أخبار عاجلة
الرئيسية / بحوث ودراسات / السياسة الأميركية تجاه الثورة السورية 2 من 5

السياسة الأميركية تجاه الثورة السورية 2 من 5

د. قصي غريب

كاتب وأكاديمي سوري
عرض مقالات الكاتب

ب – أنتوني كوردسمان

نشر أنتوني كوردسمان – أستاذ كرسي الاستراتيجية في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن – على موقع مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في ٢٢ كانون الثاني ٢٠١٤ التقرير المعنون : سورية وجنيف 2 وعصر أقل الخيارات سوءاً([18]). وأهم ما ورد فيه : ليس للولايات المتحدة خيارات جيدة في سورية، ولا حلفاء قادرون على الانضمام إليها، وتتملكهم الرغبة للقيام بعمل جاد لتنحية الأسد أو لديها فكرة من سيحل محله أو لديه القدرة على تحديد ملامح سورية بعد تنحيته؛ فالصراع على السلطة في ظل نظام مستبد فاشل أتاح لقادة المعارضة خبرة ضئيلة في السياسات السلمية وفي الحوكمة، فعامة حركات المعارضة مقموعة وتآمرية وأيديولوجية ودينية وعنيفة أحياناً، والأحزاب السياسية التي أجازها النظام ضعيفة، وليس لها وجود، والدولة متعسفة في تطبيق القانون وتتجاوزه، ومتحكمة بأغلب الموارد، وتستخدم رأسمالية الموالين لتفيد مناصريها كأداة سياسية، وأسوأ من ذلك أن الاستبداد والقمع كتما في أغلب الحالات التوترات الطائفية والإثنية والقبلية والجهوية.

وأضاف كوردسمان لا يوجد أساس فعلي للديمقراطية، فالانتخابات أصبحت وسيلة لتعرية الانقسامات في الدولة والافتقار إلى قيادة فاعلة، والنتيجة النهائية أن السياسات في حقبة ما بعد الاستبداد تهدد بأن تكون تكراراً مروعاً لتاريخ حقبة ما بعد الاستعمار بتحول الديمقراطية إلى استبداد، بحيث تجرى الانتخابات لمرة واحدة.

وأردف كوردسمان أن القوى الفاعلة على الأرض هي التي سوف تصوغ سياسات الدولة واقتصاداتها واستقرارها، وعلى الولايات المتحدة التركيز على كل قضية وطنية واختلاف كل دولة، وسيكون لزاماً عليها أن تتوصل إلى أفضل رؤية ممكنة بين نظام أو مزيج من فصائل عيوبه كثيرة وقدراته على الوصول إلى السلطة أو الاحتفاظ بها مشكوك فيها؛ وربما هذا يعني أقل الخيارات سوءاً في تشجيع النظم ذات العيوب الكثيرة على التطور والإصلاح عوضاً من الرهان على ديمقراطية فورية، وستكون الولايات المتحدة بحاجة إلى التركيز على تحقيق نتائج جيدة في غضون خمس إلى عشر سنين عوضاً من تحقيق نتائج سيئة في غضون شهور قليلة، والنجاح يعني جهوداً دؤوبة من جانب فرق سفارات الولايات المتحدة، والعمل مع ائتلافات من عناصر من النظام والمعارضة فيها من المساوئ بقدر ما فيها من المحاسن، والقبول بحقيقة أنه ما من دولة ستتطور لتصير نسخة عن الولايات المتحدة، والقبول بأهداف وقيم مختلفة.

وأضاف كوردسمان أن النجاح يعني العمل مع النظم التي لم تتهاو وبخاصة الشركاء مثل المغرب والأردن ولبنان والبحرين والكويت وسلطنة عمان وقطر والسعودية والإمارات، فهذه الدول ذات نظم سياسية وقيم وأهداف استراتيجية مختلفة، وتواجه تحديات كبيرة، لكن تدخل ومساعدة الولايات المتحدة لها على التطور ستجلب لشعبها منافع كثيرة تفوق منافع الاضطرابات السياسية التي بدأت في ٢٠١١، والعمل مع شريك ولو كثرت المساومات والخلافات معه خير من العمل مع فوضى غير مستقرة.

