أخبار عاجلة
الرئيسية / حقوق وحريات / إضاءات سياسية (30)

إضاءات سياسية (30)

هيثم المالح

عرض مقالات الكاتب

ينفرد موقع رسالة بوست بنشر كتاب إضاءات سياسية للأستاذ هيثم المالح

التحول نحو أمريكا

دمشق 06/06/2005

زرت الولايات المتحدة مرات عديدة بدءاً من عام 1987 وقضيت فيها فترات طويلة نسبياً ، وخرجت منها بتصور أعتقد برجاحته .

أولاً : إن هذه الدولة تصدمك للوهلة الأولى بالدور الكبير الذي تلعبه مجموعة الشركات والاحتكارات العملاقة في إدارتها ، إذ تخصص هذه القوى أشخاصاً منها لإدارة شؤون الدولة ، وحتى يتمكن هؤلاء من إدارة هذه الدولة يحاصرونها إعلامياً ، ويغلقون عليها النوافذ مما يدع المواطن الأمريكي لا يعرف إلا ما يدور في الداخل ، وأحياناً لا يعلم شيئاً حتى عن الولايات الأخرى خارج الولاية التي يعيش فيها .

 يسيطر على الدولة حزبان لا يختلفان في حقيقتهما سوى في السياسة الداخلية ، أما بمواجهة الخارج فهما سواء .

 ثانياً : لا بد من التفريق بين الحكومة والشعب ، فالحكومة الأمريكية لها حساباتها الخاصة في إطار التصور المذكور سابقاً والقائمة على المصالح المجردة من أي معنى إنساني ، وأما الشعب الأمريكي فبرغم أنه يتسم بالبساطة والطيبة ، فهو كسائر الشعوب فيه الجيد والسيئ .

 هذه صورة الولايات المتحدة الأمريكية التي حصلّتها لنفسي من خلال زياراتي المتكررة لها .

 وبحسب بول فندلي-السيناتور السابق-  في العديد من كتبه فإن الأصولية المسيحية ، هي التي تتحكم في شؤون البلاد والسياسة الخارجية ، مدفوعة بجماعات الضغط الصهيونية ، وبالتالي فإن التحيز الواضح والفاضح إلى جانب المعتدين الصهاينة ، والدعم للجرائم التي يرتكبونها في فلسطين ، كل ذلك يشكل في وجداني صورة قائمة عن الإدارة الأمريكية ، برغم وجود شخصيات هامة جداً هناك تتصدى لهذا الانحراف والتحيز ولكن دون جدوى .

ولذا فهذه الصورة التي رسمتها تدعوني إلى :

1- عدم الثقة في الإدارة الأمريكية .

2- وضعها في خانة العداء لقضايانا المصيرية .

ومن ثم يكون من الصعب عليّ أن أغير هذا الرأي قبل أن ألمس تحولاً جذرياً باتجاه العدل والإنصاف ، وتوجهاً حقيقياً للموقف الموضوعي العادل في الصراع مع الدولة الصهيونية العدوانية الدخيلة والغريبة عن المنطقة بأسرها .

 ومن ذلك ترى أنني بنيت رأيي بدءاً من عام 1987 وقبل أحداث الحادي عشر من أيلول/سبتمبر المشؤومة ، ذلك أنني كلما شاهدت المجازر ترتكب بحق أهلنا في فلسطين واستمرار تدنيس مقدساتنا هناك ، والدعم المطلق واللا محدود من الإدارة الأمريكية للدولة الصهيونية ، وكذلك احتلال الولايات المتحدة للعراق ، كلما ازددت قناعة بما قدمته من رأي .

هذه الصورة لا أظنها خافية على أحد ، ومواطنونا لديهم التصور الصحيح لما يجري على الساحة العامة ، وإذا كان من الممكن أن يتجه بعض المثقفين للتحول في العلاقة مع أمريكا ، فإن من الغريب حقاً أن يتحول اليساريون في هذا الاتجاه ، وهم الذين كانوا طليعة المقاومين للسياسة الأمريكية ، والذي كانوا يضعونها في خانة الإمبريالية .

فماذا حصل ؟ ولماذا هذا التحول ؟

لا ريب أن الأنظمة القمعية الشمولية التي تسود العالم العربي من أقصاه إلى أقصاه قد ولّدت حالة من الضغوط واليأس العام ، مما أدى نفاد صبر بعض المثقفين الذين لم يحصنوا بنيتهم بالثقافة التاريخية ، ولم يلحظوا حركة التاريخ ، كما أنهم لا يتمتعون بالصبر الكافي لمواصلة الكفاح للوصول إلى أهدافهم ، فاستسهلوا الطريق وبدؤوا السباق بالقفز فوق الحواجز واتبعوا سياسة حرق المراحل واختصار المسافات دون أن أهمية سير كهذا قد يوردهم ويورد البلاد المهالك .

