أخبار عاجلة
الرئيسية / حقوق وحريات / إضاءات سياسية (23)

إضاءات سياسية (23)

هيثم المالح

عرض مقالات الكاتب

ينفرد موقع رسالة بوست بنشر كتاب إضاءات سياسية للأستاذ هيثم المالح

مجتمع المعرفة (الجزيرة نت) في حوار مع هيثم المالح

مجتمع المعرفة دمشق في 26/02/2004

الأستاذ هيثم المالح له تاريخ طويل في حقوق الإنسان في سورية والعالم العربي وهو من أبرز نشطاء حقوق الإنسان في العالم العربي . ولقد تم إلقاء القبض عليه أول مرة عام 1951 ، ثم مرة أخرى في بداية عام 1980 بسبب عمله مع نقابة المحامين السوريين حيث كان عضواً في لجنة الحريات وحقوق الإنسان منذ عام  1978 .

وقد عمل الأستاذ المالح كقاض لمدة عشر سنوات ولكنه أقيل من منصبه بسبب معارضته للحكومة منذ أن تولت السلطة في 8 آذار/مارس 1963 وبخاصة عندما كان عضواً بلجنة مختصة بالقوانين الاستثنائية عام 1965 والتي أدت إلى القبض على الآلاف من المدنيين في هجوم شنه الجيش على مسجد الأمويين .

قام الأستاذ المالح بتأسيس جمعية حقوق الإنسان بسورية واختير رئيساً لها ، وكان لنا هذا الحوار معه :

مجتمع المعرفة :  متى أنشئت جمعية حقوق الإنسان في سورية وماذا كان الدافع وراء إنشائها ؟

هيثم المالح : أنشئت جمعية حقوق الإنسان في سورية ، في تموز/يوليو عام 2001 ، من قبل مجموعة من المثقفين والمهتمين بالشأن العام . وكان الدافع الأساسي لتأسيس الجمعية ، هو الواقع المتردي لحقوق الإنسان في سورية ، فالاستمرار في السكوت عن هذا الواقع المؤلم يؤدي لمزيد من التدهور ، على كافة الأصعدة ويتيح للقوى التي تتحكم في مصير البلد أن تستمر في نهجها المعادي لحقوق الإنسان والمستهتر بكل قيم العدالة والحق والحرية وسيادة القانون ، لذلك فقد ارتأينا تأسيس جمعية حقوق الإنسان في سورية والعمل سوياً لتكوين رافعة ترفع من شأن هذه الحقوق كي نشكل حماية للإنسان وحرياته العامة .

مجتمع المعرفة : لماذا كان اهتمامك بحقوق الإنسان في سورية ؟

هيثم المالح : إن اهتمامي بمسألة حقوق الإنسان يرجع لسنوات طوال حين تم اعتقالي واستجوابي حول خطبي التي كنت ألقيها من حين لآخر منتقداً الفساد ، وفي عام 1978 ، تم اختياري عضواً في لجنة الحريات العامة وحقوق الإنسان في نقابة المحامين لفرع دمشق ، وفي تلك الأثناء اتخذت اللجنة توصيات عديدة كما جرت اجتماعات للهيئة العامة لنقابة المحامين والتي اتخذت قرارات عديدة حول حقوق الإنسان والحريات العامة وأعلن المحامون الإضراب (توقفاً عن العمل) لمدة يوم واحد ، وتم على آثرها اعتقالي وزج بي النظام في السجن لسبع سنين ، وخرجت بعدها ناذراً نفسي للدفاع عن حقوق الإنسان نظرًا لما لقيته وشاهدته خلال مرحلة السجن من انتهاكات لهذه الحقوق .

وبدأت العمل مع منظمة العفو الدولية منذ عام 1988 في لندن ، وفي معظم فروعها إلى أن قدر لي اللقاء مع عدد من المهتمين بحقوق الإنسان مثلي فكان أن تم تأسيس جمعيتنا . إنني أعتقد أن اللبنة الأولى في بناء أي صرح سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي ، إنما هي مراعاة حقوق الإنسان ، ذلك أن مقياس تقدم الأمم إنما يقاس بمدى احترام هذه الحقوق وبالتالي احترام الإنسان لذاته كإنسان ، إذ أن الله تعالى في كتابه الكريم قرر هذا المبدأ الأساسي في الحياة بقوله : ) وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ … ( [الإسراء : 70] . إن الإحساس بالظلم والقهر لا بد أن يولد لدى الإنسان الطبيعي حافزاً للعمل من أجل رفع الظلم والحيف عن أخيه الإنسان ، وهذا هو ما دفعني للعمل من أجل حماية حقوق الإنسان في سورية بلدي الحبيب ثم التعاون مع الجهات الأخرى من أجل النهوض بهذه الحقوق على المستويين العربي والعالمي .

