أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات / صحافة أم أجندات مسبقة

صحافة أم أجندات مسبقة

نعيم مصطفى

كاتب وباحث سوري
عرض مقالات الكاتب

ليس من عادتي أن أكتب عن أشخاص بأسمائهم وبطريقة مباشرة، ولكن هناك ثلة من الصحفيين قد تخطوا الخطوط الحمراء في تقلباتهم، وأساؤوا لمهنة الصحافة وربما أقول قد خانوا مبادئ هذه المهنة.

ومن هنا رأيت لزاما علي أن أضع النقاط على الحروف في هذا الباب.

ما تعريف الصحفي وما مهنته؟ وكيف ينبغي أن يكون؟

الصحفي هو الشخص الذي يزاول مهنة الصحافة إما منطوقة أو مكتوبة، وعمل الصحفي هو جمع ونشر المعلومات عن الأحداث الراهنة، والاتجاهات وقضايا الناس وعمل ريبورتاجات، كما أن مهنة الصحفي هي إعداد تقارير؛ لإذاعتها أو نشرها في وسائل الإعلام المختلفة مثل الصحف والتلفزيون والمجلات.

وقد تختلف فلسفات المؤسسات الصحفية إلا أنها تجمع على مبادئ اتباع الحقيقة والدقة والموضوعية والحياد والتسامح والمسؤولية أمام القراء.

ويبدأ اتباع تلك الأخلاقيات في الحصول على المعلومات ومراعاة أهميتها ثم توصيلها إلى الجمهور.

وثمة نقاط أساسية في العمل الإعلامي وأخلاقياته وهي:

  1. الصدق: فالحقيقة هي المحور المحرك الإعلامي، والوصول إليها ليس عن الطرق الملتوية، ولا القصيرة المشوبة بما يخدش دقتها وصدقها وواقعيتها.
  2. احترام الكرامة الإنسانية: يوجب عرض الأخبار، والصور بما لا يمس هذه الكرامة جماعية كانت، أو فئة، أو ثقافة، أو دين، أو فردية.
  3. النزاهة والحيادية: وتعني تقديم الخبر والصور بنوع من الحياد، وتجنب للخلط بين الأمور.
  4. التجرد من الهوى والاستقلالية في العمل وعدم الخضوع لأي تأثير.
  5. المسؤولية: أي أنه يجب على الإعلامي أن يتحمل مسؤولية الصحة في أخباره.
  6. العدالة: وتفيد بأن المواطنين متساوون في الحقوق والواجبات كما هم متساوون أمام وسائل الإعلام، وأن العدالة تقتضي توخي الحكمة في عرض الأخبار والصور والابتعاد ما أمكن عن أساليب المبالغة والتهويل والإثارة الرخيصة.
  7. الحق في المعرفة: حق المواطن في معرفة ما يدور في التنظيمات الحكومية، ويعتبر حرمان المواطن من هذا الحق حاجز أمام مصداقية الإعلام.
  8. ضرورة الامتناع عن التشهير، والاتهام الباطل والقذف وانتهاك الحياة الخاصة.
  9. حق الرد والتصويب: إكمال المعلومات الناقصة وتصويبها عندما تكون زائفة.
  10. الحفاظ على الآداب، والأخلاق العامة وكل ما يتصل بأسس الكرامة…

وبعد هذه الإطلالة على مهنة الصحفي والمبادئ التي ينبغي أن يتحلى بها يمكننا القياس والتقويم وإنزال تلك المبادئ على بعض الصحفيين الذين يتصدرون القنوات والمشهد الإعلامي في هذه الأيام.

إن ما يؤسف له حقًا أن نرى إعلاميًا كبيرًا يمتلك محطة تلفزيونية منذ أكثر من عقدين يحول قبلته السياسية بين عشية وضحاها بعد أن تشبث بها سبع سنوات إلى ضفة أخرى، وهو السيد محمد الهاشمي.

الإعلامي المتقلب كما جاء في تحرير بعض المصطلحات هو: لا ينتمي للبلد الذي يعيش فيه – همه الساسي هو المنفعة المادية – ينتقل دون تردد من بلد لآخر وفقًا للعرض الأفضل – غالبًا ما يكون لديه أكثر من جواز سفر أو جنسية، وحقيبة سفره جاهزة في أي وقت – لا تعنيه القيم والأخلاق ويمارس الكذب دون حياء، ويستخدم العبارات الحادة والألفاظ البذيئة إرضاء لمن يدفع له .

