أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات / أسباب تأخر النصر ومتى يكون؟ 2 من 2

أسباب تأخر النصر ومتى يكون؟ 2 من 2

أ. د. عبد المجيد الحميدي الويس

سياسي وأكاديمي سوري
عرض مقالات الكاتب

السبب الثاني: أن ما تراه أنت ليس هو الحقيقة كلها، فقد عرفت شيئا وغابت عنك أشياء.. وعليك أن تستشهد بقوله تعالى: (وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم)آل عمران 126، وقوله تعالى: (وما النصر إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم) الأنفال 10.

        ترى لو أنك أخذت بكل أسباب النصر فعلا، وصار الناس كلهم على قلب أتقى رجل منهم، ولم يرد الله أن يكتب لهم الله النصر، هل سينتصرون؟ وهل سيأتي النصر الذي تريد، بالطريقة التي تريد؟ وقد قضى الله تأخيره، أو عدم حصوله.. هل يستطيع أحد أن يتأله على الله، ويغالب قدر الله وأمره، ويكسر إرادة الله؟.

     اعلم أيها المؤمن أن الله يؤخر النصر لحكمة هو يريدها ويعلمها، وسيأتي النصر، وقد تكون منتصراً، وأنت لا تدري..

        إن هذا النظام المجرم شرَّش في أعماق الأرض، وبنى إمبراطورية من الخوف والرعب، جمع فيها كل قذارات العالم، وشذاذ الآفاق، ووحوش البشر، وطغوا وبغوا واستبدوا، وقتلوا وأجرموا، وفسدوا وأفسدوا، وملكوا كل شيء، وحرموا الناس من كل شيء، وأحرقوا مركبهم، وعرفوا مصيرهم وما ينتظرهم في الدنيا والآخرة، فليس من السهولة بمكان أن يتخلوا عن هذا بسهولة، ويستسلموا ويسلموا وينسحبوا من المشهد بصمت ، ويخلوا الساحة بهدوء، .. لأسباب كثيرة:

الأول: ما يمتلكون من مقومات، ومن أسباب القوة المادية، ومن تماسكهم وتكاتفهم وتعاونهم كطائفة وطوائف أخرى وأقليات، وخونة السنة، وجبنائهم وأذلائهم..

        تآزرت كل هذه الأشكال القذرة، واستماتت كل هذه الزمر العميلة، واصطفت في خندق واحد للدفاع عن هذا النظام المجرم، حفاظا على وجودها ومصالحها، وخوفا مما ينتظرها من عقاب الشعب والقانون والعدل والحق والانتقام والثأر..

الثاني: أن كل مجرمي العالم معهم، وكل معسكر الشر معهم، وكل خبث العالم معهم، وكل شياطين الأرض معهم، فالمعركة مفتوحة الآن بين الخير كله, والشر كله؛ أي بين العدل والظلم، والرحمن والشيطان، والعرب والفرس، والإسلام والكفر، والإيمان والشرك، والجور والقسط، والطاغوت والاستقامة، والحق والباطل..

الثالث – الأهم: إن الذين يدعمون الثورة، ويقفون معها، هم في حقيقتهم إنما يتآمرون عليها، ويطعنونها من الخلف، ويعملون على تدميرها من الداخل، وقتل الشرفاء, وتمزيق الصف, وتفريق الكلمة, والتناحر والخلاف, ونصرة هذا النظام المجرم بكل قوة، والعمل على بقائه بكل حماسة, ودعمه بكل الوسائل.

الرابع: تفرق كلمة الثوار، واختلاف راياتهم، وكثرة مشاريعهم، وتعدد خنادقهم، وعدم وجود جامع يجمعهم، وموحد يوحدهم، وقيادة تقودهم؛ تحظى بثقتهم، وعدم وجود ثقة بينهم أصلا، وكثرة الخونة في صفوفهم، وعدم وجود من يدعمهم دعما حقيقيا صادقا مخلصا؛ فيقف معهم، ويوحد صفهم، ويجمع كلمتهم, وإنما العكس هو الحاصل.

الخامس: انكشاف تآمر وخيانة حلف الشر, وعملهم على إجهاض الربيع العربي، وظهور خيانتهم وعداوتهم لأمة العرب والإسلام، وخدمتهم للصهيونية اليهودية، والماسونية العالمية.

        ولولا إطالة أمد المعركة ما انكشف هذا الحلف الصهيوني المقيت، ولا  بانت كل هذه المشاريع العدوانية، ولا ظهر كل هؤلاء الخونة العملاء، ولا انفضحت كل هذه الخيانات الغادرة.

       من هنا كنت وما زلت أعتقد جازما أن القوم لن يستسلموا بسهولة، وأنهم سيقاومون حتى الرمق الأخير، والنفس الأخير، واللحظة الأخيرة.. ولكنهم منهزمون بفضل الله وقوته وإرادته ونصره.