مجتمع المعرفة : ما هو وضع حقوق الإنسان برأيك في سورية ؟

هيثم المالح : في سورية كما هو معروف يسود نظام استبدادي تنعكس معطياته على حقوق الإنسان بحيث يتم الاعتقال والمصادرة وتغييب القانون بصورة سهلة بسيطة ، سيما وأن هذا النظام يتمترس بحالة الطوارئ المعلنة في الثامن من آذار/مارس 1963 وبموجبها تتم كافة التجاوزات على حقوق الإنسان سواء لجهة المساواة أمام القانون ، أو لجهة تكافؤ الفرص بين المواطنين أو لجهة انعدام حصانة التوقيف أو المصادرة والمنع من التمتع بأية حرية كانت كلامية أم تنظيمية وحرية الحركة والتنقل . فما زال مئات المعتقلين يرزحون في السجون السورية ، مضى على معظمهم ما بين الخمسة عشر والعشرين عاماً في المعتقل ، وبعضهم تجاوز هذا الرقم ، فعماد شيحة على سبيل المثال ، يقضي الآن عامه التاسع والعشرين في المعتقل . وما زالت الاعتقالات التعسفية من قبل الأجهزة الأمنية مستمرة ، فضلاً عن آلاف المواطنين السوريين في المنفى ، الممنوعين من العودة إلى وطنهم ، بالإضافة إلى انعدام استقلال القضاء وانتهاك حرية الرأي والتعبير بأشكالها كافة وغيرها من الانتهاكات التي تطال المواطن السوري كل يوم .

من ناحية أخرى ، فقد أنشئت جمعيات حقوق الإنسان في معظم أرجاء العالم العربي وفسح المجال لممارسة نشاطاتها في حين أننا لا نزال هنا نتلقى الضغوط والمضايقات الأمنية ، وعوضاً عن أن تقدم الحكومة شكرها على جهودنا نجد الملاحقات والتهديدات تتوالى علينا من كل جانب لوقف عملنا أو عرقلته على أقل تقدير .

مجتمع المعرفة : ما هو برأيك مستقبل حقوق الإنسان بالدول العربية بشكل عام ؟

هيثم المالح : ما ينطبق على سورية ينطبق على معظم أقطار العالم العربي مع بعض النقاط المضيئة والتي تظهر بوضوح في المغرب العربي حيث انفتح النظام على الشعب الذي انخرط في العملية السياسية والاجتماعية ، وتم تشكيل هيئات قضائية لتعويض المتضررين من العهد السابق والذي كان يرأسه والد الملك الحالي ، ومضت هذه الهيئات بتقدير تعويضات مناسبة عمن فقد أو اعتقل أو سلبت حقوقه بصيغة من الصيغ ، وهي خطوة إيجابية متميزة بحق والأمل أن تسري هذه العدوى الحسنة إلى باقي الأقطار العربية التي لا تزال ترزح تحت أنظمة استبدادية ومنها سورية الحبيبة .

معلوم أن لدى الجامعة العربية اتفاقية من أجل حقوق الإنسان ولا تزال هذه الاتفاقية مع ضعفها وهزالها تفتقر إلى توقيع الدول العربية عليها ، وإطلاق عنانها لتكون فاعلة على كل صعيد وفي كل ميدان .

مجتمع المعرفة : إن مقياس حضارة الأمم وتقدمها إنما تقاس بمدى احترامها للإنسان ، وبالتالي لحقوقه فهل سنلمس تحسنا في هذه الناحية في بلدانا العربية ؟

هيثم المالح : معلوم أن مصطلح حقوق الإنسان إنما هو مصطلح حديث أطلقته الدول الغربية ، وبالنظر لارتباط هذا المفهوم بالغرب فإن المجتمعات العربية ودولها تتوجس من هذا المفهوم بحيث تربطه بالمصالح الاستعمارية الغربية ، وهذا التوجس لا أساس له من الصحة ، ذلك أن الشريعة الإسلامية حرصت على احترام الإنسان ابتداء ، وقبيل الإسلام سمع الرسول محمد صلى الله عليه وسلم بحلفٍ سمي حلف الفضول والذي يمكن اعتباره الخلية الأولى في تكوين فكر حقوق الإنسان ، وقال الرسول بعد البعثة : »لو أدعى به في الإسلام لأجبت« (سيرة ابن هشام : 133/1) .

