أخبار عاجلة

دفاع عن العروبة: ملاحظات على مراجعة عبد الإله بلقزيز لمفهوم الوحدة العربية 4 من 6

د. قصي غريب

كاتب وأكاديمي سوري
عرض مقالات الكاتب

وبناء عليه فإن طرح بلقزيز صراحة على إلغاء الهوية العربية من خلال الانتقال من مبدأ الهوية إلى مبدأ المصلحة يريد منه بناء عالم على مزاجه الشخصي، بعد أن جعل من شخصه سادن للعروبة، ووصي عليها، مع أن هنالك الكثير من القوميين العرب – نحن منهم – ليس لديهم الاستعداد للتنازل عن الهوية العربية، ففشل القوميين العرب في الإيفاء بوعودهم والتزاماتهم تجاه الشعب العربي، وغياب الكيان السياسي العربي في الساحة الدولية، لا يبرر أبداً التخلي عن الهوية العربية، وإنها أصبحت عقيدة من الماضي، أو فكرة عفا عليها الزمن، وطويت بين صفحات الماضي، لأنها تبقى محط الرجاء في بناء الكيان السياسي المنشود، وحجر الزاوية في أي كيان يجمع بين العرب مستقبلاً، وكان طه حسين قد سبق بلقزيز بهذا الطرح إذ حاول استبدال هوية مصر العربية بالهوية المتوسطية، تحت زعم وادعاء أن العقلية المصرية قد تأثرت بالمتوسطية وتبادلت في جميع الميادين مع الشعوب المتوسطية فكان يرى أن وحدة الدين، ووحدة اللغة، ووحدة الجنس، لا تصلح للوحدة السياسية التي يجب أن تقوم على المنافع العملية(54).

وفي الصفحة 110 الهامش 15 قال بلقزيز : ” ما أغنانا عن القول إن الجماعات الأقوامية غير العربية لا يعنيها في شيء أن يقيم العرب وحدتهم على فكرة أنهم أمة ذات هوية قومية متميزة، بل إن مثل تلك الوحدة تخيفهم أو لا تطمئنهم، وقد تنمي في بعض أوساطهم دعوات الانفصال، أما حين تقوم فكرة الوحدة على المصالح المشتركة بعيداً عن فرضيات الثقافة والدين، فإن تلك الجماعات غير العربية لا تجد ما يمنعها من العمل داخلها والدفاع عنها “.