ج – غريغوري غوس

في 22 تموز 2014 نشر غريغوري غوس – زميل أول غير مقيم في مركز بروكنجز الدوحة، وأستاذ كرسي العلاقات الدولية بكلية بوش للخدمات الحكومية بجامعة تكساس أي أند إم – على موقع مركز بروكنجز الدوحة الدراسة المعنونة : ما وراء الطائفية الحرب الباردة الجديدة في الشرق الأوسط([19]). وقد ورد فيها : لا يسع الولايات المتحدة معالجة ضعف المؤسسات الحاكمة في عدد من الدول العربية التي تسببت بتركيبة النزاعات في الحرب الباردة الجديدة في الشرق الأوسط؛ وعليها أن تعي بأن هذه الحرب ليست حرب الولايات المتحدة، ولاسيما أن النزاعات لم تعق المصالح الأميركية في المنطقة إلى حد كبير، ولذلك على الولايات المتحدة أن تفضل النظام على الفوضى، وتدعم الدول التي توفر حكماً فعالاً حتى حين لا يستطيع هذا الحكم تحقيق مستويات الديمقراطية، وحقوق الإنسان المفضلة، ويعني ذلك على سبيل التعداد لا  الحصر :

1 – استكشاف كافة مجالات علاقة جديدة مع حكومة روحاني في إيران .

2 – ضمان الحد من زخم الدولة الإسلامية قبل الضغط على نوري المالكي ليحكم بشكل شامل أكثر .

3 – الاستمرار بالتعاون مع الحكومة العسكرية الناشئة في مصر .

4 – دعم الحلفاء التقليديين مثل الأردن والمملكة العربية السعودية ودول الخليج .

ولا شك في أن هذه السياسات متناقضة حين ينظر إليها من عدسة الحرب الباردة الجديدة في الشرق الأوسط، لكن على الولايات المتحدة أن تركز في سياستها على مصالحها الإقليمية الأساسية التي تحددها، وليس كما تراها القوى الإقليمية، والأخذ بالحسبان أن المصالح الأميركية غير ملتزمة بشكل مباشر في الحرب الباردة الجديدة في الشرق الأوسط كالأطراف المحلية.

د – توماس باركر

في 15 كانون الأول 2014 نشر توماس باركر – الذي عمل على قضايا الأمن القومي في المكتب التنفيذي لرئيس الولايات المتحدة، ومكتب وزير الدفاع، ومع هيئة تخطيط السياسات في وزارة الخارجية، والمخابرات، ومجلس الشيوخ الأميركي – على موقع منتدى فكرة هذه المقالة المعنونة : الديمقراطية والمصالح الأميركية في الشرق الأوسط([20]). وقد ورد فيها : أن الدعم الأميركي للقيم الديمقراطية في الشرق الأوسط لديه آثار إيجابية وسلبية على مصالح الولايات المتحدة، وعلى واشنطن أن تتفادى الرغبة في تحقيق ديمقراطية في شرق أوسط لا يزال غير مهيأ لها، فالحركات الثورية التي تطيح بأنظمة استبدادية غير كفوءة غالباً ما تجلب إلى السلطة أنظمة سياسية أسوأ بكثير، وقد سبق للمفكر السياسي إيدموند بيرك أن حذر من هذا الخطر حين ثار الشارع الفرنسي ضد الملك العاجز في تسعينيات القرن الثامن عشر، حيث يستفيد صناع السياسات من قراءة تحذيرات بيرك بأن الديمقراطية تنمو ببطء، وليس من خلال فورات عنيفة، وفي النهاية للولايات المتحدة وشركائها الديمقراطيين اليد العليا في الشرق الأوسط.

رابعاً – استراتيجية الولايات المتحدة وأهدافها 

لقد حظيت سورية ذات المكانة الاعتبارية الإسلامية والعربية الملهمة، وصاحبة الموقع الجغرافي الاستراتيجي المهم باهتمام الولايات المتحدة من منطلق أن من يقود الشرق الأوسط لا بد له من السيطرة على سورية([21]). وقد بدأت فعلياً بمحاولة السيطرة عليها، وتوجيه سياستها بما يخدم مصالحها من خلال وقوفها وراء الإعداد والتخطيط لأول انقلاب عسكري فيها بقيادة حسني الزعيم في 30 آذار 1949([22]). واستمرت في سياسة محاولة توجيه السياسة الخارجية السورية للعهود السياسة المتتابعة على حكم الدولة السورية، حتى وصلت إلى تأييد انقلاب حافظ الأسد في 16 تشرين الثاني 1970 ونظامه الأقلوي، والوثوق به، ومنحه دوراً خدمياً، يصب في مصلحة الاستراتيجية الأميركية، لاسيما حماية أمن واستقرار حدود إسرائيل([23])، وقد ظهر ذلك منذ أن أعلن المبعوث الأميركي إلى لبنان وسورية دين براون في 19 أيار 1976 أن التدخل السوري في لبنان ضروري، وقادر على المساهمة في إعادة الأمن له([24]).

