أخبار عاجلة

قراءة أولية في إعلان الوطنية

م. عبد التركي

أديب وكاتب صحفي سوري
عرض مقالات الكاتب

قراءة في مشروع الوطنية الذي تم اﻹعلان عنه يوم أمس نتيجة حوارات بين سوريين لم يصرحوا عن أنفسهم وصلني على الخاص قبل يومين من أحد الأصدقاء قرأته قراءة سريعة وسأعيد قراءته لأنه جدير بالقراءة ولمن صاغوه الشكر على جهودهم المبذولة فقد تبين منه حسهم الوطني ومحاولتهم زيادته من خلال هذا المشروع الذي طرحوه على العام ليجمعوا عليه التواقيع كي يصبح مشروعاً شعبياً مع قناعتي التامة بعدم جدوى هذه الطريقة من التفاعل لأن غالبية الموقعين للأسف الشديد وأكرر هذه العبارة توقع هكذا بدون أن تقرأ وذلك لسببين
أولاً- مجاملة لمن أرسل لهم المشروع ودعماً له.
ثانياًذ- هناك من يوقع على كل مشروع لكي يبقى اسمه متدوالاً ولا يغيب عن صدارة مشاهد التفاعل لغاية في نفس يعقوب .
وكلا السببين بلاجدوى لاعتقادي بأن أغلب من وقعوا عليه وقعوا على مشاريع أخرى ربما تتناقض مع المشروع كلياً أو جزئياً في بعض بنوده هذا من الناحية الشكلية للحديث عن المشروع المطروح أما من الناحية العملية ومناقشة لما ورد فإن المشروع ينطلق من الحديث عن الوطنية وماتعنيه (الوطنية هي انتماء إلى وطن اسمه سوريا بحدوده وحضارته وتاريخه) وهو كلام جميل ويعني جميع السوريين لكن الإشكالية هي في التحديد ومعرفة عن أي سوريا يتحدثون هل هي سوريا الطبيعية التاريخية أم سوريا سايكس بيكو لأن لكل واحدة حدود وتاريخ وحضارة تختلف عن الأخرى هذا دون أن نتحدث عن المواطنين واختلاف أعراقهم بين سوريا الكبرى والصغرى
ثم تحدث عن الوطنية واعتبرها ليست بديلاً عن الانتماء القومي الذي لم يشر إليه بأي شكل من اﻷشكال ولا عن عن أي قومية يتحدث وهي تعتبر بديلة عنه عندما يكون المواطنون ينتمون إلى إثنية واحدة أو دين واحد وفي الحالة السورية هذا غير موجود لأن السوريين متباينون جدًا من هذه الناحية وقد بدا لنا واضحاً في السنوات الأخيرة من حيث ارتهانهم للأجندات الخارجية لأسباب قومية أو دينية
لذلك نرى أنه يجب أن تكون الوطنية هي الرابط الأقوى من كل الروابط الأخرى وهي البديل عن كل هذه الإنتماءات عملياً
وأن المواطنة التي تساوي بين أبناء سوريا من حيث الحقوق والواجبات كما تضمن البيان هي حجر الأساس في هذه الوطنية
6تحدث البيان بعد ذلك عن الدولة الجديدة ومحدداتها كدولة مواطنة وليست دولة طائفة أو عرق دون التطرق إلى الناحية الإدارية
ودستورها يكتبه السوريون داخل سوريا لكن هناك مشكلة فيما يطرحه المشروع في مقدمة هذا الدستور وذلك عندما تم الحديث عن علاقة الوطنية بالقومية وبالأديان هذه العلاقة التي نرى أنها متناقضة نتيجة التنوع الإثني والديني في سوريا فهل ستكون مرتبطة بكل القوميات والأديان الموجودة فيها
أما طريقة الحكم فهي ديمقراطية تعتمد على فصل السلطات واللامركزية الإدارية
وكذلك تحدث المشروع عن الحريات والسلم الأهلي معتبراً أن سوريا المستقبل يجب أن تضمن الحرية للجميع بغض النظر عن إنتمائهم العرقي أو الديني أو الأيديولوجي وركز على حرمة الدماء وإدانة القتل إلا في حالة الدفاع المشروع عن النفس وتكلم عن تحقيق العدالة الإنتقالية ومحاسبة المجرمين بغض النظر عن مسماهم الوظيفي أو موقعهم الإجتماعي وطالب بالتعويض على المعتقلين وضحايا العنف لكننا نرى أنه كان على البيان أن يذكر كل من تضرر بقصد
ذلك لأن النظام أجرم بحق المواطنين ودمر بيوتهم وسرقها فمن الذي سيعوض هؤلاء إلا إذا اعتبرهم المشروع ضمن الضحايا ولاأعتقد ذلك
في الجانب الثقافي تحدث المشروع عن البناء التدريجي للثقافة الوطنية التي تركز على المشترك الثقافي بين الجميع دون ذكر هذا المشترك مع تأكيده على حق الإختلاف والكلام عام ومبهم وغير واضح فكلنا يعلم أن المشترك والسائد هو الثقافة العربية الإسلامية فكم من مبدع من القوميات والأديان الأخرى قد ساهم في إثراء وغنى الثقافة العربية بإبداعاته والمختلف هو حقوق القوميات واﻷديان والطوائف الأخرى في التعبير عن نفسها فلماذا لم تذكر صراحة لانعرف مع أنه في الفقرة اللاحقة يتحدث عن حقوق القوميات اﻷخرى وصيانتها دستوريا (ضمان حقوق القوميات الأخرى السياسية والثقافية والإجتماعية في العقد الإجتماعي)