في هذه الفقرات يضيف بلقزيز شطحة أخرى من شطحاته الفكرية الكثيرة التي أتخم فيها النص إلى درجة التعدي وجرح المشاعر والاعتداء الصارخ على حرمة أهله العرب بتعلة المراجعة، والتقويم، والتصحيح، فيخترع تعلة أخرى يتعلل بها لإلغاء الهوية العربية واستبدالها بالمصلحة من أجل الوحدة العربية، وهي وجود جماعات أقوامية غير عربية تعيش بين ظهراني العرب، فيطلب من العرب التخلي والتنازل عن هويتهم من أجل هذه الأقليات الأقوامية حتى لا تقلق خواطرها، ولا تتأذى مشاعرها، ولكي لا تخاف وتطمئن وكأن وحدة العرب جور وعدوان على هؤلاء المواطنين غير العرب، أو إلغاء لشخصيتهم القومية، ولا ندري ما الذي يقلق الأقليات غير العربية من الوحدة العربية ؟، إنه إيحاء يصور العرب بأنهم عنصريون، غير قادرين على التعايش والتسامح مع الأقليات التي تعيش في المجتمع العربي، ولكن إذا نظرنا إلى التراث السياسي القومي للآباء الأوائل فسوف نجد أنهم يقفون على النقيض تماماً من العنصرية، فهم لا ينادون بأن دولة الوحدة يجب أن لا تضم سوى العرب ويرفضون ما عدا ذلك من العناصر غير العربية، إنهم لم يفكروا أن يكونوا عنصريين على الإطلاق، أو أن يقيموا مجتمعهم العربي المنشود على أساس التخلص من أي عنصر غير عربي من منطق وحدة الأصل والمنشأ، أو وحدة الأصل والدم، فهم على الرغم من اختلاف توجهاتهم ينعدم في كتاباتهم التأكيد على العامل العنصري، أو عامل الدم، أو الجنس، وقد قال ساطع الحصري : ” إن كل الأبحاث العلمية تدل دلالة قاطعة على أن وحدة الأصل من الأمور التي لا تتحقق في أية أمة من الأمم على الإطلاق … لا توجد أمة ينحدر جميع أفرادها من أصل واحد، بل إن كل أمة من الأمم تتألف من أفراد منحدرين من أصول مختلفة، حتى إن أعرق وأقدم الأمم الحالية في الوحدة السياسية والتجانس القومي بعيدة عن التجانس في الأصل والدم بعداً كبيراً … إن أبناء الأمة الواحدة يعتبرون بعضهم البعض أقارب وأشقاء كأنهم منحدرون من أصل واحد … ولكن هذه القرابة التي يشعر بها ويتكلم عنها أبناء الأمة الواحدة هي قرابة معنوية تنشأ من الروابط الاجتماعية المختلفة – ولا سيما من الاشتراك في اللغة والتاريخ فلا تدل – بوجه من الوجوه – على قرابة الأصل والدم “(55). وجزم وأكد الحصري على وهم وحدة الأصل والدم عندما قال : ” ونستطيع أن نقول بكل جزم وتأكيد : إن وحدة الأصل والدم في أية أمة من الأمم إنما هي من الأوهام التي استولت على العقول والأذهان من غير أن تستند إلى برهان (56). وفي الاتجاه نفسه ذهب قسطنطين زريق في رفض وحدة الأصل والدم ودعا إلى هتكها فقال : ” ما كانت القومية يوما لتبنى على حجم الرأس، أو لون البشرة، أو تركيب الشعر، بل على أسس اجتماعية، وعقلية، وروحية، أقوى أثراً في تكوين الأمم … فلننتهك إذاً حجاب الجنس الذي يمنع الضياء عن تفكيرنا القومي، ولنطرد شبح الدم الذي يسيطر على أبحاثنا ومجادلتنا، ولننظر إلى ما أهم منها، وأفعل، في تكوين القومية الصحيحة، لننظر إلى اللغة، والثقافة، والعادات، والذكريات التاريخية، والمصلحة الحاضرة والمستقبلة “(57). وقد قال الشاعر القروي رشيد سليم الخوري : ” ولعمري كم هم الذين يحفظون منا شجرة أنسابهم ؟، أنا لا أجزم بأني عربي خالص النسب فقد أكون سريانيا،ً أو يونانياً، أو رومانياً، ولكن ذلك لن ينفي عروبتي، لأن روحي عربية، وهذا كل الأمر، فلئن طاف الشك في عروبة الدمن فعروبة الروح لن يأتيها الشك من سبيل، قد ينحدر المرء من أبوين عربيين لا غش فيهما ولا فيه، ويكون هو غير عربي، لأن المسألة مسألة أرواح وعقول أكثر مما هي مسألة عظام ولحوم، وكما يقدم الجسد الحي على التراب، فكذلك تقدم الجسد. فالذي يربى تربية إفرنجية ويعرف لغاتهم أكثر من لغته ويرى الحقير فيهم عظيماً والعظيم في قومه حقيراً فذلك ولو ولد في بطحاء مكة لا يعدو أن يكون علجاً من هذه العلوج الفظة البعيدة عن قلب كل عربي. ولرب أعجمي أزرق الدم والعيون يقرأ تاريخ العرب والإسلام متجرداً عن كل هوى دنيء وتعصب ذميم. فيعشق آدابهم ويعجب بمكارم أخلاقهم، ويجهر بفضلهم، ويذود عن حياضهم بقلمه ولسانه، هو وأيم الحق أقرب إلى العرب وأولى بعطفهم وشكرهم من كل عربي خائن وإن كان قرشياً متحدراً من صلب الرسول “(58).

