أخبار عاجلة
الرئيسية / ثقافة وأدب / التناص بين الشعر العامي والفصيح (1)

التناص بين الشعر العامي والفصيح (1)

مأمون الشبلي

باحث وناقد
عرض مقالات الكاتب

رتّل قصيدك كالآيات ترتيلا .. واجعل حروفك من ضوءٍ قناديلا

وقَبّل الأرض كل الأرض تقبيلا .. فأنت تستقبل الأهرام والنيلا

هذي ذُرا مصر كي تدنو لهيبتها .. أنشد لو اسطعت قرآنًا وإنجيلا

ولا تُأوِّل لمصر أيَّ معجزة .. إنَّ الحقائق لا يَقبلن تأويلا

الأبيات مطلع قصيدة جميلة لعبد الرزاق عبد الواحد في مصر ثم يبث بغداد شوقه ودموع حزنه، استوقفتني فيها كلمة قليلا ما طُرقت في الشعر العربي – ولست هنا أجزم – كان له السبق في استخدامها بصيغة الجمع، يقول عبد الرزاق :

نبقى الكبار العراقيين أنفسنا .. تُقيم للموت من زَهو ٍعرازيلا

عرازيل هي ما عنيت، والعرزال كما في لسان العرب : موضع يتخذه الناطر فوق أَطراف النخل والشجر يكون فيه فرارًا وخوفًا من الأَسد، وتعني أيضًا سقيفة الناطور، والعرزال البقية من اللحم، وما يُخبَّأ للرجل، على أنها كلمة في لغتنا المحكيّة تعني الكوخ يُتَّخَذ من أغصان الشجر وسعف النخل .

أوردها عبد الرزاق في نص آخر عنوانه تهجّدات عراقية مطلعه :

قد كنتَ مُذْ كنت زيتًا في قناديلي .. وكنتَ دمعي وشمعي في تراتيلي

يقول في النص :

كم كم قرأتُ على شطيكَ أدعيتي .. وكم بَنيتُ على المجرى عرازيلي

ووجدتها في مطوّلة الشاعر اليمني كريم النعمان اعتذار لعمرو بن كلثوم ومطلعها:

ألا غُفِّي بُصاقَك واتفُلينا .. ولا تُبقِ وجوهاً مُجرمينا

والبيت :

إِمارات سَيوقَصُ كل قُطر .. عرازيلاً يُمَهدها عَرينا

ولعلكم إن قرأتم للنعمان قصيدة اسمها ( وجدتها ) وبائية عنوانها ( يا مسكة العرب ) ستُطربون، وأكاد أُقسم إن البائيات في هذا العصر لتُزهر على شفاه اليمانيين وما بائية الرائع أنس الحجري عنكم ببعيد .

على أني وقد قلّبت في ذاكرة متعبة أُفتش عن هذه المفردة في ما أجمعُ من شعر العرب فلم أجد غير هذين الشاعرين، وربما كان هناك كثير مما لم يصلني أو لم أحفظه فمن وجد فليُشر إلي وإني له من الشاكرين، فلما استبد بي اليأس والتعب – وسريعًا ما يُدركاني – انصرفت أفكاري إلى باب جميل قد يكون مشروع إطلالة مصورة أو لقاء افتراضي عمّا توافق به شعراء الفصيح و النبطي أو العامي فتهاطلت علي كثير من أبيات تقارب فيها قول الشعراء وإني إذ أعرضها هنا فلا أقول بتناص أو سرقة أو اتكاء وما إلى ذلك إنما أقول : ما توافق قول شاعر فصيح مع آخر ممن يكتب بلهجته المحكية ممن حفظت لهم قبلا، ولعلي أخطأتُ أو سهوت أو تبادر إلى ذهني معنى غير ما قصده أحدهما، فمن وجد منكم من قبيل هذا فليكتب وليصوّب لي وإني له من الشاكرين.

وإني لأرجو من الله السداد.

