أخبار عاجلة
الرئيسية / حقوق وحريات / القضاء في المناطق المحرّرة بين الشرعيّة الثوريّة وفقدان المرجعيّة

القضاء في المناطق المحرّرة بين الشرعيّة الثوريّة وفقدان المرجعيّة

المحامي حسين مصطفى السيد

عرض مقالات الكاتب

يعدّ القضاء السلطة الوحيدة التي تنفرد بمهامها دون تدخل السلطات الأخرى، فالقضاء هو المسؤول عن تحقيق العدالة والفصل في جميع النزاعات، وهو عنوان الدولة في إقامة العدل بين جميع الناس، ومن أولوياته الحفاظ على حقوقهم التي نصّ عليها الدستور ، و كفلتها الأنظمة والتشريعات الدوليّة والمحليّة التي أقرّها ممثلو الشعب.

وعليه فعندما يكون القضاء سلطة مستقلة تحكم بموجب القانون فلا يجوز لأي من السلطتين التشريعيّة و التنفيذيّة التدخل في أحكامه؛ وإذا ما تمّ ذلك التدخل كما حصل في سورية منذ أن اغتصبت عائلة الأسد الحكم فيها، فلا بدَّ أن يعمَّ الظلم وينتشر الفساد والرشوة والمحسوبيّة، وأن يتحوّل القضاء إلى وظيفةٍ بيد السلطة التنفيذيّة.

  • بعد انطلاق الثورة السوريّة بداية ٢٠١١، وتحرير عدد من المناطق والمدن والبلدات السوريّة، وإخراجها عن سلطة الأسد الولد، كانت الآمال تتطلع إلى منح الناس مزيداً من الحريّات وإرساء قواعد العدالة التي تجعلهم متمايزين عن أقرانهم في مناطق النظام، ولكن سرعان ما تبدّدت تلك الآمال عند الكثيرين، فقد تمّ إهمال القضاة المؤهلين والمنشقين عن نظام العصابة، بل و تمّت تصفية بعض من أظهر الحياديّة منهم في بدايات تحرير مدينة إدلب لحسابات شخصيّة، واستُبعِد آخرون عن العمل القضائي إلّا إذا قَبِل أحدهم العمل في محكمة الفصيل العسكري المسيطر على المنطقة، والتزم بسياسات الفصيل ومصالح أتباعه…، الأمر الذي دفع أغلبيّة هؤلاء القضاة للهجرة خارج سورية أو النأي بأنفسهم عن ذلك التوظيف الذي يتنافى مع طبيعة القضاء العادل الذي كانوا يتطلّعون إليه بعد انشقاقهم، حيث صدرت بحقهم أحكام الإعدام من قبل نظام الأسد جرّاء قرارهم هذا.
  • القضاء في المناطق المحررة وتلك الخارجة عن سلطة الأسد
    ………………………………..
    تقسم تلك المناطق إلى ثلاث مناطق رئيسيّة:

١- المناطق الواقعة تحت سيطرة المليشيات الانفصاليةّ الكرديّة المدعومة من الولايات المتّحدة الأمريكيّة:
…………
القضاء في تلك المناطق غير موجود ومن يحمل السلاح ويقاتل في صفوف تلك المليشيات يُعتبر هو صاحب الحقِّ وهو من يمثّل السلطة التشريعيّة و القضائيّة والتنفيذيّة في وقت واحد.
فأغلب تلك المناطق لا تحتوي على محاكم ولا يتواجد فيها قضاة مؤهلون يمكنهم الفصل في النزاعات القائمة، وجميع القضايا تحلُّ إمّا عن طريق شيوخ العشائر، إذا كانت الأطراف المتخاصمة عربية، أو عن طريق الأمنيين في تلك المليشيات إذا كانت الأطراف كرديّة أو أحد طرفي النزاع كرديّاً، ويكون الحكم بحسب قرب الانتماء أو بعده عن سياساتها .

