أخبار عاجلة
الرئيسية / مختارات / ماركس ليس ماركسيًا

ماركس ليس ماركسيًا

صبحي أنطون

سياسي سوري
عرض مقالات الكاتب

عندما توصل ماركس إلى موضوعة (الفهم المادي للتاريخ) وبدأت تظهر كتاباته وخاصة في (رأس المال) وكتب سياسية أخرى مثال الثامن عشر من برومير وغيرها أدرك ماركس بأنه سيأتي اليوم الذي سيشوّه بعض المتمركسين منهجه الفكري في التاريخ ويقوّلوه ما لم يقله.

هذا الفتح في كتابات ماركس كان مبنيًا على المنهج المادي الجدلي. وحيث وضحت الصورة في موضوعة الفهم المادي للتاريخ أخذ ماركس يتحسس وهو يسمع ويقرأ عن التشوهات والمغالطات التي تقع هنا وهناك من قبل المريدين وبعض المتمركسين خاصة في صفوف الاشتراكيين الفرنسيين. ولما قرأ ما كتبه الاشتراكيون الفرنسيون من مغالطات على أنها الماركسية بعينها ضاق ماركس ذرعًا وأعلن جهارًا وعلانية إذا كان أمثال هؤلاء ماركسيين فأنا كل ما أعرفه هو أنني لست ماركسيًا.

أما كيف فهم ماركس موضوعة الفهم المادي للتاريخ، يقول انجل: ” نحن نصنع تاريخنا بأنفسنا، أولاً، نصنعه في ظل مقدمات وظروف محددة جدًا، الاقتصادية منها هي الحاسمة في آخر المطاف …. ولكن الظروف السياسية وغيرها، وحتى التقاليد التي تعشش في رؤوس الناس، تلعب هي أيضًا دورًا معينًا.”

من قول انجلز هذا يتبين أن الحلقة الرئيسة في الفهم المادي للتاريخ هي العامل الاقتصادي أولا والذي له الدور الحاسم ومن ثم تأتي الظروف السياسية وغيرها والتي لها الدور الثانوي والذي لا بد منه في عملية التفاعل مع العامل الاقتصادي لتتضح الصورة كاملة. بعض الاشتراكيين الفرنسيين كانوا قد أخذوا يؤكدون على أن ماركس أكدّ ويؤكد فيما يكتب فقط على العامل الاقتصادي بمعزل عن العامل السياسي وبأنه لم يتطرق أبدًا للدور الثانوي الذي يمكن أن يلعبه العامل السياسي. هذه المغالطة كانت النقطة الرئيسة التي دفعت ماركس ليعلن أنه ليس ماركسيًا.

ويكتب انجلز في الرد على ما كتبه المفكر باول بارت الذي شوّه أيضا مفهوم ماركس في الفهم المادي للتاريخ ولم يفهمه على حقيقته يقول انجلز: ” أما إذا شوّه أحدهم هذه الموضوعة بمعنى أن العنصر الاقتصادي هو، على حد زعمه، هو العنصر الحاسم الوحيد، فإنه يحول هذا التأكيد إلى جملة مجردة لامعنى لها ولا تدل على شيء”. لأن باول بارت كتب يومها قوله أن ماركس في كتاباته يؤكد فقط على العامل الاقتصادي. وعندما أبدع ماركس في النظرية الماركسية وكتب حول البناء التحتي والبناء الفوقي وشكل العلاقة فيما بينهما أساء أيضًا العديد من الماركسيين الشباب موضوعة ماركس هذه وذهبوا بعيدا في استخدام وتبني العنصر الاقتصادي وحيدًا وصولًا إلى الحتمية الاقتصادية التي دمرت مراحل تاريخية بكاملها. ومع هذا أردف إنجلز قائلًا: ” أنا وماركس مسؤولان جزئيًا عن كون الشباب يعلقون أحيانًا على الجانب الاقتصادي أهمية أكبر مما يجب وقد اضطررنا أثناء الاعتراض على أخصامنا، إلى تأكيد المبدأ الرئيسي الذي أنكروه، ولكننا كنا دائمًا لا نجد الوقت والمكان والامكانية لتقدير العناصر الباقية المشتركة في التعامل حق قدرها”. وقصد إنجلز بذلك الوضع السياسي والحركة السياسية الجدلية وغيرها من مكونات البناء الفوقي.

واليوم في أوائل القرن الواحد والعشرين كثرت الأحزاب والجماعات التي هجرت الماركسية وانتقلت إلى الضفة الأخرى، إلى الليبرالية محملة كارل ماركس مسؤولية أسباب جهلهم وفشلهم خاصة بعد سقوط الاتحاد السوفييتي والمعسكر الاشتراكي، في مواجهة هذا التحوّل، لو كان ماركس حيًا لكرر قوله فيهم: ” زرعت التنانين وحصدت البراغيث”.

المصدر: صفحة الكاتب على فيس بوك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

مفكر بريطاني: شاهد كيف غير المخترعون المسلمون وجه العالم

هل تعلم أن معظم الاختراعات الحديثة اخترعها المسلمون؟ د. فيصل القاسم كاتب وإعلامي سوري.عرض مقالات …