أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات / تجربة الرئيس محمد مرسي.. وأسئلة المستقبل

تجربة الرئيس محمد مرسي.. وأسئلة المستقبل

عزت النمر

كاتب ومحلل سياسي مهتم بقضايا مصر والأمة
عرض مقالات الكاتب

لا يخالجني شك في أن تجربة الشهيد الدكتور محمد مرسي لن تغيب في تاريخنا المعاصر باعتبارها محاولة فاشلة وانتهت، لكن أرى يقيناً أنها ستمهد لتجربة ناجحة وتحول ديمقراطي فذ في واقعنا المصري القريب.

أبعد من ذلك؛ أرى يقيناً أن التحول الديمقراطي المرتقب لن يتوقف عند حالة محدودة بوطن واحد فقط في محيطنا العربي، ولن يقف كذلك عند حالة نجاح نسبي كما هو الآن في حالة الشقيقة تونس، بل أنتظر ربيعاً عربياً واسعاً يُغَيِّر واقعنا في صورة نجاح عريضة وعميقة في آن.

أُقُدِّر وأتفهم حالة التشاؤم التي تعتري البعض، وحالات “التشاؤل والتفاؤم” التي يتردد فيها كثير من الواقعيين، لكنني أثق في رؤيتي المتفائلة لمستقبلنا القريب من غير التورط في تاريخ محدد احتراماً للعقل والمنطق فقط، وليس قلةً في الثقة أو اهتزازاً في اليقين.

يدعم حالة الأمل التي أُبشر بها  كم الصمود والثبات والقيم المعنوية التي كشفت عنها الأحداث القاسية التي عايشناها، والتي كشفت عن معادن نفيسة لا تجتمع في شعب إلا وكانت مقدمة مبشرة بحضارة واعدة وشيكة، وأرى أن حجم مجتمع القيم وشعب الأخلاق وجيل الثبات والفضل، عريض وكافٍ وإن بدا غير منظور.

أكاد أُبصر كذلك هذا الرصيد الشعبي الحُر، وهو يترقب نداء الكرامة ويتوق إلى قيامة الوطن ولحظة المفاصلة وهمهمة البذل، ويُمَنِّي نفسها ببشاير ظهور الحق.

لا يقلقني أبداً كم الغثائية والانحطاط لأنها طبيعة الغوغاء وديدن العامة في كل شعب وسمت جماهير السوائم في كل شعوب الأرض، أما عن ظهورها الآني بما يملأ الكادر ويصم الآذان ويزكم الأنوف؛ فهذا طبيعي في بيئة القهر ومناخ الضلال الذي تتجرعه أوطاننا وتعيشه شعوبنا المنكوبة.

يغمرني كذلك شعور عارم بالاستشراف والتفاؤل كلما أحسب كم القوى والأموال والطاقات والسلطات والدول والحكومات التي دعمت الثورة المضادة ورموزها الكئيبة، فإذا هي مع كل هذا الدعم اللامحدود لم تنجح ولم تتمكن، بل أرى أنه كلما مر الوقت على انقضاء تجربة الراحل مرسي كلما زاد بؤس البديل القذر الذي حكم وملك، فأراه قد مَلَّه الناس وانفض عنه خلقٌ كثير وتبرأ من بشاعته آخرون، حتى أن الميزان ما فتئ يتغير يوماً بيوم، وسيعتدل قريباً حينما تبدأ سفينة الانقلاب في الغرق فيتداعى أصحاب المصالح في القفز منها، ولا يضيرني ألا يرى المتشائمون هذا، ولن يروه.

إن مسببات الفشل والسقوط هي في ذات الباطل “الانقلاب والاستبداد” ، لذا فإنها تجعل مصيره الانهيار بل ويسعى إليه، وأن قضيتنا في الحرية والكرامة والاستقلال هي الحق الكامل الذي يحمل في ذاته قوة التمكن والمواجهة وأسباب الغلبة والانتصار.

لكن مع كل هذا التفاؤل المستحق واليقين الراسخ أجد لزاما علينا أن نستحضر محطات وسقطات تجربة الرئيس الشهيد محمد مرسي علينا أن نتدارسها ونتعلم منها، حتى نتوافق متي وأين نكون ؟ حينما نصل غداً أو بعد غد لانتصار إرادة شعبنا مرة أخرى وتمكنه من اختيار رئيسه والنظام الذي يحكمه، بغض النظر عن اسم الرئيس أو الفصيل الذي سيمثل تلك الإرادة حينئذ.

و من قبيل المراجعة الواجبة نسائل بعضنا بعضاً وأخص بها نخبة الوطن من شركاء قضية حرية شعوبنا ونهضة واستقلال أوطاننا وكرامة هذا الجيل، هي إذن أسئلة مفيدة نقدمها بين يدي تجربتنا القادمة حتى لا نتعثر مرة أخرى ونزل ونخزى.

