أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات / ذكاء الغباء وغباء الذكاء

ذكاء الغباء وغباء الذكاء

د. عبد الحقّ الهوّاس

أكاديمي سوري.
عرض مقالات الكاتب

نتفق بلا جدال أن مرحلة الاستعمار السايكس بيكوي من أشد المراحل ظلاما على الأمة ، وأن أبناءها الذين ذهبوا إلى الدراسة في الغرب قد انبهروا بأفكار الغرب وعلومه ، وأصابتهم سهام صدمة الحائر بين واقع الوطن البائس، والواقع المزدهر الذي يرونه في الغرب …
لاشك أن أمرين مهمين يحددان مسيرة المواطن العربي في ذلك الوقت، وهما طفولة العقل في نموه ، وحصانته تجاه الوقوع بمصائد الآخر بشكل مباشر، أو غير مباشر…
من أهم الأفكار التي تبناها الشباب العربي هو فكر الفيلسوف الإيطالي الماسوني ( جوزيبي مازيني ) مؤسس حركة ( البعث الإيطالي ) في القرن التاسع عشر حيث كانت أحوال إيطاليا تماثل أحوال الوطن العربي … رفع مازيني شعاره الشهير : وحدة حرية استقلال / مستلهما الواقع المر لإيطاليا ، وداعيا إلى تحريرها ووحدة أراضيها … اعتمد مازيني على فكرة الحزب الانقلابي ، مؤكدا أن قلب النظام بالقوة هو السبيل السليم لتحقيق الأهداف في الوحدة والحرية وبناء الوطن .، وترجم ذلك بعدة محاولات لتسلم السلطة… وجدت أفكار مازيني صدى كبيرا في نفوس الطلاب العرب في مرحلة نمو العقل وتدريبه على التلقي أولا ، ثم الانتاج ثانيا وفق رؤية الآخر / المثال ؛ إنْ نحن أحسنا الظن، وأبعدنا الاتهام، لنتفق على الوقوع في الفخ الطبيعي (المصيدة الفكرية ) من خلال انبهار المتلقي بالأستاذ مع وجود الأسباب الموضوعية للقبول والتبني … ما يؤخذ على الناقلين أنهم صمتوا عن مصادرهم وحقيقة تأثرهم بها ، ولم يصرحوا بها ؛ إما خشية من الاتهام بنقل أفكار معادية للدين والتراث ، أو رغبة جامحة في الحصول على لقب مفكر في ظل واقع بائس ، فكان بعضهم يحاول تلافي النقص من خلال إظهار الإعجاب بالتراث العقدي … لن أتهم الشخصيات التي أنجزت مشروع نقل أفكار جوزيبي مازيني واستلهمت تجربته، وتناحرها في بعض الشكليات المزيفة ، ثم توافقها على الجوهر والأصول ، وإبقاء الخلاف فيما بدا خلافا في وجهات نظر لاتختلف على الهدف الرئيس … ميشيل عفلق / أكرم الحوراني / زكي الأرسوزي ، خاضوا خصومة التوافق والصمت على الأصول …كان زكي أكثرهم صراحة في سبقهم إلى استلهام فكر غربي بحكم تأثره بأتاتورك وتجربته الحيوية في تركيا، ومحاولة زكي إيجاد قيادة فئوية متأثرة بأفكار طائفية تدعي بأنها قومية بحكم العيش في دولة أخرى تعدها محتلة لتعبر عن ذاتها باسم قومية مغايرة ، وهذا ماظهر لدى التلاميذ فيما بعد، وخاصة صلاح جديد الذي كان أكثر اهتماما بالفكر من العسكري البليد حافظ الأسد …أضر بصلاح جديد غروره بنفسه وطائفته، فتمرد على سيده الأمريكي الذي هيأ له فرصة الظهور كمفكر يخرج من قمقم الجيش المتخلف فكريا ؛ فكانت نهايته على يد ساعده الذي صنعه بعناية حين تفوق عليه باعتماده مبدأ ( نفذ ولاتناقش ) فوقع عليه الاختيار … هذا الذي يبدو استطرادا مني هو في واقعه مقصود لتوضيح ضعف الفكر المستورد‘ وعدم وجود جذور له في الواقع ، وأهم مافيه هو وجود ثغرة كبرى سمحت للمتمردين على هذا الفكر واللاعبين على حبال المغامرة أن يصلوا إلى السلطة بالقوة ويسرقوا الوطن أسوة بسرقة الفكر من قبل المؤسسين الأوائل ، وأعني بذلك ثغرة ( الانقلابية )
واليوم بعد مضي تسعين عاما على نقل فكر مازيني أو حركة البعث الإيطالي ، وسبعة وستين عاما على حكم البعث كيف ننظر إلى أنفسنا ؟ سواء مَن انخرط وتحمس وانتهز أو أخلص للبعث ، أو من فاتته اللعبة، ومرت عليه، وهولايعرف خفاياها ؟ ومن نافلة القول ما قرره معظم الباحثين في الفكر السياسي : إن الفكر القومي العربي هو من منابع غربية ولد بظروفه وأدى مهمته في الغرب فأنتج دولا من واقعها ومفكرين استلهموا ذلك الواقع بصدق المعاناة ، أما نحن العرب فقد استوردنا حلة امرىء القيس فتساقط لحمنا ، بصرف النظر عن صحة الرواية الأسطورة ، وإنما للتأكيد على أن من يطلب المجد من عدوه سيصيبه ما أصاب من قال : إنما نحاول ملكا أو نموت فنعذرَ … نعم نموت ولكن لن نُعذر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

التعميم من العمى

نعيم مصطفى كاتب وباحث سوري ابتليت بعض الأمم في هذا العصر بداء ضرب …