فلماذا ذكر القوميات الأخرى في العقد اﻹجتماعي مع أن الدولة الدولة وطنية وكذلك لم يتم ذكر أي قومية حتى نتحدث عن الآخرى فما هو المغزى من ذلك
ثم يكمل البيان بالحديث عن إيجاد حل عادل للقضية الكردية ومع أننا مع هذا الطرح بدون أدنى شك لكن السؤال لماذا يتم ذكر القضية الكردية فقط دون سواها من القضايا الأخرى التي تشمل كل القوميات والأديان والطوائف في سورية ثم أليست الدولة الوطنية ومشروع المواطنة هي ضمانة لكل السوريين أم أن لأخوتنا الكرد رأي آخر وكذلك لمن صاغ البيان وجاملهم في هذه الفقرة
كما تحدث البيان عن المرأة وعن إطلاق مشروع ينهض بها يضمن وينمي حقوقها ومشاركتها السياسية والثقافية على قدم المساواة مع الآخرين كمواطنة فاعلة تتمتع بكامل الحقوق والواجبات
ثم تحدث عن الجيش المحترف والأجهزة الأمنية الذين تقع على عاتقهم حماية الدولة والشعب وأكد على عدم انخراط العناصر في هاتين المؤسستين في الحياة السياسية
أما من الناحية الإقتصادية فقد تبنى المشروع الإقتصاد الحر مع دور رقابي للدولة وطالب بتنمية المناطق المهمشة سابقة ونعتقد أن النظريات السابقة الرأسمالية والاشتراكية كاقتصادات منفردة اثبتت فشلها وهذا مالاحظناه خلال أزمة كورونا إذ لابد من تبلور نظرية اقتصادية جديدة تجمع مابين النمطين السابقين من أجل مصلحة الإنسان أولاً
في المجال الخارجي تبنى البيان الحفاظ على وحدة واستقلال سوريا وأكد على حقها بتحرير أي جزء محتل من أراضيها وأن علاقاتها تعتمد على المصالح المشتركة والندية مع المحيطين العربي والإقليمي وكذلك الدولي
ثم أشار البيان إلى المحددات الوطنية من شخصيات وقوى وكتل مهما كان حجمها وتحدث عن دور النظام اﻹستبدادي والإجرامي وكيف أوصل سوريا إلى ماهي عليه وأكد عدم صلاحية النظام وضرورة رحيله وتفكيكه (تفكيك بنية الدولة الشمولية) وإعادة بنائها من جديد بدون من أجرم بحق السوريين حسب البيان:(باستثناء الذين اندرجوا بآليات القتل والفساد من النظام والمعارضة)
وقد اعتبر البيان تنوع القوى السورية الموجودة الآن حسب مرجعياتها أنه أمر طبيعي ولكنه أكد فشلها في إقامة مشروع وطني يتجاوز الأيديولوجيات والعقائد والأحزاب وينهي معاناة السوريين
وطالب القوى العسكرية الموجودة حالياً كلها باعتبار نفسها مؤقتة ويجب ان تحل وتسلم سلاحها للدولة القادمة وأن ينضوي من أراد منها تحت الجيش الجديد كأفراد لكنه أغفل ذكر الجيش الحالي وكان عليه أن يعتبره كفصيل من الفصائل الموجودة وينطبق عليه أنه أصبح مؤقتاً كذلك
كما رفض التغيير الديموغرافي الذي تم بالقوة وأدانه ورفض أي أثر مستقبلي له
تطرق البيان للقوى السياسية وتحالفاتها ورحب بها شريطة أن لاتكون هذه التحالفات ضد مكون من المكونات وأن لاتكون تابعة وتعمل لمصالح ضيقة وأجندات خارجية وأدان أي تبعية لأي مشروع خارجي وهنا نعود إلى المشكلة الأساسية التي ذكرناها بالعلاقة بين الوطني والقومي والديني لأن أغلب القوى السياسية الموجودة هي قوى مؤدلجة ومرتبطة خارجياً قومية كانت أم دينية
ورفض تحكم القوى الحالية بالثروة الوطنية باعتبارها قوى أمر واقع وأن كل ماتقوم به من اتفاقات مرفوض ولكنه لم يتطرق إلى الإتفاقات التي أبرمها النظام
كما طالب السوريون بإنتاج قوى وطنية تقدم سوريا إلى العالم بعيداً عن الإنقسامات التي أفرزتها السنوات الماضية
وقد تم ختم البيان بقول من صاغوه أنه ليس بيانا نهائياً بل رؤيتهم وهو قابل للتطوير بالحوار بين كل المواطنيين والمكونات حتى يصبح مشروع تغيير ديمقراطي جامعا لكل أبناء سوريا التي نتطلع إليها
في الختام لابد من القول بأن من صاغوا البيان يستحقون الشكر على الجهد الذي بذلوه مع أنني لا أتفق معهم في كل ماذهبوا إليه وما أوردته في هذا المقال ليس تقليلاً من شأن البيان بل نقداً وإضافة لما أعتقد أنه قصوراً فيه معتمداً الحوار البناء معهم من أجل أن نصل جميعاً لما نصبوا إليه في وطننا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

“لبنان” دويلة الأجندات

حسام نجار كاتب صحفي ومحلل سياسي لبنان تلك الأرض التي اقتطعوها من سورية …