أو حميته وغضبه ، أو غير ذلك . فخلف بعد أولئك من صار يجمع عليه أخلاطا من الناس ، ويرون اجتماعهم لذلك شبكة تصطاد النفوس – بزعمهم – إلى التوبة والوصول في طريق أهل الإرادة . وأحدث بعد أولئك أيضا الاستماع من المخانيث المعروفين بالغناء لأهل الفسوق والزنا ، وربما استمعوه من الصبيان المردان ، أو من النسوان الملاح ، كما يفعل أهل الدساكر والمواخير . وقد يجمعون في السماع أنواع الفساق والفجار ، وربما قصدوا التكاثر بهم والافتخار ، لا سيما إن كانوا من أهل الرياسة واليسار ، وكثيرا ما يحضر فيه أنواع المردان ، وقد يكون ذلك من أكبر مقاصد أهل السماع ، وربما ألبسوهم الثياب المصبغة الحسنة ، وأرقصوهم في طابق الرقص والدوران ، وجعلوا مشاهدتهم ، بل معانقتهم مطلوبا لمن يحضر من الأعيان ، وإذا غلبهم وجد الشيطان رفعوا الأصوات التي يبغضها الرحمن . وكذلك زادوا في الابتداع في إنشاد القصائد ، فكثيرا ما ينشدون أشعار الفساق والفجار ، وفيهم كثير ينشدون أشعار الكفار ، بل ينشدون ما لا يستجيزه أكثر أهل التكذيب ، وإنما يقوله أعظم الناس كفرا برب العالمين ، وأشدهم بعدا عن الله ورسوله والمؤمنين . وزادوا أيضا في الآلات التي تستثار بها الأصوات – مما يصنع بالأفواه والأيدي ، كأبواق اليهود ونواقيس النصارى – من بليغ المنكرات ، كأنواع الشبابات والصفارات ، وأنواع الصلاصل والأوتار المصوتات – ما عظمت به الفتنة ، حتى ربا فيها الصغير ، وهرم فيها الكبير . وحتى اتخذوا ذلك دينا وديدنا ، وجعلوه من الوظائف الراتبة بالغداة والعشي ، كصلاة الفجر والعصر ، وفي الأوقات والأماكن الفاضلات ، واعتاضوا به عن القرآن والصلوات . وصدق فيهم قوله : (فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات) “مريم” ، وصار لهم نصيب من قوله تعالى : (وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية) “الأنفال” ، إذ المكاء هو الصفير ونحوه من الغناء ، والتصدية هي التصفيق بالأيدي ، فإذا كان هذا سماع المشركين ، الذي ذمه الله في كتابه ، فكيف إذا اقترن بالمكاء الصفارات المواصيل ، وبالتصدية مصلصلات الغرابيل ، وجعل ذلك طريقا ودينا يتقرب به إلى المولى الجليل … بل أفضى الأمر إلى أن يجتمع في هذا السماع على الكفر بالرحمن ، والاستهزاء بالقرآن ، والذم للمساجد والصلوات ، والطعن في أهل الإيمان والقُربات ، والاستخفاف بالأنبياء والمرسلين ، والتحضيض على جهاد المؤمنين ، ومعاونة الكفار والمنافقين ، واتخاذ المخلوق إلها من دون رب العالمين ، وشرب أبوال المستمعين ، وجعل ذلك من أفضل أحوال العارفين ، ورفع الأصوات المنكرات ، التي أصحابها شر من البهائم السائمات … الذين يفعلون في سماعاتهم ما لا يفعله اليهود والنصارى ، ولهذا يتولون من يتولاهم من اليهود والنصارى والصابئة والمشركين والمجوس ، ويجعلونهم من إخوانهم وأصحابهم وأهل خرقتهم ، مع معاداتهم للأنبياء والمؤمنين . فصار السماع المحدث دائرا بين الكفر والفسوق والعصيان ؛ ولا حول ولا قوة إلا بالله ، وكفره من أغلظ الكفر وأشده ، وفسوقه من أعظم الفسوق . وذلك أن تأثير الأصوات في النفوس من أعظم التأثير : يغنيها ويغذيها ، حتى قيل : إنه لذلك سمي غناء ، لأنه يغني النفس . وهو يفعل في النفوس أعظم من حميا الكؤوس ، حتى يوجب للنفوس أحوال عجيبة ، يظن أصحابها أن ذلك من جنس كرامات الأولياء ، وإنما هو من الأمور الطبيعية الباطلة المبعدة عن الله ، إذ الشياطين تمدهم في السماع بأنواع الإمداد . كما قال تعالى : (وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون) “الأعراف” . وقال للشيطان : (واستفزز من استطعت منهم بصوتك) “الإسراء” ، فربما يخف أحدهم حتى يرقص فوق رؤوسهم ، ويكون شيطانه هو المغذي لنفوسهم … وصار في أهل هذا السماع المحدث ، الذين اتخذوا دينهم لغوا ولعبا ، ضد ما أحبه الله وشرعه في دين الحق ، الذي بعث به رسوله من عامة الوجوه ، بل صار مشتملا على جميع ما حرمه الله ورسوله” (الاستقامة) .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

جوابا على سؤال مقلق : ( لماذا لم يستجب الله لدعاء أئمة الأمة وأوليائها لكشف الغمة …..الخ)

محمد شاه قطب الدين الحامدي باحث إسلامي ولأهمية السؤال والإشكال المطروح أحببت أن …