ولذلك إن الاعتماد على وحدة الأصل والدم والجنس، وعده الأساس لقيام الأمة الواحدة لم يأخذ بها الفكر القومي العربي أبداً من منطلق كون العروبة لها مكون حضاري هو الإسلام، ولذلك فإن الحضارة العربية الإسلامية قد استوعبت الجماعات الأقوامية غير العربية، فتجد القومي العربي الأصيل يعتز ويفتخر بشخصيات كبيرة إسلامية غير عربية الأصل، مثل : صلاح الدين الأيوبي، والظاهر بيبرس، وقطز، والفارابي، والبيروني، والزمخشري، وغيرهم ويعدهم من العرب، ومن تاريخه العربي الإسلامي، على الرغم من معرفته من أنهم من أصول غير عربية، فالنزعة إلى العربية وإن تحولت إلى أيديولوجية إلا أنها لم تصل أبداً إلى مستوى الفاشية والنازية، بل إننا نجد العكس تماماً هو الصحيح إن العرب كانوا دائماً مع حركات التحرر الوطني، وهم ذوو نزعة تحررية إنسانية، بعيدة عن النزعات العنصرية والتعصبية، التي سادت في المجتمعات الغربية التي تتشدق بالديمقراطية، واحترام حقوق الإنسان، وتمارس عملياً استعباد الشعوب، والسيطرة عليها، ونهب ثرواتها، والنظر بدونية إلى الآخر المختلف عنها، وهذا بحد ذاته مناف للروح الإنسانية، ولذلك إننا نستغرب وتعترينا الدهشة من منطق الكيل بمكيالين وادعاء الإنسانية المصطنعة عندما يطلب من العرب التنازل عن هويتهم، وانتمائهم، وحلم وحدتهم، ولكن هذه المرة ليس من خلال مبدأ المصلحة، وإنما التضحية من أجل المصالح المشتركة مع الأقليات الأقوامية غير العربية، التي يدافع عن حقها في أن تحافظ على هويتها، وانتمائها، فالوحدة العربية على أساس الهوية تخيفهم ولا تطمئنهم، وقد قال محمد جابر الأنصاري : ” إذا كان من حق غير العرب التمتع بحقوقهم الإنسانية كافة ، فمن حق العرب أيضاً وهم الأغلبية في الإقليم أن يتمتعوا بحقوقهم المشروعة … وعندما نتحدث عن حقوق الأقليات، فلا بد أن نتبين ما هي حقوق العرب أنفسهم، فليس من العدل إنصاف الأقلية وظلم الأكثرية “(59).

إن الدول العربية مثل أي دولة في العالم يعيش فيها جماعات أقوامية غير عربية، فمعظم دول العالم تضم مجموعات أقوامية تختلف عن الأكثرية، ولا يؤدي وجود هذه المجموعات بالضرورة إلى قيام مشكلة سياسية، إذ نادراً ما نجد في دولة مجتمعاً أحادياً وإن البقاع التي تعيش عليها هذه الجماعات الأقوامية جزء من أرض الوطن العربي ولم تأت عن طريق الاحتلال وإنهم كانوا جزءاً حياً من صلب الدول العربية وتسلموا فيها مناصب سيادية مهمة عندما كان ولاءهم لدولهم حصراً، ولكن في ظل المتغيرات الدولية الجديدة، أو في ظل النظام الدولي الجديد الأحادي القطبية بقيادة الولايات المتحدة الأميركية سيطر منطق الأقليات على المنطقة، فبدأت محاولات خارجية محمومة ومشبوهة لإبعاد هذه الأقليات عن أوطانهم ومواطنيهم بالدعم غير المحدود لمحاولات الشق التي تقودها عناصر متطرفة في أوساطها لإيجاد التعارض بينهم وبين مواطنيهم من الأكثرية العربية عن طريق المطالبة بامتيازات تتخطى حدود المواطنة، ولذلك إننا مع الحقوق السياسية، والثقافية، والدينية للجماعات الأقوامية غير العربية، ومع حمايتها، والمحافظة على حقوقها، بعدهم جزءاً أصيلاً وأساساً من مواطني الدولة العربية، لهم ما للعرب، وعليهم ما عليهم، عن طريق إعطائهم حقوقهم السياسية بتطبيق مبدأ المواطنة التي تنص وتؤكد عليه المادة 21 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان :

1 – لكل فرد الحق في الاشتراك في إدارة الشؤون العامة لبلاده، إما مباشرة وإما بواسطة ممثلين يختارون خياراً حراً.

2 – لكل شخص الحق نفسه الذي لغيره في تقلد الوظائف في البلاد(60).

وأيضاً إعطاؤهم حقوقهم الثقافية والدينية بتطبيق المادة 27 من الاتفاقية الدولية بشأن الحقوق المدنية والسياسية، والتي تنص على أن : ” لا يجوز في الدول التي فيها أقليات إثنية أو دينية أو لغوية أن يحرم الأشخاص المنتسبون إلى الأقليات المذكورة من حق التمتع بثقافتهم الخاصة أو المجاهرة بدينهم وإقامة شعائره أو استخدام لغتهم بالاشتراك مع الأعضاء الآخرين في جماعتهم(61).

إن مفهوم العروبة يتعارض مع العنصرية، والتعصب، ويعود سبب ذلك إلى أن الإسلام هو مكون حضاري، فهو لا ينكر الرابطة القومية، ولكنه يجعل منها قيمة سامية وقد قال تعالى : ” وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير”(62). فالعروبة لا علاقة لها بالحركات القومية الأوربية التي اتسمت بالعدوانية والاحتلال، ونهب ثروات الشعوب، لأنها نزعة تحررية إنسانية بعيدة عن النزعات العنصرية والتعصبية، فالعرب ضد العنصرية والتعصب، ولم يذكر التاريخ أن العرب متعصبون أو عنصريون، فهم لم يقوموا باستئصال أحد يعيش بينهم، ولو فكر أحد منهم بتفكير عنصري أخرق تقوم في وجهه الناس، فاللأقليات وجود في الوطن العربي ولم يكن يعوق انتماءهم لمجتمعاتهم إلا نزعات البعض العنصرية الكامنة للانفصال.

وعليه لقد جعل بلقزيز من نفسه سادناً للعروبة، وقام بإلغائها من جانب واحد، وبهذا فإنه يعلن توبته من فكرة العروبة، ويعلن صراحة تنصله من الهوية العربية، والانتماء القومي العربي، مبطناً مقاصده بظاهر الحكمة والرشادة، والمصلحة العامة، لتصبح هويتنا لديه هوية المصلحة، وانتماؤنا هو المصلحة، واسمنا في العالم المصلحيون، فبدل أن أقول أنا عربي، أقول أنا مصلحي، عند السؤال عن هويتي القومية.

وفي ص 111 قال بلقزيز : ” لكن مشكلة هذا الخطاب الفكري الوحدوي في أنه رأى إلى التجزئة في هذا الوجه الوحيد منها فحسب أي بما هي ثمرة فعل خارجي وقع على الوطن العربي بقدرة قاهر جبار ظالم هو الاستعمار ولم ينصرف كثيراً إلى رؤية الوجه الداخلي لتلك التجزئة الذي مكن للعامل الخارجي – الاستعمار – أسباب النجاح في تحقيق التمزيق الكياني للجغرافية البشرية والسياسية العربية وهذه كانت – وما زالت إلى حد ما – ثغرة كبيرة في الخطاب القومي العربي ” .