        وهذا ما أفسح المجال لأن تدخل القوات السورية لبنان في حزيران 1976 برضا أميركي، وقد أكد الرئيس الأميركي جيمي كارتر أن التدخل السوري في لبنان كان بموافقة أميركية وإسرائيلية([25]).

ولذلك عندما اندلعت الانتفاضة الشعبية السلمية المطالبة بنهاية الاستبداد في 15 – 18 آذار 2011، والتي تحولت إلى ثورة لحمل السلاح من قبل المتظاهرين السلميين بسبب استخدام قوات النظام القوة المفرطة والقاتلة ضدهم، وباعتراف الولايات المتحدة([26]) كانت الإدارة الأميركية تراقب الوضع عن كثب، ولا تخفي قلقها، لأن التغيير الذي سوف يحصل في سورية سيكون له ارتدادات على كل المنطقة، وبخاصة على مصالحها الاستراتيجية، وفي مقدمتها أمن واستقرار إسرائيل، وقد قال الرئيس بارك أوباما([27]) : ” انتهجت الولايات المتحدة العمل على مجموعة من المصالح الجوهرية في المنطقة، وهي مكافحة الإرهاب، ووقف انتشار الأسلحة النووية، وضمان حرية حركة التجارة، وضمان أمن المنطقة، والذود عن أمن إسرائيل، والسعي لسلام عربي إسرائيلي”.

ولذلك فإن التغيير السياسي الجذري في سورية سوف يعمل على تغيير الخارطة الجيوسياسية في المنطقة، ومن ثم سيكون له انعكاس على قضيتي الجولان وفلسطين، وهذا ما تعده الولايات المتحدة من المحرمات، لاسيما وأن نظام حافظ الأسد الذي رفع شعار الصمود والتصدي، والوريث بشار الأسد الذي رفع شعار المقاومة والممانعة، لإضفاء الشرعية على نظامهما الأقلوي الطائفي، وللمزايدة السياسة والإعلامية، كان كلاً منهما يؤدي دوراً خداماتياً غير معلن لصالح الاستراتيجية الأميركية في المنطقة، وذلك من خلال حماية أمن واستقرار إسرائيل منذ الاعتراف بقرار مجلس الأمن  242، والتوقيع بجنيف على اتفاقية فك الاشتباك معها في أيار 1974، تنفيذاً لقرار مجلس الأمن 338، ولا تخفي الولايات المتحدة أن تحقيق مصالحها الاستراتيجية المتعلقة بالأمن القومي مرتبطة بالتأثير بمسار التحولات، وإنها تسترشد بمصالحها، وقد أصدر البيت الأبيض في 6 شباط بياناً حول استراتيجية الأمن القومي للعام 2015 وقد ورد فيه([28]) : ” سوف نقود مع تحديد هدف مسترشدين بمصالحنا القومية، وقيمنا الدائمة، وملتزمين بدفع تقدم محفظة متوازنة من الأولويات الجديرة بقوة عظمى، سوف نقود على أساس وجهة نظر طويلة الأمد بحيث نؤثر على مسار التحولات الكبرى في المشهد الأمني اليوم من أجل تأمين مصالحنا القومية في المستقبل “.

ومع سيرورة الثورة السورية، تطورت معها استجابة الإدارة الأميركية القائمة على سياسة غض النظر ودبلوماسية التسويف، فاستخدمت بداية العقوبات ضد النظام في 2011، وتحولت إلى تشجيع عقد المؤتمرات، والدعوة لتوحيد المعارضة السورية في 2012  و 2013، ومن ثم إلى الإعلان عن تدريب ما سمته بقوات المعارضة المعتدلة في 2014 و 2015، وكانت كل هذه السياسة والدبلوماسية والأساليب المخابراتية المتبعة تدخل في باب المشاغلة والإعلام، فالسياسة الأميركية تقوم على مبدأ الإلهاء للحصول على الشيء الذي تهدف إليه، وتختاره ويتماهى مع استراتيجيتها، فأمام حالة الثورة السورية الخطرة على مصالحها، تبنت سياسة التجاهل وغض النظر عن جرائم النظام، مع استخدام الإعلام الذي لا تأثير له على تغيير الواقع مثل إعلان الرئيس باراك أوباما في 18 آب 2011، عن ضرورة تنحي بشار الأسد عن السلطة([29]). وتصريحه في 20 آب 2012 بأن استخدام الأسلحة الكيميائية خط أحمر، وسوف يغير قواعد اللعبة، ويتطلب رداً حازماً([30]).