يقول عبد الأمير ميرزا في أبوذية له :

حملت من الدهر جفوه وعنّه

الدرس من سمع حسراتي وعنّه

إن جهلت النّاس سل عنهم وعنّه

العالم والجهل ما هُم سويّه

وهي في أبيات للسموأل :

سلي إن جهلت الناس عنّا وعنهم .. فليس سواء عالم وجهول

في باب آخر من أبواب الشعر العامي يقول خضير بن مناع :

نطّاح طابور العساكر إليا هيب .. ستر العذارى لا غشى الزمل ضبضاب

عيبك إلى من قالوا الناس بك عيب .. بالسيف لرقاب المناعير قصّاب

و عيبك إلى من قالوا الناس بك عيب .. للسمن فوق مفطّح الحيل صبّاب

المفطّح : هي الشاة تُطبَخ بتمامها دونما تقطيع ،والحِيل : جمع حائل، ما لم تلقح من الأنعام لعام فتكون ذات شحم، ويُقال في اللهجة المحكيَّة : نطح القوم أي اتجه إليهم وتنطّحَ الغربي أي جعل وجهه شطر الغرب، والهواء الغربي في مدلولنا العامي كنسيم الجنوب في الشعر العربي الفصيح ولطالما تغنى به شعراء المحكي، وتنطحلهم فثنى لهم ركبة أي أعياهم حجَّة وبزَّهم في الخصام .

لا شك أن بيت خضير الثاني في قول النابغة الذبياني :

ولا عيب فيهم غير أنَّ سيوفهم … بهنَّ فلول من قراع الكتائب

والثالث في قول النابغة الجعدي :

فتى كملت أخلاقه غير أنَّه … جواد فما يبقي من المال باقيا

وقرأت للشاعر الحوراني ياسين عبدالرزاق في هجاء قوم بيتًا قال فيه :

ما انتو كفو يا صماعير .. يا انذال الناس غضوا بصركم

وليس يخفى على أحد بيت جرير :

فغضَّ الطرف إنَّك من نُمير .. فلا كعبًا بلغتَ ولا كلابا

على أن ياسين عبد الرزاق نشر بيت جرير وطواه في آن واحد، فقوله :

ما انتو كفو يا صماعير يا نذال الناس، هو نشر لقول جرير : إنك من نمير

وقوله غضوا بصركم هي اختزال البيت كله .

ثم نقرأ أبوذية تُنسب لعبد الكريم السبتي :

خدودك من شعاع الشّمس قدحن

عجب كلبك عليّه اليوم قدحن

اسقيني قدح وانا اسقيك قدحين

لذيذ العيش نتقاسم سويّه

تأخذنا لرائعة محمد سعيد الحبوبي غزال الكرخ التي مطلعها:

هزَّت الزوراء أعطاف الصَفا .. فصفت لي رغدة العيش الهَني

فارعَ من عهدك ما قد سلفا .. وأعد يافتنة المُفتَتِن

يقول فيها :

فاسقني كأساً وخذ كأساً إليك .. فلذيذ العيش أن نشتركا

القصيدة جميلة من جميل ما كتبه الحبوبي وإنكم إن قرأتم في ديوانه وجدتم كيف فاق الشعرُ فيه العلم، وهو القائل في قصيدة له مطلعها سائق العيس:

سائق العيس هَلْ تُريح الركابا .. حيث ربعي أُميمة و ربابا

فلتلك الرسوم تحكي خطوطًا .. ولتلك الديار تحكي الكتابا

ولعلكم تعرفونها حادي العيس لا سائقه وقد سبقه إليها البديري في قوله:

قفا حاديا ليلى فإني وامق .. وتعجَّلا يومًا على من يفارق

وزمَّا مطاياها قبيل مسيرها .. ليلتذَّ منها بالتزوِّد عاشق

ولا تزجرا بالسوق أظعان عيسها .. فإن حبيبي للظعائن سائق

وأول ما يتبادر لأذهاننا أنشودة الحادي بصوت ناظم الغزالي وهي لأمير الشعراء أحمد شوقي من مسرحية مجنون ليلى:

هلا هلا هيّا اطوى الفلا طيّا .. وقربي الحيّا للنازح الصبِّ

جلاجل في البيدْ شجيّةُ الترديد .. كَرَنّة الغِّريد في الفنن الرطب

أناح أم غنّى أم للحمى حنّا .. جُلَيجلٌ رنَّ في شُعَب القلب

هلا هلا سيري وامضي بتيسير .. طيري بنا طيري للماء والعشب

طيري اسبقي الليلا وأدركي الغَيلا .. العهد من ليلى ومنزل الحب

بالله يا حادي فتِّش بتوباد .. فالقلب في الوادي والعقل في الشعب

يا قمرًا يبدو مَطلعُه نَجدُ .. قد صنع الوجد ما شاء بالركب

وإني لأشكر صديقي الرائع عبد العزيز الحمدان الذي نبّهني إليها ولي معه وقفة قريبة.