فالسيد محمد الهاشمي كان قبل ثورات الربيع العربي يمدح دائمًا السعودية وحكامها ويذم إيران والشيعة ويقوم بإعداد البرامج والحوارات التي تدور في فلك هذه المعادلة، وبعد تفجر الثورات العربية عام/2011/ اصطف الرجل بجانب الشعوب ولكن بخجل أي أن وقوفه لم يكن واضحًا ومتوازيًا، يعني مثلًا

جعل قناته تبث على الهواء من منصة رابعة والنهضة ساعات مطولة –  وهذا موقف رائع لو أنه كان مؤمنًا به – حتى انتهت المظاهرات بمأساة سميت (مجزرة القرن)، وعندما بدأت المأساة السورية وكثر سفك الدماء البريئة الذي تجاوز مئات الآلاف، تجاهل السيد الهاشمي تلك الجريمة النكراء، ولم يخصص لها سوى ساعة أو ساعتين في الأسبوع.

ولم يكن يتهجم على بشار بشكل مباشر، وحتى الآن لم تتضح رؤية الرجل، أحسنا الظن به وقلنا  ربما الأخبار التي تصله مُشكلة عليه، ولكن الأيام كاشفة وفاضحة ولا تجامل أحدًا، وإن للباطل جولة، وللحق جولات.

فقد بدأت محطة الهاشمي بعد انقلاب السيسي تهاجم ليل نهار مصر والإمارات والسعودية، وتنعتهم بالقتلة والتآمر على الشعوب، وإشاعة الفحشاء والمنكر عبر شبكة قنوات (م.ب.س) ، وأنهم ينفقون أموالهم في محاربة الدين والفضيلة، والترويج للرذيلة والفسق، وهذا كله كلام حق وصحيح ولا غبار عليه.

ولكن تغير الرجل أو بالأحرى تلبس الرجل بشكل كامل بتهمة

( الارتباط بأجندة) اتضحت ملامحها في عام 2020 أي بعد سبع سنوات من قصفه لمحور الشر، فقد تغير الرجل كليًا وانقلب على محطته وعلى نفسه وعلى من كان يناصرهم، وراح يغير دفة مركبته الإعلامية باتجاه قطر موجهًا إليها سهامه الحادة، ومباركًا ومثنيًا على الأفاكين ( السيسي وابن زايد وابن سلمان) فتبين بما لا يدع الشك أنه رجل له علاقات متباينة.

ولو تحولنا إلى شخصية أخرى وهي بطلة مقالتنا وليست شخصية ثانوية، وهو الصحفي عبد الباري عطوان الذي كان يملك صحيفة القدس الذائعة الصيت ثم باعها وفتح صحيفة الكترونية أخرى.

من هو عطوان؟

كاتب وصحفي فلسطيني، ولد في مخيم دير البلح للاجئين الفلسطينيين بمدينة دير البلح في قطاع غزة سنة/1950/كان يتولى رئاسة تحرير صحيفة القدس العربي اليومية منذ عام

/ 1989/ وحتى /2013/ لاحقاً أسس وترأس تحرير الصحيفة الالكترونية /رأي اليوم/ ومازال كرئيس تحرير عليها.

بدأ هذا الرجل يخطف الأبصار والعقول العربية مع ولادة قناة الجزيرة، فلم يتنفس المواطن العربي رياح الحرية والديمقراطية النقي إلا بعد ولادة قناة الجزيرة(أما الآن فقد أصبح عندها كثير من السقطات)، فهي أول محطة عربية تتجرأ على اقتحام المحرمات السياسية وتتجاوز الخطوط الحمر، وقد حاولت منذ بدايتها البحث عن السياسيين والمثقفين والمفكرين العرب الذين يعيشون في الدول الأوربية، حتى تفتح لهم هواءها ويتكلمون ما يشاؤون من دون قيد أو شرط، وكان على رأس أولئك الذين استقطبتهم، هو عبد الباري عطوان الذي يعيش في  بريطانيا منذ عقود، وقد تميز هذا الصحفي بطلاقة اللسان وحسن تقديم الحجة والبرهان في بداية إطلالته على الجزيرة، وقد لاقى استحسانًا ومحبة من الشعوب العربية المتعطشة للحرية، والقابعة تحت سيوف الطغاة والديكتاتوريين.

