أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات / عثمان مؤسس الدولة العثمانية

عثمان مؤسس الدولة العثمانية

أ.د. أحمد رشاد

أكاديمي مصري
عرض مقالات الكاتب

كثيرون هم من استطاعوا أن يرقوا لسلم المجد في حياتهم، ولكن قليلا من بين هؤلاء من استطاع أن يورث هذا المجد لأبنائه، وأقل القليل من جعل هذا المجد ميراثا في ذريته على مدى قرون عدة، ومن بين هؤلاء عثمان بن أرطغرل مؤسس الدولة العثمانية، فمن عثمان ؟

إنه عثمان بن أرطغرل بن سليمان شاه التركماني المعروف بعثمان الأول يرجع نسبه إلى التركمان النزالة الرحالة من طائفة التتار .

      
      ولد عثمان يوم الخميس الرابع عشر من شهر جمادى الأولى 656 ه ــــــــــــ  9 / 5 / 1258 م الموافق التاسع من شهر مايو سنة 1258 م ، وهو العام الذي سقطت فيه بغداد في أيدي التتار، وكأن الله سبحانه وتعالى قدر أن يولد في نفس اليوم الذي قُتل فيه آخر الخلفاء العباسيين من يعيد الخلافة شابة فتية بعد أن هرمت وضعفت، وكان ميلاده في بلدة  “صوغود” Sogud، أو في “باسين” Pasin… 

تولى عثمان بن أرطغل أمور العشيرة، والذي أكمل مسيرة والده فحارب مع السلاجقة بالرغم من الاضطرابات الكثيرة التي كانت تُعاني منها هذا المنطقة ، وتميّز عثمان بالحنكة السياسيّة، وعلاقاته الدوليّة مع الحضارات المجاورة له كالتركمانيّة، واستطاع أن يهيمن على الدولة البيزنطيّة التي عانت من ضعف كبير في ذلك الوقت؛ بسبب كثرة الحروب التي خاضتها في القارة الأوروبيّة، فضم بذلك عثمان الأجزاء الغربيّة من الأناضول، وأرجاء منطقة الدردنيل في الجهة الشرقيّة الجنوبيّة من القارة الأوروبيّة، ومنحه بذلك السلطان السلجوقي علاء الدين كيقباد الثالث لقب عثمان غازي حارس الحدود العالي، وعثمان باشا، وقاد عثمان عشيرته إلى بحر مرمرة، والبحر الأسود .

وتابع فتوحاته، ففتح مدن “اينه كولي” و”يني شهر” و”كوبري حصار” و”بلجك” وغيرها. ثم هيأت له المقادير أن يتسلطن على مملكة علاء الدين كلها، فقد حصل أن هاجم التتار في عام 1300 م تقريبا الموافق سنة 699 هـ  مدينة قونية، وقتل أثناء تلك الهجمة علاء الدين وابنه غياث الدين .

 ولما مات السلطان علاء الدين السلجوقي في قونية، ولم يكن له ذرية، اجتمع الوزراء والأعيان وقرروا أنه لا يليق للسلطنة سوى عثمان الغازي، فعرضوا عليه هذا الأمر فأجاب طلبهم، وصار سلطاناً من هذا التاريخ، وجعل مقر سلطنته ( يني شهر). 


       وبعد جلوســـــه على تخت السلطنة أمر بصلاة الجمعة ، وخطب باسمه فقيه من أهل العلــــــــــــــــــــــــم اسمه ( طورسن )، ثم أتاه باقي الأمراء ودخلوا تحت حمايته.. فسعى لتوثيق علاقته بهم وأكرمهم، وزوج ولده أورخان من ابنة أحدهم، وهو أمير قلعة ” يار حصار ” المسماة ( نيلوفر خان ).

ثم واصل توسيع دائرة أملاكه، وحاول فتح قلعتي ” ازميد ” و ” ازنيك ” ولما لم يتمكن من فتحهما عاد إلى عاصمته.


        ثم اشتغل فترة بتنظيم أمور بلاده,  حتى إذا أمن اضطرابها تجهز مرة أخرى للقتال، وأرسل إلى جميع أمراء الروم غير المسلمين ببلاد آسيا الصغرى يخيرهم بين ثلاثة أمور، الإسلام أو الجزية أو الحرب، فأسلم بعضهم وانضم إليه، وقبل بعضهم بدفع الجزية له..
وحاول الباقون أن يستعينوا عليه بالتتار؛ ليفعلوا به ما فعلوه بعلاء الدين قبله، لكنه لم يعبأ بهم، بل هيأ لمحاربتهم جيشا جرارا تحت إمرة ابنه أورخان، فسار إليهم هذا الشبل، ومعه عدد ليس بقليل من أمراء الروم، ومن ضمنهم ( كوسه ميخائيل ) صديق عثمان الذي اختار الإسلام دينا.. 