وقصيدة يا حادي العيس لمحمد بن القاسم المعروف بماني الموسوس صاحب البيت الرائع:

كرّات عينك في العدا .. تُغنيك عن سلِّ السيوف

المأخوذ من قول صريع الغواني مسلم بن الوليد ويُنسب في بعض المراجع للأشجع السلمي:

فإذا تنبّه رُعْتَه وإذا غفا .. سلّت عليه سيوفك الأحلام

وقريب منه بيت عنترة:

يرى في نومه فتكات سيفي .. فيشكو ما يراهُ إِلى الوساد

وعجز بيته الآخر :

أُمسي على وَجل خوف الفراق كما .. تمسي الأَعاديُّ من سيفي على وَجل

الذي أراه في قول النابغة:

أُنبئْتُ أنَّ أبا قابوس أوعدَني .. و لا قرار على زَأرٍ من الأسد

وفي بيت المتنبي:

أشاروا بتسليم فجُدنا بأنفُس .. تسيل مِن الآماق والسم أدْمُعُ

وفي تناص عكسي من بيتين يُنسبان إلى نصر بن أحمد وفي مواضع إلى التمّار الواسطي:

قد كان لي فيما مضى خاتم .. فاليوم لو شئتُ تمنطقتُ به

وذُبتُ حتى صرتُ لو زُجَّ بي .. في مقلة النائم لم ينتبه

ونرى البيت الثاني أيضا في بيت المتنبي :

وَقفتَ وما في الموت شكٌّ لوَاقف .. كأنّك في جَفن الرَدى وهو نائم

وإنّي لأعجب كيف يطيرون ببيت إدريس جماع:

والسيف في الغمد لا تُخشى مضاربه .. وسيف عينيك في الحالين بتّار

ولا يذكرون قول عنترة:

وسلّتْ حسامًا من سواجي جفونها .. كسيف أبيها القاطع المرهف الحدّ

تُقاتل عيناها به وهو مُغمد .. ومن عَجب أن يقطع السيف في الغمد

على أن بيت إدريس لا شكَّ أجمل.

وممن نعت العيون بالسواجي أحمد شوقي في قصيدة مطلعها:

أُداري العُيونَ الفاتِراتِ السَواجِيا .. وَأَشكو إِلَيها كَيدَ إِنسانِها لِيا

بالعودة إلى حادي العيس فلعلّ أجمل توظيف للتركيب جاء في قول ابن معصوم المدني:

يا حادي الظعن إن جُزتَ المواقيتا .. فحيِّ من بمنى والخَيْف حُيِّيتا

وسلْ بجمع أجمع الشمل مؤتَلف .. أم غاله الدهر تفريقًا وتشتيتا

والثمْ ثرى ذلك الوادي وحطَّ به .. عن الرحال تَنلْ يا سعد ماشِيتا

وهي في أبيات لابن الفارض بقافية صعبة نادرة ذكرها لي صديقي الجميل الأستاذ خالد المحيميد:

سائق الأظعان يطوي البيد طَيْ .. مُنْعمًا عَرِّج على كُثبان طَيْ

وبذات الشيح عنّي إن مَرَر .. تَ بحَيٍّ من عُرَيب الجزع حَيْ

وتَلَطّفْ واجرِ ذكري عندهم .. علّهم أن ينظروا عطفًا إلي

وفيها بيتان عرّج على بعض مافي الشعر العربي منهما الأستاذ البراء خالد هلال في منشور رائع كعادته:

وهوى الغادة عمري عادة .. يجلب الشيب إلى الشاب الأحي

نَصَبًًا أكسبني الشوق كما .. تُكسب الأفعال نصبًا لام كي

وكلاهما – ابن معصوم وابن الفارض – نَهَل من ابن مليك الحموي في قوله:

قف قليلًا يا حادي الركب .. وسل الظاعنين عن قلبي

وإذا جئت رَحْبَ حيِّهم .. حيِّهم بالسلام والرحب

وقال الصبُّ صب أدمعه .. على أن يعطفوا على الصبِّ

والقصائد الثلاث من غرر المدائح النبوية ولكم أن تطالعوا للدكتور محمد فتح الله مصباح كتابيه:تناص الشعر العربي الحديث مع بردة البوصيري وَ بردة البوصيري وأثرها في الأدب العربي القديم فتجدوا فيهما فوائد جمة.

ونقرأ لمحمد بن علي الباخرزي :

يا حادي العير رفقًا بالقوارير .. وقِفْ فليس بعار وقفة العير

واحلب مآقي عين طالما قصرت .. حمر الدموع على البيض المقاصير

ومحي الدين بن عربي :

ناديتُ إذ رحَّلت للبين ناقتها .. يا حادي العيس لا تحدو بها العيسا

ونرى تنقّل الشعراء بين الظعن والعيس والعير ولكل حاديها

ولعلنا إذا بحثنا عن حادي العيس في الشعر المحكي فإن من أشهر ما نجده موّالًا بصوت صالح عبد الحي من كلمات بيرم التونسي يقول فيه :

يا حادي العيس خلّيني أسير وحدي

للي جفوني وخلّوني أسير وحدي

كم أسهر الليل استنظر وفا وعدي

ألقى غرامي يطول شرحه

أجد النوح واقول لعيني اسعفيني بالبكا وحدي

وفي باب آخر من أبواب الشعر المحكي وهو العتابا نجده في قول أحدهم:

يا حادي العيس حملّني هج فيني

عبعدا ما غمضلي هـ جفيني

قلي قوم واسقيلي هـ جفيني

قلتلو يا للأسف صارت حطب

وفي موضع آخر:

يا حادي العيس عالمورد غاربْلك

البدر من شاف وجناتك غربْ لك

خايف يا دهر بيدي غربلك

تطلع عزوتي كلها دياب

وفي القصيدة النبطية نجد أبياتا لحمود الجلوي:

ياحادي العيس مال العيس من حادي .. عقبك ولا عادت طبوعي هي طبوعي

ولا عادت أعيادي اللي تذكر أعيادي .. من يومها والحزن واحد من ربوعي

أنا فقدتك وكني فاقد بلادي .. الله يرحم دموعك ارحم دموعي

ومن أجمل ما قرأته عن العيس وحاديها في قصائد شعراء اليوم بيت للشاعر بدر الدريع من بائية كانت أبياتها الأول مذهلة يقول فيها:

كأنّي والورى حادٍ وعيس .. أحنُّ شجى وتتبعني طرابا

ما قرأتموه ليس كل ماورد في هذا الباب إنما بعض ومضات أترك جلها لما يأتي لاحقًا إن شاء الله، ولا بد لي أن أشير هنا أن بعض ما قرأتم من أبيات العتابا عن حادي العيس ليس لي منها نصيب في الحفظ والجمع إلا الكتابة فقد تكرّم الأخ عبد العزيز الحمدان بجمعها ورفدي بها، وعبد العزيز ممن يتقنون هذا الفن كما ويترنّم به بصوت آسر، وقد بالغ في إكرامي بأن أتحفني باللوحة المرفقة مع المنشور والتي رسمها بريشته فله الشكر الجزيل.