وكان سرّ نجاحه يكمن في مناصرته لقضايا الشعوب، وبث روح الأمل فيها من أن التغيير قادم وأن الظلم لن يدوم، وكان يبدو من خلال حوارات الرجل وحماسه وصبِّ جام غضبه على الحكام العرب الذين يذلون الشعوب ويكمون أفواههم، كان يبدو وكأنه جاء المخلص والفدائي الذي تبحث عنه الشعوب، وهكذا بدأ يلمع نجمه رويدًا رويدًا حتى أصبحت سيرته على كل لسان. كان رئيسًا لتحرير صحيفة القدس وكان أيضًا يبث عبرها مقالاته النارية ضد الحكام العرب محرضًا الشعوب على التخلص من ربقة العبودية، والتأسي بالنظم الغربية.

ولكن بعد دوران الأيام والشهور والسنين، قد تغيرت حال هذا الرجل مع أنه لم يغادر شمس الحرية والديمقراطية التي مُنح جنسيتها (بريطانيا) ولكنه هو الذي تغير أو أنه كان يمتهن الصحافة ويعتبرها مثل أي مهنة دون أن يقرأ بنود الموضوعية والحيادية التي ينبغي أن يتحلى بها الصحفي.

وقد كانت الأيام كفيلة بكشف هويته الحقيقية (الارتباط بأجندات).

فقد شرع يتنقل من رأي إلى رأي ومن واد إلى واد ومن منحدر إلى آخر، من أجل تحقيقه للهدف الأساسي الذي ينشده والذي  وضعه نصب عينيه، وهو مناصرة جهة ضد جهة ولو كانت ظالمة ومعتدية.

فقد طار إلى ابن لادن (المعروف بتشدده) ثم تحول إلى صدام حسين(البعثي القومي) ثم عرج إلى القذافي ثم إلى صالح ثم…

بعد تلكم الرحلة الشاقة على مساحة كبيرة من الجغرافية والتاريخ، فقد تكشفت حقيقة الرجل، بأنه ليس من الصحفيين المناضلين (كما كان يوحي إلى الشعوب) الذين يتجشمون العناء من أجل الحصول على الأخبار والأسرار الحقيقية، ويظفرون بنشرها وإنما من أجل غايات شخصية.

فقد كان دائمًا يردد كلمة الشيخ أسامة بن لادن من باب التبجيل والتعظيم، ولطالما دافع ونافح بقوة عن صدام وعن القومية، وكم هاجم حافظ الأسد وابنه القاصر بشار ورأى أنهما من أكثر الطغاة والمجرمين…

وأخيرًا حطت رحاله في مركبة  ما يسمى بمحور المقاومة زورًا وبهتانًا،  محور بشار وإيران وحزب الله.

والآن راح يسخّر كل منصاته الإعلامية للتغني بمآثر بشار الكيماوي وإيران  وحسن الطائفيين  وبوتين السفاح الذي أحرق كروزني وأردفها بحرق سورية، ويحرض على قتل الشعب السوري ويتهمه بالإرهاب، دون خجل ولا حياء ولا مبدأ.

ولا أريد أن أتحدث عن جرائم هذا المحور لأنها لم تعد خافية على من يملك ذرة من العقل وذرة من البصيرة، وإنما أريد أن أتأسف على شخصية موهوبة قد بلغت من العمر عتيا وتعيش في أرقى دول العالم ديمقراطية وحرية وحرصًا على حقوق الإنسان، كيف باع ضميره وهتك مواثيق أخلاقيات الصحافة وراح يحرض على قتل الشعوب المطالبة بحقوقها وأعتقد أن هذه النماذج من الصحفيين ينبغي أن يكونوا في السجون لأن من يحرض على قتل الأبرياء العزل يجب أن يحاكم.

جاء في المثل: أيها المنافق ستظل موجود، ولكنك ستظل أيضًا أحقر من في الوجود.

ونختم بقول توماس جيفرسون:

” عندما تتحدث عن طريقة العيش فاسبح مع التيار، وعندما تتحدث عن المبادئ قف كالصخرة”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

في الذكرى الرابعة للانقلاب الفاشل

عبد الله مصطفى محام وكاتب سوري في مثل هذا اليوم منذ أربعة أعوام …