أخبار عاجلة

إضاءات سياسية (21)

هيثم المالح

عرض مقالات الكاتب

حقوق الإنسان في سورية :

آفاق ومستقبل

13/07/2003

تميز النصف الثاني من القرن الماضي بظاهرة حضارية بالغة الأهمية ألا وهي ظاهرة الدفاع عن حقوق الإنسان ، وتمكنت آلة المجتمع الدولي ومنظماته المتعددة والمتشعبة في سائر مناحي الحياة أن تمارس الضغط على دول في العالم الثالث لاحترام هذه الحقوق .

ولعلنا لا نبالغ إذا قلنا بأن هذا النصف الثاني من القرن الماضي إنما هو حقبة حقوق الإنسان ، نظراً لتصاعد العمل من أجل هذه الحقوق ، ولما امتاز به من اعتبار أي شأن يهم الإنسان يندرج تحت مفهوم حقوقه .

ومعلوم أن بلدنا الحبيب سورية هو واحد من بلدان العالم الثالث الذي امتاز بمعاناة شديدة في ناحية حقوق الإنسان التي يظهر فيها ترد كبير وانجراف أدى ويؤدي إلى انهيار مجتمعي ، نظراً لأن الإنسان إنما هو اللبنة الأولى في تكوين المجتمعات ، فبقدر ما يكون الإنسان محصناً مكرماً محرراً بقدر ما يكون مجتمعه قوياً منيعاً على الاختراق .

والواقع فإن مسألة حقوق الإنسان ترتبط ارتباطاً وثيقاً بنوعية وطبيعة الحكم في أي بلد من البلدان ، فقدر ما يكون نظام الحكم منفتحاً على الناس ومستوعباً لجميع التيارات السياسية والفكرية بقدر ما تكون حقوق الإنسان مصونة محصنة .

ولقد ظن بعض الناس عقب الاستقلال ووقوع انقلابات عسكرية على السلطة الشرعية أن آمالهم ستكون محققة خلال النظام العسكري الجديد الذي بدأ بحسني الزعيم ، وانهالت برقيات التأييد لكل انقلاب عسكري حتى آلت الأمور إلى الوضع الذي نحن فيه الآن ، وليست مقولة الحاكم المستبد العادل عنا ببعيدة .

ونامت مشاعر الناس أو نومت ، واستكان المجتمع وطرحت شعارات جوفاء وتراجعت حقوق الإنسان عاماً بعد عام وأضحى الشعار هو أن ما  يقدمه القائد إنما هو منحة للناس ، وبالتالي لم تعد هناك حقوق يدافع عنها واستسلم الإنسان لليأس وانحدرت المفاهيم وصار المعروف منكراً والمنكر معروفاً وغصت السجون بمعتقلي الرأي والضمير ونصبت محاكم عسكرية لمحاكمة المدنيين وتمت تصفيات واسعة في صفوف حملة الرأي المعاكس وارتقى الرئيس إلى مرتبة الإله إن لم يكن أكثر ، وساد الشعار القائل : “يا قوم لا تتكلموا إن الكلام محرم” .

وبرغم أن الدساتير والقوانين التي تتالت كانت تحرص من الناحية النظرية على الحرية وحقوق الإنسان إلا أن الترجمة الواقعية لهذه النصوص كانت عكس ما هو وارد فيها .

فلقد نص الدستور السوري في المادة /25/ على ما يلي : (الحرية حق مقدس وتكفل الدولة للمواطنين حريتهم الشخصية وتحافظ على كرامتهم) .

كما نصت المادة نفسها على أن سيادة القانون مبدأ أساسي في المجتمع والدولة . ولكن الممارسات التي تمت بمواجهة المواطنين كانت عكس ذلك تماماً ، فإذا تحدثت عما جرى في السجون ليس لجهة الاعتقال المديد ولا لجهة المحاكمات الصورية التي جرت لتصفية اتجاه معين من المجتمع ولكن لما مورس على المساجين في السجون من أعمال تقشعر لها الأبدان .

فالتعذيب الذي كان يفوق كل تصور وهو محرم في الدستور السوري والقوانين الأخرى تدعمه المادة /16/ من قانون إحداث أمن الدولة والتي تقول {يشكل في إدارة أمن الدولة مجلس أو أكثر لتأديب العاملين فيها أو المنتدبين والمعارين إليها ويحدد بمرسوم يصدر عن رئيس الدولة بكيفية تشكيل المجلس والإحالة إليه وأصول المحاكمة أمامه وصلاحياته .