ومن حوارية مدهشة مُرتَجلة للشاعر حامد زيد جمعته مع شاعر آخر:

الموت خير من الحياة إذا الحيا بالناس مات

أظنها لا تخفى عليكم في أبيات أبي تمام:

يعيش المرء ما استحيا بخير .. ويبقى العود ما بقي اللحاء

فلا والله ما في العيش خير .. ولا الدنيا إذا ذهب الحياء

وقرأت للشاعر حمدي فهمي البغدادي:

وحك من في كتاب الله يومن

شبت وسيوف دهري علي يومن

أيا ليت الشباب يعود يومن

واخبره على المشيب اشعمل بيّه

( وحك ) هي حق، على أن لفظ القاف هنا كما الجيم في كلمة ( game ) فنكتبها برسم الكاف، ويومن الثانية من أومأ، وهنا نستذكر قول أبي العتاهية:

عريت من الشباب وكان غضّاً .. كما يعرى من الورق القضيب

فيا ليت الشباب يعود يومًا .. فأخبره بما صنع المشيب

ولعلي إن شاء الله أطرق هذا الموضوع ففيه شواهد كثيرة وقد طرق الشيب ما تبقّى من عارضي وأجدني هذه الأيام أذكر هذا البيت كثيرًا.

وفي أبيات للشاعر مانع سعيد العتيبة:

أعود إلى نفسي بقلب محطم .. وما غير نفسي في الملمات موئل

ويُغرق بحر الصمت صوتي وصوتها .. فلا أنا من يحكي ولا هي تسأل

وأرفع كفي قاصدًا صدَّ دمعة .. على الرغم مني أقبلت تتسلل

لئن كان فيض الدمع للجرح شافيا .. فلا عذر للعينين بالدمع تبخل

وجدت أن بيته الآخر من بيت لشاعر يمني اسمه محمد مشعجل يقول فيه:

إن كان دمع العين بيشفي الصوب … لاتبخلي بالدمع ياعين صبِّي

ومن قصيدة للأستاذ مصطفى الزايد الذي يغيب عنّا منذ زمن وأفتقد وجوده بيننا، قال فيها:

أحبائي الألى اختاروا بعادا .. وما انقلبوا ولا هم أبغضوني

أنا باق على عهدي وفيًا .. ولكني أبيٌّ فاعذروني

أجدها في أبيات للشاعر حامد زيد كذلك:

فإن ألفيتني شهمًا شجاعًا .. فليس البر أن تستضعفيني

فإن جاءت بي الأقدار يومًا .. أجوب الأرض خوفًا من أنيني

فروفي واحفظي لي ماء وجهي .. ولاتخشيني واخشي الله فيني

وللأستاذ عبد المنعم الجاسم أبياتًا من قصيدة يقول فيها :

وقد سمعت وما صدَّقت عن جبل .. صبيحة العيد لاقى ربه رغبا

يقوده اثنان نحو الموت واعجبا .. منذا رأى جبلا يُقتاد واعجبا

الناس للناس يوم العيد ذاهبة .. وذلك الصقر للرحمن قد ذهبا

ومثلها في الشعر الشعبي من قصيدة للشاعر العراقي عباس الجيجان:

ويَّة الفجر يوم العيد

وي نحر النحور صدام قدم للوطن روحه

إجه مثل الأسد مجروح يمشي وتضحك جروحه

هم شايف جبل ينكاد وإذا شفت الجبل مكيود تلكه العله بسفوحه

مثل النخل مات وكوف شاخص شامخه صروحه

لك لو هيجي الرجال تموت لو غم الرجال بموت ماصخ مابه ملوحه

بجيت وما بجيت عليك بجيت على الزمان الضمك بلوحه

بجى حتى الفرات عليك ونهر دجله انتحر موحه

إذا ً تستاهل عليك ينوح شاعر ما بطل نوحه

لأن إنته الوحيد إلذي خليت المشانق للرجال تصير مرجوحه

والذي أبدع الشاعر الفراتي عبود العثمان في أخذ الشطر: لو هيجي الرجال تموت، فنسج عليه مقطوعة لا أدري كيف أصفها قال فيها: لو هيجذ تموت الزلم ما ننسى الرجوله يا ام الشهيد لا تحزني وزفيه بهلهولة.