ولكن على الرغم من هذه التصريحات إلا أن الإدارة الأميركية ومن أجل نشر التطرف والعنف والإرهاب قد استخدمت سياسة التجاهل وغض النظر على الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الإبادة التي يرتكبها النظام ضد الشعب السوري الثائر؛ والتي كانت السبب الرئيس والأساس في دفعه ومعه ميليشيات وعناصر شيعية عابرة للحدود من لبنان والعراق وغيرها من الدول ذات ولاء للولي الفقيه الايراني؛ في أن يستمر في هجماته الوحشية على المدنيين باستخدام كافة الأسلحة بما فيها السلاح الكيميائي، وكان الغرض من هذه السياسة خلق ردة فعل معاكس من الطرف الآخر السني لجذب الجهاديين، وتحويل سورية إلى مركز جذب جهادي على غرار حالة أفغانستان في بداية ثمانينيات وتسعينيات القرن المنصرم([31]). وقد كان دعم الولايات المتحدة للأنظمة المستبدة الفاسدة، وسياستها الخارجية ذات المعايير المزدوجة تجاه قضايا المنطقة، ولاسيما القضية الفلسطينية وراء تشكيل الجماعات والتنظيمات الجهادية المتطرفة .

ومع اندلاع الثورة السورية لم يحصل أي تغير في هذه السياسة، بل أن الإدارة الأميركية سمحت للنظام في أن يوغل في هجماته ضد المدنيين، ويستخدم كافة الأسلحة التقليدية وغير التقليدية، لتبرير التطرف كردة فعل، فقد رأت في الساحة السورية فرصة سانحة لاستنزاف كافة الخصوم من دون تقديم أي خسائر، فعملت على عدم انتصار الثورة السورية من خلال منع تزويدها بالسلاح النوعي، واقتصارها على ما تسميه وزارة الخارجية الأميركية بالمساعدات غير الفتاكة ([32]).

فالولايات المتحدة ترى في تزويد المعارضة السورية بالأسلحة الفتاكة هو بالضد من مصلحتها، وقد رفعت مساعدة وزير الخارجية لشؤون الشرق الأدنى بث جونز برسالة إلى لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ في 11 نيسان 2013، قالت فيها([33]) : ” إن ما يتنافى مع مصلحة الولايات المتحدة أو الشعب السوري هو أن يتم تزويد معارضي بشار الأسد بأسلحة فتاكة “.

ومن خلال هذه السياسة المتبعة يمكن تحديد معالم الاستراتيجية الأميركية، وأهدافها تجاه الثورة السورية بـالآتي :

1 – تحويل اتجاه الثورة

قامت السياسة الأميركية على تحويل اتجاه هدف الثورة السورية من سقوط نظام الأقلية الطائفي المستبد وإقامة دولة النظام الديمقراطي والمواطنة لكل السوريين إلى نزاع أهلي طائفي وحرب ضد التطرف والعنف والإرهاب؛ لدفع الشعب السوري إلى الموازنة بين الأمن وبين الفوضى والاضطراب في عهد الثورة، بغية إعادة إنتاج النظام من خلال قيام الإدارة الأميركية بالترويج والتسويق السياسي والدبلوماسي، والإعلامي للحل السياسي والتأكيد على استحالة الحل العسكري، والحسم من قبل طرف عبر الإصرار على تطبيق بيان جنيف 1([34]).