٢- مناطق درع الفرات وغصن الزيتون المدعومة من تركية :
…………………..
تتواجد في هذه المناطق محاكم متعدّدة وسجن مركزي وقصر عدلي يتضمّن محكمة نقض واستئناف…
ويتمّ اعتماد وتطبيق القانون السوري كمرجعيّة للأحكام القضائيّة “
ومع وجود الاعتراضات الكثيرة عليه ممن اعتبره قانون يسوّق للنظام ويساهم في إعادة تأهيله ومن كونه لا يتوافق مع مبادئ الثورة السوريّة والشريعة الإسلاميّة،إلا أنّ القانون المذكور يعتمد حقّ التقاضي وعلنيّة المحاكمات وحق الدفاع، وأغلب أحكامه يعلمها الناس و يميزون بين ما هو مباح فيها وما هو محظور، كما أنّ المحاكم في تلك المناطق تعتمد على رجال قانون وقضاة سابقين مؤهلين ومحامين مارسوا مهنة المحاماة التي تجعل بعضهم مؤهلاً لشغل مناصب في القضاء

و يُؤخذ على القضاء في تلك المناطق أنّه غير مستقلّ، ويخضع في العديد من محاكماته إلى محسوبيات وضغوطات قادة الفصائل العسكريّة المتنوعّة والمتواجدة في تلك المنطقة .

٣- مناطق إدلب والمسيطر عليها من قبل فصيل هيئة تحرير الشام:
…………………….
مرجعيّة الأحكام القضائيّة في تلك المناطق مختلطة ما بين القانون السوري وبعض مواد مشروع القانون العربي الموّحد المعتمد في نظام الإجراءات و أصول المحاكمات؛ وبين منطوق الأحكام القضائية المستمدّ من الشريعة الإسلاميّة؛ إلا أنّ تلك المحاكم تعتمد على اجتهاد القاضي الذي تنقصه الخبرة القانونيّة والحقوقيّة على اعتباره شيخاً وليس قاضياً مؤهلاً ومتخصّصاً بالعمل القضائي الذي تحكمه أصول وقواعد علميّة وفنيّة خاصة..
كما أنّ ازدواجيّة الأحكام في تلك المناطق هو السائد لانعدام المرجعيّة الثابتة لها، فيمكن أن يُصدر القاضي حكمه في دعوى مستنداً لنصٍّ شرعي، يخالفه زميل آخر له في ذات الموضوع في محكمة أخرى لاختلاف كل منهما في فهمه للنص القرآني والاجتهادات الواردة عليه في السنة النبويّة بسبب اختلاف كلّ واحد منهما في المذهب الذي يستند إليه في حسم القضيّة؛

فالقاضي الذي يعتمد المذهب الشافعي لن يكون منطوق حكمه ذاته لقاضٍ آخر يعتمد المذهب الحنفي أو المالكي…

وتبقى ذات المشكلة في تبعيّة قضاة المحاكم في هذه المناطق لتوجّهات الفصيل العسكري
المسيطر كما هي عليه في المناطق الأخرى.

الحلول و المقترحات:
…………………………..
١- وضعُ نظام قضائي واحد مكتوب يتضمّن الأصول والإجراءات، على أن يلتزم بالحكم جميع قضاة المحاكم في إدلب وريف حلب وبقيّة المناطق المحرّرة الأخرى.

٢- عدم ترك المجال لاجتهاد القاضي ضمن المذاهب المتعدّدة، و إلزام الجميع باعتماد مذهب واحد في كل ما لم يرد عليه نصٌّ صريح.

٣- الاستقلال المالي للقضاء وعدم تبعيته لأيّ فصيلٍ عسكريٍّ أو جسمٍ سياسيٍّ حالي و تخصّيص ميزانيّة له تضمن سير العمليّة القضائيّة في تلك المناطق.

٤- – خضوع أفراد الضابطة العدليّة والشرطة لتعليمات القضاء وتنفيذ قراراته وفق الأصول والإجراءات المنصوص عليها في القانون.

٥- عدم التعاطي مع القضاة كونهم موظفين لدى حكومة أو فصيل، واعتبارهم سلطة مستقلّة، ومنحهم الرقابة على جميع مؤسسات الثورة والمنظّمات العاملة في المحرّر، فبالقضاء تتحقّق العدالة ويُنصر المظلوم وتُردّ الحقوق إلى أهلها.

تعليق واحد

  1. خالد مصطفى سلات

    أحسنتم بارك الله بكم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

القرامِطة الجُدُد في سورية ” المذاهب الفكرية والمذاهب الفقهية “

المحامي عبد الناصر حوشان تعقيباً وتفنيدا لما أورده وزير أوقاف النظام السوري …