أما وقد ابتدأت بشاعر عراقي وكانت أكثر الشواهد في الشعر والشعراء العراقيين فقد آثرت أن أختم في هذا الباب بعراقي آخر يطاولهم ولربما بزّهم ذات يوم، وقد أورد في شعره كلمة ترد في واحدة من اللهجات السورية المحكية، إذ يأتي الشاعر جاسم محمد جاسم العجة بلفظ حبَّاب في قصيدة مطلعها:

نامت عيون الهوى لا تطرق البابا .. يا من تذكّرت بعد الهجر أحبابا

يقول فيها: فلا تحاول فإني فيك زاهدة .. ولن أسميكَ بعد اليوم حبّابا

وقرأت قبلًا للشاعرة بديعة السعد أروى قصيدة مطلعها:

من أنت حتى يقرؤوك كتابا .. وعلام تفترض الوداد حسابا

تقول فيها:

لك أنْ تكونَ من الحكاية بعضَها لكنَّه المنسيُّ (ياحبابا)

وللأستاذ جاسم في قصيدته الرائعة وقوع بيت يقول فيه:

يا رب كيف التي ربَّيتها بيدي .. تنام في أذرع أخرى وتضطجع

رأيته في أبيات قيس بن الملوح:

بربّك هل ضممت إليك ليلى .. قبيل الصبح أو قبّلت فاها

وهل رفّت عليك قرون ليلى .. رفيف الأقحوانة في نداها

# استدراك وجدته بعد نشر النص:

قرأت للأستاذ سالم الضوي قوله:

غيابك لو تدري به كسر خاطري .. وقلبي على ما كان منك تقطّعا

ولعلنا نعرف في لهجتنا : قلبي يتقطع عليك أو غيابك يقطّع قلبي

وهي ليست بأقل جودة من قول امرئ القيس من سينية مطلعها : ألما على الربع القديم بعسعسا

قصدت قوله :

ولكنها نفس تساقط أنفسا

أما وقد مررت بالتناص في الشعر الفصيح فلقد قرأت نصًّا جميلًا للأستاذ صلاح الخضر طرق في ذاكرتي نصًا لسميح القاسم مطلعه:

خلّوا الشهيد مكفَّنا بثيابه .. خلّوه في السفح الخبير بما به

على أن نص الأستاذ صلاح أجمل، وإنّي إذ أقول بتفضيله على نص القاسم أضع بين أيديكم نص الأستاذ صلاح – الذي ما أخذت عليه إلا قوله في بيته الثالث: قام يسري، فلو قال راح يسري لكان أجمل – أقول: وإني إذ أقول بتفضيل نص الأستاذ الخضر فما هذا إلا لما وجدته فيه من عاطفة مسكوبة ووصف مُتقن ولغة سهلة، وإنّكم لو نظرتم قوله: دمُهُ تقطّرَ من عُرا أكمامِهِ .. مِنْ كُثر ِما مرّتْ على أهدابِه

فوقفتم عند قوله: من كُثر، وقلتم هذا من اللهجة المحكية أيضًا، لقلت لكم إنه مما لا يُستعاض عنه بغيره، وهذا والله ديدن الشاعر، يقول صلاح الخضر:

تدرين ؟

لو تدرينَ ثقلَ مصابِهِ

لبكيتِه عينيكِ قبلَ عتابِه

لو تمعنينَ

_ وقد أذلَّ من الجوى _

بِسِماتِه و عيونِه و إهابه

لرأيتِ طيفاً

قامَ يسري في الدّجى

بِنُعاتِه

ليفرَّ من أوصابِه

سكنتْ جوارحُه

خيوطَ ردائِه

فكأنّه قد حِيكَ من أعصابِه

دمُهُ

تقطّرَ من عُرا أكمامِهِ

مِنْ كُثر ِ

ما مرّتْ على أهدابِه

ايّامُه .. ؟

ويلاهُ من أيامِه

لم تبقِ غيرَ اليأسِ من أصحابِه

لو تقتفينَ خطاه

خلفَ سرابهِ

لملأتِ روحَك

من حطامِ شبابِه

وبكيتِه

.. وصرختِ في أترابه

واروا شهيدي

واظفروا بثوابِه

غسّلتُه بدموعِه

ودمائِه

و بحسرتي كفّنتُه

وعذابِه

لا تسألوا

من قاتلوهُ ؟

خصومُه..

العائدونَ لأمّهِ بثيابِهِ

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

ترميم قلب شمعة!

د. ممدوح المنير كاتب وسياسي مصري. تحتاج القلوب كالبيوت العتيقة للترميم ، …