      وأيضا بات واضحا انكشاف أصحاب الخندق المعادي، وزعماء الحلف الصهيوني اليهودي الماسوني في الشرق والغرب، وتبين أن أصدقاء الشعب السوري هم – في حقيقتهم – أعداؤه ، وكلهم يقفون صفا واحدا في الخندق المعادي للربيع العربي، وضد الثورة العربية الكبرى في سورية، ويحاربون الإسلام الحقيقي, وأن ليس هناك أصدقاء للشعب السوري، ولا أشقاء له، بل هم العدو فاحذرهم, ونحن كالأيتام في مأدبة اللئام، وعلينا أن نتصرف من خلال هذه الحقيقة، فنعيد ترتيب أوراقنا، ونعرف عدونا من صديقنا، ونجمع كلمتنا، ونصفي عقيدتنا، ونقوي إيماننا، وننظم صفوفنا، ونشد أزر بعضنا، ونعيد الكرة، فننتصر.

      لقد ثبت بالدليل القاطع أنهم كلهم أعداء؛ كشروا عن أنيابهم، وأشهروا سلاحهم، وحشدوا قواتهم، وأوغلوا في القتل والجريمة، وولغوا في دم الشعب السوري, ودماء العرب والمسلمين.

       ولقد انكشفت المعركة، ودخلوها بكل قوتهم، وبكافة الأسلحة، العسكرية، والسياسية، والإعلامية، والاقتصادية، وغيرها.. وحاولوا ومازالوا يحاولون إجهاض الثورة، وفتحوا خزائنهم ومخازنهم للعدو، وجندوا كل قوى الشر، ولكنهم لم يفلحوا، ولن يفلحوا إن شاء لله، وستدور الدائرة عليهم، وينقلب السحر على الساحر، ويظهر الحق، من الباطل، وينتصر العدل، ويولي الظلم والظلام إلى غير رجعة.. قال تعالى: } إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ اللّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ }الأنفال36

       لو أن النصر حصل منذ سنة أو سنتين أو ثلاثة، لاندس في صفوف الثوار أعداد كثيرة منهم، وربما سرقوا الثورة، ونحوا بها منحى آخر، أو شكلوا دولة عميقة فيها، يمكن أن تنقلب على الثورة تحرفها عن طريقها الذي خرجت من أجله، وسارت فيه، ونعود إلى نقطة الصفر، وربما أسوأ.

     لقد كشفت الثورة عن خبث كثير، وضعف إيمان كثير، وجهل كثير، وأمراض كثيرة.

       وبالوقت نفسه كشفت عن إيمان ثابت راسخ لا يتزعزع عند السواد الأعظم من الثوار، وعن إصرار على المقاومة عند الشعب، وعن قوة وصلابة عند المقاتلين، وعن شجاعة نادرة، وإقدام لا مثيل له، وأساطير من البطولة والتضحية والفداء قل نظيرها في العالم كله عند المجاهدين..

         إنها مرحلة تمحيص وتطهير وتنقية وفرز وصهر وإعادة صياغة جديدة لشعب جديد، وأمة جديدة نقية طاهرة زكية، مؤهلة لاستلام الراية، وحمل الأمانة، والوصول بها إلى حيث يريد الله ورسوله وصالح المؤمنين.

        لقد تبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر، وانفرزت الخنادق، وظهرت معادن الرجال، وبانت مواقف الدول والشعوب والأنظمة والأشخاص، وحصحص الحق، وانبلج الصبح، وأزفت ساعة الخلاص، واقترب موعد النصر، ودنا موعد الاحتفال الكبير بيوم سقوط الطغاة المستبدين، وزوال ملكهم، وليأخذوا معهم كل ذيولهم وأدلاءهم وعملاءهم، وكل الخونة والمتآمرين، ويعود الحق لأهله، وترتفع راية العدل والسلام، والإسلام؛ راية لا إله إلا الله، محمد رسول الله؛ بحقها وحقيقتها، وجوهرها ومعدنها الأصيل..

         وليعود للربيع العربي المسلم ألقه، وللثورة العربية في سورية زهوها، وتفرح السماوات والأرض، ويحتفل العالم كله بيوم النصر العظيم الذي صار قاب قوسين أو أدنى، بعد أن يعيد الثوار ترتيب أوراقهم، وينظموا صفوفهم، ويأخذوا بالأسباب، وسيأذن الله بالنصر المبين إن شاء الله.

        إن ثورتنا ثورة أمة، ورسالتها رسالة سماء، وجنودها وشعبها أهل الله وخاصته، ولن يخذل الله أمة أخلصت حياتها له، وقدمت خيرة أبنائها فداء لدينه، وإعلاء لكلمته… وسينصرها الله نصرا عزيزا مؤزرا، عندما تحين ساعته، ويحل موعده.. وقد اقترب الوعد الحق .. بإذنه تعالى..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

قراءة في خطاب أنطوني بلينكن عن السياسة الخارجية في عهد بادين

د. عثمان محمد بخاش باحث في الفكر الإسلامي والقضايا المعاصرة قدم وزير الخارجية …