ولا يجوز ملاحقة أي من العاملين في الإدارة عن الجرائم التي يرتكبونها أثناء تنفيذ المهمات المحددة الموكلة إليهم أو في معرض قيامهم بها إلا بموجب أمر ملاحقة يصدر عن المدير} .

وأما الكلام البذيء والممارسات الأخرى الأكثر بذاءة وانحطاطاً فلا يمكن سردها في هذا المقام وهي تفوق كل تصور ولا يستطيع عاقل أن يصدق صدورها عن بشر مثلنا .

ومع نهاية حياة الرئيس الراحل حافظ الأسد وتسلم نجله الدكتور بشار الأسد مقاليد السلطة في أعقاب تعديل الدستور السوري الذي خفضت فيه سن رئيس الجمهورية ، وتقدم الرئيس الجديد بيانه أمام مجلس الشعب استبشر الناس خيراً لما لمسوه خلال كلمته من رغبة في إجراء إصلاحات على أسلوب الحكم وقبول الرأي الآخر وما إلى ذلك .

ونشطت في تلك الفترة فعاليات المجتمع المدني وتعددت منابر المنتديات الخاصة وبدأ الناس يمارسون بعض الحرية التي منعوا منها ردحاَ طويلاً من الزمن .

ولكن ما إن مضت فترة وجيزة حتى فوجئنا كما فوجئ المجتمع بتدابير لا يمكن تفسيرها في ضوء أقوال الرئيس سابقة الذكر وأغلقت المنتديات وأعقبت ذلك موجة من الاعتقالات طالت الناشطين في المجتمع المدني ، من أكاديميين ومحامين . وأجريت محاكمات خارج إطار القانون وعادت وتيرة انتهاكات حقوق الإنسان تتصاعد ثانية .

وعلى الرغم من أن بعض المسؤولين -وزير الإعلام- يصرحون بأن قانون الطوارئ مجمد بمعنى أنه لم يعد يعمل في الحياة العامة ، فإن الواقع مغاير لذلك بصورة معاكسة تماماً .

ففي الربع الأخير من عام 2001 تم اعتقال كل من النائبين رياض سيف ومأمون الحمصي والمحاميين رياض الترك وحبيب عيسى والطبيبين وليد البني وكمال اللبواني والدكتور عارف دليلة والسادة فواز تللو وحسن سعدون وحبيب صالح .

وتمت محاكمة النائبين أمام محكمة الجنايات في حين أحيل الآخرون إلى محكمة أمن الدولة وكانت الأحكام تتراوح بين سنتين وعشر سنوات وكلها خارج إطار القانون وحتى الفهم الصحيح للعربية .

واستمرت انتهاكات حقوق الإنسان فبين الفينة والفينة يتم اعتقال ناشط أو عائد إلى بلده وحتى المواطنين السوريين الذي اضطروا للعودة من العراق عقب الغزو الأمريكي وخوفاً على حياتهم منع معظمهم من دخول الأراضي السورية كما أودع البعض في السجون ومع انتهاء هذا الغزو لا يزال عدد منهم رهن الاعتقال دون ذنب أو محاكمة .

ومعلوم بداهة أن من يمضي عليه فترة كبيرة خارج المعتقل تسقط عنه العقوبة بالتقادم ومع ذلك فلا تقادم لدينا ولا يكترث لتطبيق القانون على أرض الواقع . وإذا نوهنا بالاعتقالات الأخيرة التي تمت في بلدة داريا من ضواحي دمشق والتي طالت نحواً من أربع وعشرين ناشطاً اجتماعياً دون أن يكونوا منتمين لأي تنظيم سياسي سوى أنهم نظفوا شوارع  المدينة وطالبوا بالامتناع عن الرشوة وتدخين السجائر الأمريكية فبأي ذنب أخذوا ، وليس ببعيد عنا قول القرآن الكريم : )وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ % بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ( [التكوير : 8-9] فما هو ذنب هؤلاء ؟ .

وأخيراً كان العديد من الناس ينتظرون صدور عفو عام عن كافة المساجين السياسيين وأن تعمد السلطة إلى تبييض السجون إلا أننا فوجئنا بالمرسوم التشريعي رقم (32) الصادر منذ أيام قريبة إذ أنه لم يشمل سوى الجنح العادية والمخالفات وجرائم الأمن الاقتصادي وما إلى ذلك .