      واستطاع أورخان بمن معه أن يشتت شمل جموع التتار التي حشدت له، وقد شجعه هذا النصر السريع على المبادرة بفتح مدينة ( بورصة ) فقصدها سنة 717 هـ الموافقة سنة 1317م، وحاصرها نحو عشر سنوات حتى استسلمت له من غير حرب ولا قتال، وذلك بعد أن فتح كل ما حولها من القلاع والحصون، ولم يتعرض لأهلها بسوء.

ولما رأى حاكمها ( افرينوس ) حسن المعاملة ونبل الخلق من الفاتحين الجدد أعلن إسلامه، فمنحه عثمان لقب بك، وصار من مشاهير قواد دولته الفتية .

       ثم واصل أورخان بأمر أبيه التوغل بجيوشه في ممتلكات الإمبراطورية البيزنطية، وساعده على ذلك رغبته في الجهاد من جهة، ومن جهة أخرى أنه كان ملمّاً بالأوضاع العامة بها.

       وكان توغله فيها من خلال البحرين: البحر الأسود وبحر مرمرة، ثم سعى إلى فصل أراضيها بعضها عن بعض، وقطع الصلة بين مناطقها ليضعف من مقاومتها، ويسهل عليه افتتاحها.

وكانت سياسة عثمان في توغله داخل الدولة البيزنطية قائمة على:

  • مواجهة كل إقليم على حدة
  • واتباع أسلوب الحصار طويل المدى
  • إقامة الحاميات العسكرية في المناطق التي يتم فتحها ليضمن عدم تمردها عليه
  • ثم نشر الإسلام بين أفرادها
  • فضلا عن المعاملة الحسنة التي كان يعامل بها أهل كل منطقة بعد أن تسقط في يده.

   وكانت فتوحاته السريعة غالبا ما تلجئ أعداءه إلى التحالف ضده، فبعد حصار قواته لمدينة ( كبري حصار ) واستسلام حاكمها له ، ثم تضييقه الخناق على قلعة ( أزنيق ) اتفق حاكم ( بروســــــــــــــه ) مع حكام ( أطره نوس أوادربانوس ) و ( كستل وكته ) على مهاجمة مدينة ( يني شهر) عاصمة ملكه الجديدة ، ليقضوا على دولته قضاء مبرما، ولكن يقظته جعلته يستعد لغزوهم قبل أن يغزوه،  وخرج إليهم بنفسه على رأس جيشه، والتقى بهم عند قلعة ( قيون حصـــــــــــــــار ) ولم يكتف بهزيمتهم، وإنما تتبع أثرهـــــــــــــــم حتى التقى بهـــــــــم ثانية عند مكان يسمى ( ديمبوز) وأوقع بهم هزيمة نكراء قتل فيها أمير مدينة ( كستل ) بينما فر أمير ( أطره نوس) وأمير( بروسه ) لينجوا من قتل محقق.


       وبعد هذا النصر المبين التفت عثمان إلى دولته، واستراح من الغزو قليلا، فشيد في سنة717 هـ بالقرب من مدينة بروسه قلعتين، جعل على إحداهما ابن أخيه آق تيمور أميرا، وعلى الأخرى أحد مماليكه.


      وبعدها استخلف أورخان ليرعى أمور دولته، ثم سار هو بنفسه قاصدا  قلعة لبلبنجي ولفكه فاستولى عليها بلا حرب، وأخضع بعد ذلك من ( يكيجه حصار) و (آق حصار) و( تكفور بكاري ) بلا حرب أيضاً، وضم الجميع لأملاكه..


        وعاد سريعا إلى عاصمته، وبعث ابنه أورخان وبعض قواده إلى قلعة ( قره جيش ) فحاصروها حتى استولوا عليها، وأسروا حاكمها، ثم تابعوا غزوهم ففتحوا الجهات المجاورة لها، واستولوا على مدينة طوز بازاري وقلعة (ى قره تكبه )  كما فتحوا عدة جهات في أطراف أزميد، وختموا أعمالهم بفتح مدينة ( أزنيق ).

   وبينما هم يواصلون فتوحاتهم وتقدمهم مرض عثمان، وجاء خبر مرضه إلى أورخان فعاد إليه مسرعًا، ولما صار بين يديه نصحه بالمحافظة على ملكه، والإحسان إلى الرعية، والحرص على العدل والإنصاف بينهم، ومن جملة ما جاء في وصيته قوله :

  • يا بني : اياك ان تشتغل بشيء لم يأمر به الله رب العالمين ، واذا واجهتك فى الحكم    معضلة فاتخذ من مشورة العلماء موئلا
  • يا بني : أحط من أطاعك بالإعزاز ، وأنعم على جنودك ، ولا يغرنك الشيطان بجندك ومالك ، واياك أن تبتعد عن أهل الشريعة
  • يا بني : انك تعلم أن غايتنا ارضاء رب العالمين ، وأن بالجهاد يعم نور ديننا كل الآفاق ، فتحدث مرضاة الله جل جلاله
  • يا بني : لسنا هؤلاء الذين يقيمون الحروب لشهوة حكم وسيطرة أفراد ، فنحن بالإسلام نحيا وللإسلام نموت وهذا يا ولدي ما أنت أهله

ومات رحمــــــــه الله بعد حياة عامرة بالغـــــــــــزو والجهاد، حيث قضى في السلطنة ما بين 26 و27 سنة. 