إن هذا الكلام الذي يطلق على عواهنه غير دقيق أبداً فلو تم الاطلاع بشكل صحيح على الفكر القومي العربي لوجد أن المفكرين القوميين العرب قد ربطوا بين الوجهين الخارجي والداخلي في تحقيق واستمرار التمزيق الكياني للجغرافية البشرية والسياسية العربية، فقد قال ساطع الحصري : ” إن الدول الأجنبية التي تطمع في تلك البلاد تجد في هذه الأوضاع والاختلافات مجالاً واسعاً للقيام بالدسائس والدعايات التي تضمن لها مصالحها الخاصة، وتعمل لإذكاء نيران الخلاف بتقوية الإقليمية بشتى الوسائل والأساليب، لتحول دون اتحاد الأمة لتكوين دولة قوية، هذا والنفعيون من أهل البلاد أيضاً لا يتأخرون عن استغلال هذه الأوضاع، فيسعى قسم منهم لتقوية الإقليمية تارة للاحتفاظ بالمنافع التي اكتسبها وطوراً للحصول على منافع جديدة وتحقيق أطماع كبيرة ” (63). وفي الشأن نفسه قال نبيه أمين فارس : ” الوحدة العربية حلم طالما داعب آمال النخبة من العرب، فسعوا إلى تحقيقه بشوق وإيمان وتصميم، غير أن سعيهم هذا ارتطم بعقبات عديدة منها ما كان من صنع الدول المستعمرة، ومنها ما كان من صنع العرب أنفسهم، ومن طبيعة أحوالهم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، ومنها ما كان من ائتلاف هذه العناصر كلها وتشابكها “(64).

وفي ص 111 قال بلقزيز: “ولسنا نعني بالوجه الداخلي للتجزئة سياسات النخب القطرية الحاكمة المتمسكة بكيانات التجزئة … ما نعنيه بالوجه الداخلي أو – للدقة – بالآليات الداخلية هو مجمل العلاقات والبنى الاجتماعية التقليدية الموروثة والمتجددة ذات الطبيعة الانقسامية والعصبوية المغلقة التي تبدو فاعليتها الاجتماعية تفكيكية، وليست توحيدية جانحة نحو رسم أطر مغلقة لها على حدود الهويات ” الأنثروبو – جماعات صغرى ” وعلى نحو يمنع من – أو يعوق – بناء الهوية الجامعة – الوطنية أو القومية –. إنها العلاقات الطائفية بأوسع معانيها وأرحب أشكال التعبير المادي والاجتماعي عن نفسها – الطائفية، والمذهبية، والقبلية، والعشائرية، والمناطقية، والعرقية –.

إن هذا الكلام صحيح ودقيق جداً ولكن مع الأسف الشديد في الوقت الذي ينتقد فيه بلقزيز الجماعات الانقسامية والعصبوية المغلقة ويطلب منها ” أن تلغي ولاءاتها التقليدية فلا يكون الولاء إلا واحداً للوطن وللدولة وأن تتوقف مؤسساتها الخاصة عن تنشئة أفرادها على غير برنامج التنشئة الوطني ” نجده في الواقع يناقض نفسه ويؤلف كتاباً(65) يمجد ويثني ويمدح فيه بعض هذه الجماعات الانقسامية المغلقة وبأسلوب فيه الكثير من الكلام الشعبوي الذي يخاطب الوجدان العربي، والذي كثير منه لا يعرف الحقائق والأمور وأبعادها بمفردات التجييش الانفعالي بعيداً عن سمات الرصانة، والموضوعية، والتحليل العلمي المطلوب منه، والإحساس بالمسئولية القومية خاصة وأن هذه الجماعات الانقسامية والعصبوية المغلقة والضيقة هي الأكثر مناهضة للفكرة القومية العربية وتتناقض معها، وهنا نسأل المفكر القومي العربي عبد الإله بلقزيز وغيره من المثقفين العرب منذ متى كان صاحب المشروع الطائفي الانقسامي والمغلق على نفسه، والأداة بيد الأجنبي، الحاقد على العرب وتاريخهم، صاحب مشروع وطني، وقومي، وإسلامي، وإنساني؟.