فالمجموعة الدولية بقيادة الولايات المتحدة ما انفكت تدعو إلى حل سياسي في سورية يجمع بين النظام والمعارضة، ويقوم على تطبيق البيان الختامي لجنيف 1 الـصادر عـن اجتمـاع مجموعـة العمـل مـن أجـل سورية الذي عقده المبعوث الخاص المـشترك للأمـم المتحـدة وجامعـة الـدول العربيـة لـسورية بجنيف في ٣٠ حزيران ٢٠١٢؛ فهذا البيان هو محاولة واضحة لإعادة إنتاج نظام الأقلية الطائفي في سورية بوجه جديد، فالمجتمعون عبروا فيه عن جزعهم وقلقهم البالغين من خطورة الحالة لتواصل أعمال القتل والتدمير وانتهاكات حقوق الإنسان، وعدم حماية المدنيين واشتداد العنف، ولكن من دون ذكر مسؤولية النظام، والتغاضي عن الجرائم ضد الإنسانية التي اقترفها ضد الشعب السوري، بل إنهم جعلوا له اليد الطولى في قيادة العملية السياسية الانتقالية لتلبية التطلعات المشروعة للشعب السوري، لتحديد مستقبله بصورة مستقلة ديمقراطية من خلال تأكيدهم على ذلك في المواد 3، و 4 الفقرة ج، و 6، و 11 الفقرة د، كما أنهم منحوا له في حال إقامـة هيئـة حكـم انتقاليـة تــضم أعــضاء مــنه ومن المعارضــة حق الاعتراض على الأشخاص في تشكيلها؛ وهذا يعني على أساس الموافقة المتبادلة في المادة 9 الفقرة أ، ولذلك لنزع سلاح الثورة، تحت ذريعة توطيد الهدوء والاستقرار، وقد أتاحوا له إكمـال عمليـات انـسحاب قواته مقابل نـزع سـلاح المجموعـات المسلحة، وتسريح أفرادها، وإعادة إدماجهم في المادة 10 الفقرة أ، ومن أجل الحفاظ على استمرار قواته العسكرية والأمنية الطائفية، ولاسيما أجهزة المخابرات تحت ذريعة الحفاظ على الخدمات العامة، وسير عملها، فقد أكدوا على استمرار المؤسسات الحكومية والموظفين مـن ذوي الكفـاءات في المادة 10 الفقرة ج([35]).

وعلى الرغم من صدور بيان جنيف 1 إلا أنه لم يلتزم بتطبيقه لا النظام ولا مجموعة العمل من أجل سورية بقيادة الولايات المتحدة التي وضعته، وهذا يعني إعطاء الفرصة للنظام لإلحاق الهزيمة بالثورة السورية، ويتبدى ذلك بقول الرئيس بارك أوباما([36]): ” إننا سنواصل دعم الشعب السوري من خلال ممارسة ضغوط على نظام الأسد، والتزامنا تجاه المعارضة، ورعايتنا للمشردين، وسعينا الحثيث في سبيل التوصل إلى حل سياسي يحقق قيام حكومة تحترم كرامة أبناء شعبها “.

وهذا ما أكدته المندوبة الأميركية الدائمة لدى الأمم المتحدة السفيرة سامانثا باور في كلمة لها خلال مناقشة في مجلس الأمن الدولي حول الشرق الأوسط في 15 كانون الثاني 2015، على استحالة الحل العسكري حيث قالت([37]) : ” لا يوجد أي حل عسكري لهذا النزاع المدمر بل فقط الحل السياسي “.

2 – تهميش وإقصاء الأكثرية

قامت السياسة الأميركية على تهميش المكون الأساس والرئيس لسورية – العرب السنة – بإبعادهم عن السيطرة على القرار والفعل، بغية إضعاف وتفكيك الدولة السورية وذلك من خلال سعي الإدارة الأميركية للترويج والتسويق الإعلامي لشبح التقسيم الذي أصبح له معطيات واضحة على أرض الواقع؛ ناهيك عن سياستها القائمة على التجاهل وغض النظر عن الجرائم التي يرتكبها النظام وحلفاؤه، وعدم رفع الغطاء السياسي والدبلوماسي عنه، وقد أسهم طيران التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة في حربها على تنظيم الدولة الإسلامية –  داعش -، تمهيداً لميليشيا قوات حماية الشعب الكردية الموالية للنظام في السيطرة والتمدد الجغرافي على أجزاء شاسعة من شرق وشمال سورية؛ وارتكاب جرائم قتل وتهجير وحرق ضد الأكثرية العربية من أجل تحقيق فرض الحل السياسي القائم على تطبيق ما يسمى بالديمقراطية التوافقية؛ وتحويل النظام السياسي في سورية من نظام قائم على الطائفية السياسية – الذي ثار الشعب السوري ضده – إلى نظام قائم على التعددية القومية والطائفية السياسية؛ من منطلق أنه ليس بالإمكان إصلاح المنطقة بسبب عدم التمكن من نقل القيم الغربية العلمانية التي تلتزم بها شريحة صغيرة إلى المنطقة لمعارضة عناصر رئيسة بالمجتمع؛ لاسيما الحركات الإسلامية التي يجب أن تمنع ولا يكون لها موطئ قدم بالمنطقة في هذا القرن؛ فالمفروض على الولايات المتحدة أن تعمل لضمان مصالحها القائمة على مكافحة الإرهاب، ووقف الانتشار النووي، ودعم الحلفاء والشركاء، وتسهيل تدفق النفط([38]).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

الجذور الفكرية والعقدية للتعاليم الشيعية 1 من 3

د. محمد عبد المحسن مصطفى عبد الرحمن أكاديمي مصري. في كتابه Treacherous alliance: …