حقيقة لابد وأن نتجهز لها ونتوقعها وهي أن رئيسنا القادم “المنتخب بإرادة حرة ونزيهة” قد يكون إسلامياً أو علمانيا أو قومياً أو عروبياً أو غير ذلك، وهذا يعني أنه سيمثل فصيلاً واحداً من نخبتنا وسيكون مخالفاً في الفكر وربما الأيدلوجية مع بعض مكونات الصف الوطني والنخبة المصرية.. لذا هناك أسئلة ينبغي أن نجاوب عليها ونحن لا نعلم ماذا يحمل لنا المستقبل في اسم هذا الرئيس وخلفيته وفكره وأيدلوجيته :

  • هل سنحتشد جميعاً خلفه أم سنتحزب مرة أخرى ليقف فصيله وأنصار أيدلوجيته وحدهم دعماً له ونسعى جميعاً لإسقاطه بزعم أنه ليس رئيساً لكل الأطياف ولا يمثل كل المصريين ؟!!..
  • اذا ما اتخذ ذلك الرئيس “مجهول الهوية اليوم” قراراً ثورياً اصطدم فيه بدولة السيسي العميقة في قضاء محمد شرين فهمي وناجي شحاته هل سندعمه أم نعتبر ذلك ديكتاتورية ومساس بالقضاء ونقض للدستور؟!.
  •  السادة الرموز وأصحاب العلاقات الدولية هل سيكونون دعماً للتجربة الجديدة أم سيتكفلون بتشويهه وتحريض العالم ضد الرئيس والتجربة؟!..
  •  مرشحو الرئاسة الخاسرون أمام الرئيس هل سيقبلون بالنتيجة بروح رياضية أم سيشكلون جبهة للإنقاذ ويطالبوا بانتخابات مبكرة ؟!..
  • هل سيرفض رموز نخبتنا المشاركة في حكومة الرئيس ومن يشارك يستقيل لإفشاله أم نقف صفاً واحداً لإنجاح التجربة ؟!..
  • هل ستقف النخبة “من غير أنصار الرئيس” دعماً ومساندة له أم ستشارك بحماسة في مؤامرات تشويهه واغتياله معنوياً ؟! ..
  • هل بحجة أن هذه طبيعة السياسة في العالم كله .. هل ستدعم النخبة التهجم على الرئيس حد خلع باب القصر ببلدوزر ؟!..
  • هل اذا تم ذلك هل ستخرج النخبة التي أيدت مظاهرات اقتحام القصر، لتعلن اتهام الرئيس بالضعف وأن البلد عاوزة “دَكَر” ؟! ..
  • يقينا ستظهر قوى ثورة مضادة جديدة دفاعاً عن مصالحها أو تحركها طائفية بغيضة أو عمالة رخيصة، فأين سيكون موقفنا حينئذ؟، ومع من سنقف؟ وفي أي خندق سنحارب؟!.
  • هل سنقدر مجهوده ونحارب الدولة العميقة أم نتجاهل إنجازاته ونعيد ونزيد في اتهامه بالفشل حتى يثور عليه الناس؟! ..
  • هل نتقبل ظروف البلد بعد ثورة وحجم الفساد المقاوم أم نبدأ عَدَّ الأيام عليه من أول يوم على غرار “مرسي ميتر” ؟! ..
  • هل سنختلق التهم علىى غرار “أخونة الدولة” لغل يد الرئيس من تطهير المؤسسات بالعزل والإقالة لفسدة العهد البائد ؟! ..

لنترحم إذن على الرئيس الشهيد البطل الدكتور محمد مرسي ونعترف جميعاً بحقه في الاعتذار، نحاول أن نجيب على هذه الأسئلة وأسئلة أخرى كثيرة بمنتهى الشجاعة والشفافية، استعداد لمستقبلنا القريب ووفاءً لحقوق شعبنا وأداء لمسؤوليتنا أمام التاريخ والوطن.

هي إذن أسئلة بريئة علينا أن نسألها لأنفسنا، لا لنُذَكِر أنفسنا بأخطاء الرئيس ولا لنجلد أنفسنا بخطايانا في حقه، أبداً، لكن فقط لنتعرف مدى استفادتنا من تجربة فشلت، ربما كنا جميعاً جزءاً من فشلها، وفي ذات الوقت نحاول أن نجد صيغة نتوافق فيها على ميثاق شرف ما؛ حتى لا نعاود تخريب بيوتنا بأيدينا ولدغ أنفسنا بأنفسنا، ولا نكتفي بلدغات جحور الثورة المضادة والإمارات وإسرائيل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

بين”زايد” و “زادة”

ا. عبود العثمان أديب وشاعر سوري تنافخت إيران غضباً وأزبدت وأرعدت، وهددت وتوعدتبالإنتقام …