مما يعني أن سلطان القانون وسلطان العدالة قد أصبحا في خبر كان وليس هناك من يحاسب على إهمال تطبيق أحكام القانون أو قواعد العدالة . وأخيراً أصدرت المحكمة الميدانية العسكرية حكمها على ثلاث وعشرين إسلامياً من بلدة الزبداني بالسجن ثلاث سنوات ، وبرغم أن المذكورين أمضوا حتى الآن زيادة عن مدة حكمهم بستة أشهر إلا أنه لم يفرج عنهم حتى الساعة .

ماذا نستطيع أن نستخلص من هذه الأحكام ؟ من كل ما سبق تبين لنا أن حالة حقوق الإنسان في سورية ما تزال تراوح مكانها إن لم نقل أنها تسير بعكس اتجاه الريح .

ولو أردنا أن نقدم هنا رصداً لكافة انتهاكات حقوق الإنسان منذ تولي الرئيس الحالي د . بشار الأسد مقاليد الحكم لاحتجنا إلى صفحات كثيرة ، إلا أننا قدمنا نماذج لما تم واستطعنا رصده حتى الآن .

إن أبسط الأمور التي يمكن لنا أن نطالب السلطات الحاكمة بها هي أن نسألها أين تذهب أموال دافعي الضرائب ؟ أين مخصصات الطرقات ، هل أن ميزانية الدولة التي تقدم إلى مجلس الشعب يلاحظ فيها تعبيد الطرقات ؟ إن من حق المواطن أن يسير على طريق معبدة تعبيداً جيداً وهو حق من حقوق دافعي الضرائب ، إلا أن ما نلاحظه على أرض الواقع هو أن الحفر والمطبات وفتحات التصريف تملأ الشوارع ، وتجري حوادث سير مروعة يذهب فيها ضحايا كثر نتيجة هذا الإهمال ودون أن يسأل أحد من المسؤولين حول هذه الحوادث ، ومن حق المواطن دافع الضرائب أن يسأل ولكن هل من يجيب ؟ .

إن أبسط الحقوق أن يحافظ على حياة الإنسان من غوائل الفقر والمرض وأن يؤمن له الدخل اللائق والعمل المناسب وكل هذه من حقوق الإنسان فهل تتم مراعاتها ؟ أم أنها تدخل أيضاً في إطار المحظورات والخطوط الحمراء ؟

ولكن ماذا عن المستقبل ؟

إن القانون هو الذي يؤسس لبناء مجتمع سليم متماسك وإذا أردنا أن نعرف مستقبل حقوقه وجب علينا مناقشة قوانين عديدة أهمها قانون إحداث جهاز أمن الدولة لعام 1969 الذي أشرنا إليه سابقاً .

ثم تمرس النظام بحالة الطوارئ المعلنة منذ أكثر من أربعين عاماً .

ثم المرسوم الذي بسط صلاحيات المحاكم الميدانية العسكرية لمحاكمة المدنيين .

ثم القانون (49) لعام 1980 الذي قضى -قبل أن يقضي القضاء- بإعدام كل منتسب لجماعة الإخوان المسلمين .

ونقول هنا لا يوجد أي أمل في مستقبل واعد لحقوق الإنسان دون أن تزال هذه القوانين الآنفة الذكر ثم يجري التعويض عمن تضرر منها وتحت أي اسم أو مسمى .

وأخيراً وليس آخراً ، لعل سقوط النظام العراقي الناجم أساساً عن إمعانه في انتهاك حقوق الإنسان ، يجعلنا نراجع حساباتنا ونجري انفتاحاً على حقوق الإنسان في سورية ضماناً لالتحام الشعب وتلاحم تياراته وفئاته ضمن مفهوم المواطنة ، والحرص على سيادة القانون والمساواة أمامه ، وإعطاء كل ذي حق حقه ،  وردم الفجوة الكبيرة والتي لا تزال تزداد اتساعاً بين المتغولين على الثروة العامة وبين فقراء الشعب الذين من أهم حقوقهم تأمين الحد الأدنى من العيش الكريم لهم وصيانة مستقبلهم ومستقبل أبنائهم ، وإيجاد فرص العمل للجميع ، ومكافحة الفساد حتى تظلل العدالة الجميع دون استثناء أو امتيازات  .

والله أسأل أن يوفق الجميع لما فيه خير البلاد والعباد .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

بيان “جمعية حقوق الإنسان السورية” في إسطنبول حول مأساة مخيم الركبان

لم تعد مأساة الشعب السوري خافية عن العالم أجمع، وما زالت الأيام تقسو عليه في …