وفي ص 112 قال بلقزيز : ” إذا كان مشروع التوحيد الوطني – = القطري – قد هزم أمام المجتمع العصبوي فكيف لمشروع التوحيد القومي أن ينجح ؟ وهل جمع أقطار مشروخة بانقسامات عصبياتها إلى بعضها البعض فعل يليق به أن يكون توحيدياً، وأن يكون قوميا،ً وأن يناضل من أجله، ويسال الحبر من أجله ؟ “.

يا بلقزيز ليس من وظيفة المفكر القومي العربي الأصيل، النابع من آلام وآمال شعبه، والمنطلق فكره من قاعدة أصالة أمته الثقافية والحضارية، والواثق بقدراتها، والمؤمن بمكانتها، صناعة اليأس والقنوط والإحباط والهزيمة في نفوس أبناء الأمة العربية، خاصة وإنه من العناصر المؤثرة في صياغة الوجدان العام، وإنما مهمته الأساس صنع الأمل والثقة بالنصر، ولذلك يجب أن يكون المفكر الحقيقي من أهل الهمم العالية، والعزائم القوية، والرغبات الصادقة في تخليص شعبه من مشكلاته وأزماته، لينطلق في الحياة، ويكون له مكان بين الأمم وتحت الشمس، فهو يعبر عن أصالة وطنه وأمته القادرة على تجاوز مشكلاتها وأزماتها، وإعادة تكوين ذاتها، فقوته مستمدة من الإيمان بثقافة وحضارة شعبه، ومن إخلاصه لها، ومن الموقف القوي الذي يتخذه ويسير عليه، وأهميته تتوقف على الدور المسئول الذي يقوم به، فهو بما أوتي من إمكانات فكرية عالية، وقدرات معرفية واسعة، ولأنه في مقدمة من يرفض واقع مجتمعه بكل ما فيه من عيوب، قادر على أن يستنهض الهمم لتجاوز واقع الحال السلبي للوصول إلى مستوى الكمال، ببث الحياة الصحيحة في المجتمع، والأخذ بأسباب التطور، والتقدم، والرقي، لأفراده بتحفيزه الصفات الحميدة، والمواهب الكامنة في أبناء شعبه، بإبقاء جذوة الأمل فيهم حية مهما واجهوا من مشكلات وأزمات، وإفهامهم أنهم يمرون بمحنة وشدة وسوف تزولان، فمهمته أن يحتاط ويحذر لإيقاظ أمته من الغفلة، وإنقاذها من الخطر، ولذلك من أولويات الهموم التي يجب أن تشغله تنبيه أبناء وطنه على أوضاعهم السلبية، ويدعوهم إلى مواجهتها وتجاوزها، والتطلع بجسارة إلى إقتحام المستقبل، الذي هو إنجاز وليس هبة، فالمواقف السياسية والفكرية للمفكر القومي العربي، تزيد من قدرة الشعب العربي على التحدي، والمواجهة، لتجاوز الأوضاع السلبية لوعيه بالقوانين الموضوعية للواقع، التي من أبسط بديهياتها عد المشكلات والأزمات في حياة الأمة العربية حدثاً عابراً قابلاً للحل لا حتميات، فليس هنالك عتمة دائمة، ولا ظلام أبدي، فلا بد أن تشرق الشمس(66).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

النِّظام العالمي بين نهاية الحرب الباردة وبداية الحرب العالميَّة الثَّالثة (9 من 10)

د. محمد عبد المحسن مصطفى عبد الرحمن أكاديمي مصري. طبول الحرب العالميَّة الثَّالثة …