وانتقل بدولته من مجرد إمارة صغيرة إلى دولة قوية فتية، قدر لها بعد وفاته أن تصير حامية الإسلام، ومحط آمال الموحدين، ولذلك صار يعتز به كل سلاطين الدولة العثمانية، وآثروا أن ينسبوا إليه دولتهم.

  • كما ترك سيرة حسنة لكل حاكم يطمح للجمع بين حظ الدنيا وحظ الآخرة، فكان مثلا للعدل حتى قيل: إن أباه أرطغرل عهد إليه في حياته بولاية القضاء في مدينة “قره جه حصار” بعد الاستيلاء عليها من البيزنطيين في عام 684هـ/1285م فاحتكم إليه رجلان، أحدهما مسلم تركي والآخر بيزنطي نصراني، فحكم للبيزنطي ضد التركي، فاستغرب البيزنطي وسأله: كيف تحكم لصالحي وأنا على غير دينك، فأجابه عثمان: بل كيف لا أحكم لصالحك، والله الذي نعبده، يقول لنا: { إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ } [النساء: 58]  فتأثر البيزنطي من هذا الموقف وأعلن إسلامه.
  • كما كان محسنا للفقراء والمساكين، حتى قيل: إنه كان يجمع أنواع الطعام وأصناف الحلوى لهم، ويطبخ لهم بعد كل ثلاثة أيام سماطا عظيما يأكل منه الخاص والعام ممن ذكر وغيرهم .
  • §        وبلغ من حبه للإنفاق أنه ما ترك عند موته سوى فرس وسيف ودرع ونحو ذلك من اللباس والفراش  كما بقيت أوقافه من الخيل والغنم تتناسل قرونا طويلة، أبقتها ذريته تيمنا وتبركا.
  • كانت شخصية عثمان شخصية متزنة وخلابة وآسرة في نفس الوقت ، فشدة ايمانه بالله ، وحماسته العالية فى نشر الاسلام في أوربا  ، جعلت منه شخصة شديدة الجاذبية للجميع مسلمين وكافرين على حد ســواء
  • فلم تطغ قوتـــــــــــــــــــــــــــــه على أعدائه ولا سلطته علـــــــــــــى رحمته
  • وكان اذا وعد أوفــــــــــــــــــــــــى
  • هذه الشخصية الجاذبة جعلت اعداؤه  ينبهرون بشخصيته الباهرة فيدخلون في الاســــــــــــــــــلام ( كالقائد افرينوس قائد مدينة بورصة وبعد صراع طويل مع عثمان دخل الاسلام )
  • أصبح الإسلام عقيدة دينية رسمية للعثمانيين منذ عهد الأمير عثمان الذي كان متحمساً لعقيدته الدينية واتخذ من مبادئ الإسلام نبراساً لحكمه فكان يتحرى العدل في رعيته مستشيراً للفقهاء في الأمور التي تخص العقيدة والدولة وقد اعتنق عثمان الإسلام وتبعه الأتراك العثمانيين بعد أن كانوا وثنيين أو كانوا يعتقدون ديانات أخرى   وهناك روايات متعددة حول دخول عثمان في الإسلام   وتمسك العثمانيون بالإسلام روحاً وعملاً تمسكوا بالعقيدة وبالتسامح الديني مع خصومهم فلم يتعرض أهل البلاد التي فتحوها إلى أي أذى أو تدمير أو اضطهاد ومن أجل هذا التسامح أسلم حاكم بروسه ” أقرنور ”   وأصبح أحفاده من أفضل المناصرين للإسلام في أوربا وقد سلمت مدينة بروسه للعثمانيين دون إراقة دماء لأهلها النصارى وسمح لمن أراد منهم مغادرة البلاد أن يغادرها بأمواله وأمتعته وكان حرص العثمانيين على المبادئ الإسلامية السمحة سببًا في إقبال كثير من المدن البيزنطية على أورخان ليعلنوا ولائهم وإسلامهم كما فعل أهل أزنيق عام 731هـ وأزمنت عام 738هـ

وهكذا يتضح لنا الاسس التي وضعها الامير عثمان الاول لمن بعده ومنها :

  • الايمان العميق بالله والعمل على اتباع أوامره وشر يعته في شتى أمور الدولة
  • مشورة العلماء وأهل الفقه والشرع في مجريات وأمور الحكم والنزول على رأى الشورة
  • تحديد الهدف الذى قامت من أجله دولة بنى عثمان وهو اعلاء كلمة الله ونشر دين الاسلام
  • تحديد الوسيلة لتحقيق الهدف وهو الجهاد في سبيل الله

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

سلامًا فيصل القاسم.. وتهنئة باليوبيل الفضي.. وكل عام وأنتم بألف خير

أ. د. عبد المجيد الحميدي الويس سياسي وأكاديمي سوري        أقدم بطاقة تهنئة …