تضمن القرآن الكريم نحواً من مائة وخمس وثلاثين آية تدعو إلى العمل ، وقريباً من هذا الرقم آيات تدعو إلى الصبر ، وفي قناعتي قامت الدولة الإسلامية على هاتين القاعدتين الهامتين ، فالعمل يتسبب أحياناًُ بإزعاجات ومشكلات قد تصيب من يعمل في الشأن العام ، مما يتعين عليه أن يتحلى بالصبر ، وإلا سوف ينكفئ الإنسان عن العمل ويدفعه عدم الصبر إلى أن ينخرط في خدمة تيارات وسياسات مختلفة وظناً منه أن تقلبه في هذه التيارات سيؤدي به إلى بلوغ غايته .

لا شك أن الإنسان عرضة في حياته لأن يخضع للتغير وهذه طبيعة الحياة فإذا ما تم ذلك بناء على قناعة ودراسة متأنية ومستفيضة فإن التغيير يكون مهماً ونافعاً وأما إذا كان التغير ناجماً عن ردود أفعال وخاصة إذا كان في الجانب السياسي ، يكون التغيير مدمراً .

إن من طبيعة الحياة البشرية التنوع والتعدد سواء كان في الخلقة أم في الشكل وأهم ما يفيد الإنسان هو البحث عن المشترك في الحياة ، لأنه بدون ذلك ستكون خلافات حادة وقد تؤدي هذه الخلافات إلى حروب ومآسي ثم تكون الكوارث والدمار .

من ذلك يتبين أن هؤلاء المتحولين إلى جانب الولايات المتحدة قد خضعوا لردة فعل على حكوماتهم الظالمة فراحوا يستنجدون بدولة إمبريالية خارجة على القانون والشرعة الدوليين بظنهم أنهم سوف يجدون الدعم في مواجهة حكوماتهم ولم يدر بخلدهم أن هذه الدولة لا ترى الأمور إلا من وجهة نظرها وفي إطار مصالحها الخاصة كما شرحناه سابقاً ، ونكون كالدب الذي قتل صاحبه بحجر من أجل قتل ذبابة على جبينه .

لا ريب أن النظام السائد في سورية منذ ما بعد بدء التجربة الديمقراطية بين عامي 1945 وحتى 1949 وحتى الآن إنما هو نظام استبدادي شمولي عسكري وأمني ، ومعلوم لدى الكافة أن أول انقلاب ضد الشرعية كان انقلاب حسني الزعيم في عام 1949 وبداعي تغيير الحكم للوصول إلى حكم أفضل ، وكان هذا النظام مدعوماً من شخصيات متعددة ومنها يسارية معروفة ، ثم توالت الانقلابات حتى وصلنا إلى ما نحن عليه ، وكان من أسباب ذلك تخلى زعماء يساريون غيرهم عن أفكارهم مدفوعين بردود فعل تمثلت بكره بعض السياسيين الآخرين ، وهذا ما استطعت استنتاجه للإجابة على الأسئلة السابقة وآمل أن أكون وفقت في ذلك .

السرية في مؤتمر حزب البعث

23/06/2005

في الأسبوع الأول من الشهر الحالي عقد حزب البعث “الحاكم من الناحية القانونية والنظرية” مؤتمره بصورة سرية ودون أية شفافية .

معلوم أن المادة /8/ من الدستور قد أعطت حزب البعث “قيادة الدولة والمجتمع” وبالتالي فكما قلت أولاً أن مؤتمر الحزب انعقد بصورة سرية ، دون أن يفكر بأن يطلع الشعب الذي “يحكمه نظرياً” على نتائج مؤتمره ، كما لم يخرج أمينه العام وهو رئيس الجمهورية ليخاطب شعبه على شاشات التلفاز ، أو يبين لهذا الشعب الواقع بين “نظامٍ ضعيف” و “معارضةٍ أضعف” ماذا تم في مؤتمر الحزب العتيد ؟ وما هي القرارات التي اتخذت والتي تمس مصالح الشعب مباشرة ؟ وماذا سيحصل أو إلى أين سيسير برنامج الحزب “إذا كان ثمة برنامج محدد أصلاً” ! وكيف ستردم الهوة الكبيرة والتي تتسع يوماً بعد يوم بين تكدس الثروات الفاحشة ، والتي طالعتنا الأنباء بعضاً منها لواحدٍ من الأسرة الحاكمة والمقدرة ستة مليارات من الدولارات وبين أناسٍ لا يجدون اللقمة يسدون بها رمق أطفالهم وأسرهم ؟ .