وكما مر معنا فإن القرآن الكريم أكد على ضرورة احترام الإنسان وكرامته في العديد من الآيات ، إلا أن مجتمعاتنا لم تتنبه إلى أن الشريعة الإسلامية كانت سباقة في احترام حقوق الإنسان وإن لم تكن هذه التسمية معروفة قبلاً ، أضف إلى ذلك فإن الأنظمة العربية تحاول ربط المدافعين عن حقوق الإنسان بالغرب وهو ما يشيع جواً من الخوف لدى المجتمعات وبالتالي تصاب حركة حقوق الإنسان بالشلل أو على أقل تقدير بالإحباط ولذا فلا بد لنا من بذل الجهد واستثمار الإعلام لنشر ثقافة حقوق الإنسان ، وتعليم الناس ضرورة التمسك بحقوقهم والدفاع عنها مهما كانت هذه الحقوق ضئيلة أو ليست ذات أهمية كبرى ، ذلك أن وعي الأمة مرتبط بوعي الأفراد ويقاس بهذا المقياس ، فمع تراكم السنين الطوال في ظل أنظمة شمولية استبدادية انكفأ الإنسان على نفسه ، وانزوى بصورة لم يعد قادراً على الدفاع عن حقوقه ، واستسلم لرياح السلطان تتقاذفه كيف تشاء .

إلا أن العودة للتمسك بالحقوق والمطالبة بها والدفاع عنها أمر يحتاج إلى وقت وإلى من يكون قدوة للنضال من أجل حقوق الإنسان ، والمثقفون أول المسؤولين عن هذا الموضوع .

والبوادر أطلت علينا من جميع الأقطار العربية اليوم وانتشرت جمعيات ومنظمات حقوق الإنسان في العالم العربي وبدأ المواطن يشعر بوجوده ويطالب بحقوقه والأمل سيكون -إن شاء الله- بغد مشرق يطل على هذه الأمة بعد طول سبات .

مجتمع المعرفة : هل يا ترى أفادتك التكنولوجيا الحديثة مثل الإنترنت في عملك في حقوق الإنسان ؟

هيثم المالح : لا شك أن التكنولوجيا الحديثة ، كان لها أثرها الإيجابي في خدمة نشاط حقوق الإنسان ، من حيث سرعة إيصال المعلومة وتعميم أخبار الانتهاكات على المنظمات المعنية بحقوق الإنسان ، وعلى التواصل أيضاً بين هذه المنظمات وبين المواطنين ، ففي بلد مثل سورية ، يفضل الكثيرون إرسال خبر انتهاك أو متابعة أنشطة حقوق الإنسان وغيرها من القضايا العامة عن طريق الإنترنت ، وذلك بسبب الخوف من التواصل المباشر مع المنظمات غير الحكومية بسبب الضغوط الأمنية المستمرة ، هذا مع الإشارة إلى أنه حتى التكنولوجيا الحديثة قد أًخضعت للرقابة الأمنية ، فالإنترنت في سورية مراقب بشكل كبير وهناك مواقع إلكترونية عديدة جرى حجبها ، كما تتم مراقبة البريد الإلكتروني للمواطنين ، وقد جرى اعتقال عدد من الأشخاص بسبب استخدامهم البريد الإلكتروني ، ومثالها ما حصل مع المعتقل عبد الرحمن الشاغوري الذي يحاكم حالياً أمام محكمة أمن الدولة العليا -محكمة استثنائية- بسبب قيامه بإرسال بعض المقالات التي قرأها في مواقع الإنترنت ، حول الأوضاع الداخلية في سورية ، إلى عدد من أصدقائه .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

من الإبادة إلى التعذيب والقتل.. ألمانيا تتصدر المشهد العالي لإحقاق الحق

من الإبادة الجماعية للأيزيديين في العراق إلى التعذيب في السجون السورية وقتل الصحافي السعودي جمال …