معلوم أن البلاد قد خضعت لنظام استبدادي شمولي منذ إعلان حالة الطوارئ عام 1963 ، وتم نتيجة هذه الحالة وما استتبعها من قوانين فاسدة وأوامر خارج القانون ، تصفية قيادات سياسية وعلمية وغيرها ، تحت غطاء ملاحقة جماعة الإخوان المسلمين ، وزُجَّ بالآلاف من الناس في السجون كما أعدم الآلاف بموجب أحكام محاكم ميدانية “غير دستورية ولا شرعية” ، والتي ما تزال تعمل حتى الآن ، أو أحكام محكمة أمن الدولة التي لا يتوفر فيها الحد الأدنى لمعايير المحاكمات العادلة دولياً ، والتي لا تزال تعمل حتى الآن خارج القانون “برغم إحالة رئيسها على التقاعد” ، ودمرت الحياة السياسية والاقتصادية ، وتسرطن الفساد بصورة طالت سائر مرافق الدولة بصورة لم نعهدها من قبل ، وجرى نهب المال العام ولا زال ، وتحول عدد كبير من الجنود الذين من المفترض بهم خدمة البلاد ، إلى خدم أمام دور مسؤولين عسكريين وغيرهم .. الخ ، صورة قاتمة أرخت بظلالها على البلاد والعباد ، فماذا اتخذ البعث في مؤتمره الذي انعقد في مطلع هذا الشهر ؟ .

ما تسرب من معلومات هو اقتراح بتعديل قانون الطوارئ ، ومكافحة الفساد ، في حين لم يعلن أي توجه لإلغاء حالة الطوارئ التي في ظلها تم تعطيل القوانين وأطلقت يد الأجهزة “الأمنية” لتعمل بالقمع دون حدود أو قيود ، وبهدف واحد هو الحفاظ على أمن السلطة لا غير ، كما لم يجر التطرق لإلغاء القوانين المتعددة المنافية للدستور والمتناقضة مع القوانين الأخرى ومع المعاهدات الدولية ، وحقوق الإنسان ، وعلى رأسها المادة /16/ من المرسوم (14) لعام 1963 والتي شرعنت الجريمة أو القانون (49) لعام 1980 ، وكف يد المحاكم الميدانية سيئة الصيت لمحاكمة المدنيين .

فقانون الطوارئ الذي صدر عام 1963 يضم ضمانات هامة للمواطنين :

أولها : أن حالة الطوارئ تعلن بمرسوم يتخذ من قبل مجلس الوزراء المنعقد برئاسة رئيس الجمهورية .

ثانيها : أن مرسوم إعلان حالة الطوارئ يجب عرضه على مجلس النواب في أول اجتماع له للنظر فيه إلغاءً أو تثبيتاً .

ومعلوم أن العسكريين الذين استولوا على السلطة في عام 1963 شكلوا لأنفسهم مجلساً عسكرياً وهو الذي أعلن حالة الطوارئ ، خارج الأصول المبينة آنفاً ثم جاء حزب البعث ليمارس الحكم في إطار هذه الحالة ، ولم يجر عرض حالة الطوارئ على أي مجلس شعب حتى اليوم .

ثم صدر دستور عام 1973 وكان مفصلاً على مقاس الرئيس حافظ الأسد ، وفيه تراجع الدستور عن الضمانات المقررة في القانون فأعطى رئيس الجمهورية صلاحيات إعلان حالة الطوارئ وإنهائها ، وهو ما شكل انحرافاً وتراجعاً في حماية الشعب أمناً وأمانة .

البحث في تعديل القوانين وإلغائها هو من مسؤولية واختصاص المجلس التشريعي وليس من اختصاص حزب البعث ، ومع ذلك تصدى الحزب في المؤتمر لتوصية بتعديل القانون لا بإلغاء حالة الطوارئ ، وهي الحالة المطلوب إلغائها شعبياً .

وفي الوقت الذي يعتبر إلغاء حالة الطوارئ ، حسب القانون ، من اختصاص مجلس الوزراء برئاسة رئيس الجمهورية ، أو من صلاحيات رئيس الجمهورية في الدستور 1937 ، إلا أنه حتى الساعة لا يوجد أي مؤشر على نية السلطة إلغاء هذه الحالة التي أرخت بظلالها على الشعب لأكثر من أربعين عاماً .

هذا من جانب القانون أما الفساد الذي قيل في المؤتمر أن هناك توجهاً لمكافحته ، فأريد أن أطرح سؤالاً محدداً : كيف يمكن محاربة الفساد الذي يبدأ من قمة المتربعين على هرم السلطة ؟ فإذا كانت ثروة جميل الأسد تقدر بستة مليارات من الدولارات ، فما هي يا ترى ثروة الآخرين ؟ .

هل لدى السلطة بكل أجهزتها الجرأة لتعلن الفاسدين وتبدأ بوضع تحفظ على أموالهم و أموال أسرهم تمهيداً للتحقيق حول الفساد ، وإعادة أموال الأمة إليها .

سمعنا أن أحد الحزبيين المشاركين في المؤتمر قال : “أن خمس وتسعين بالمائة من الحاضرين فاسدين” .

وهكذا نرى أن الحزب لم يتخذ في مؤتمره أية خطوة إيجابية في اتجاه الإصلاح .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

هل تبنى الدولة اللبنانية على فساد القضاء

الدكتور طارق شندب محام وأستاذ القانون الدولي يبدو أن ما قاله وزير الداخلية …