أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات / مروءة محمد الفاتح المنتصر مع أهل القسطنطينية

مروءة محمد الفاتح المنتصر مع أهل القسطنطينية

أ.د. أحمد رشاد

أكاديمي مصري
عرض مقالات الكاتب

لم يفعل السلطان الفاتح بأهل المدينة كما فعل الصليبيون  بالمسلمين من قبل في أول حملة صليبية على الشرق الإسلامي حينما دخلوا بيت المقدس وأسسوا لهم فيها إمارة صليبية عام 1099 م وقاموا بقتل 70000 مسلم في يوم واحد وفى ذلك يقول المؤرخ القس ريموند الأجيلي أحد شهود العيان وشاهدنا أشياء عجيبة ، إذ قطعت رؤوس عدد كبير من المسلمين وقتل غيرهم رميا بالسهام ، أو أرغموا على أن يلقوا أنفسهم من فوق الأبراج ، وظل بعضهم الآخر يعذبون عدة أيام ، ثم أحرقوا في النار ، وكنت ترى في الشوارع أكوام الرؤوس والأيدي والأقدام ، وكان الإنسان أينما سار فوق جواده يسير بين جثث الرجال والخيل والدماء   .  

وفى رواية أخرى تفاصيل أدق من هذه وأوفى ، فقد جاء فيها أن النساء كن يقتلن طعنا بالسيوف والحراب ، والأطفال الرضع يختطفون بأرجلهم من أثداء أمهاتهم ويقذف بهم من فوق الأسوار ، أو تهشم رؤوسهم بدقها بالعصى ، وذبح سبعون ألفا من المسلمين الذين بقوا فى المدينة ، أما اليهود الذين بقوا أحياء فقد سيقوا إلى كنس لهم ، وأشعلت فيهم النار وهم أحياء . واحتشد المنتصرون فى كنيسة الضريح المقدس ، وكانوا يعتقدون أن مغارة فيها احتوت في يوم ما السيد المسيح ، وفيها أخذ كل منهم يعانق الآخر ابتهاجا بالنصر وبالاستيلاء علـى المدينة ، ويحمدون الله على ما نالوا من نصر   .

ولكن البون شاسع والفرق كبير والفكر عميق  ، فإن السلطان محمد الفاتح لم يظهر ما أظهره مع التسامح من نصارى القسطنطينية إلا بدافع التزامه الصادق بالدين الإسلامي وحبه الشديد لتعاليمه والتمسك بها والعمل بقواعدها الراسخة ، وتأسيا برسول الله صلى الله عليه وسلم وبخلفائه الراشدين من بعده الذين امتلأت صحائف تاريخهم بمواقف التسامح الكريم مع أعدائهم  ، مما جعل أهل القسطنطينية لا يسعهم إلا أن يرفعوا أيدهم بالدعاء يسألون الله أن يبارك لهم في هذا السلطان الجديد بعد أن وجدوا من أقوال الفاتح  وأفعاله وقراراته ومعاملته من السماحة ودماثة الخلق ولين الجانب ما لم يرو مثلها من قبل حتى من بنى دينهم وبنى جلدتهم .

وبعد الفتح الإسلامي للقسطنطينية أصبحت هذه المدينة الإسلامية ملجأ للعالم كله ، يأمن فيه الخائف والمذعور ويطمئن فيه المضطهد والمظلوم ، ويشبع فيه الجائع والمحروم ، وينال فيه الجميع على قدر سواء من العدل والمساواة والحرية لا تمييز بين الرعية فقير وغنى ، ولا بين عظيم و حقير ولا بين مسلم وغير مسلم ، فساد الأمن والأمان والسكينة والطمأنينة في القسطنطينية  وعادت الحياة طبيعية . وهاك بعض صور التسامح والتعامل الراقي للسلطان الفاتـح المنتصر لعدوه المنهزم :

  • ·                نهى جنوده عن القتل وأمرهم بالرفق بالناس والإحسان إليهم وتسامح السلطان مع أهل القسطنطينية وعفا عن وزراء الإمبراطور لوكاس وماجدكوس وافتدى من ماله الخاص أعداداً كبيرة وخاصة أمراء اليونان ورجال الدين وهدأ من روع الأساقفة وطمأنهم على عقائدهم وشرائعهم وبيوت عبادتهم وأمرهم بتنصيب بطريرك وانتخبوا أجناديوس بطريركا ولم تمض أيام قلية حتى استأنف الناس حياتهم المدنية العادية في اطمئنان وسلام ولم يتعرض بيزنطي للإيذاء من قبل الفاتحين وأمر السلطان بعدم تدمير المباني البيزنطية  .
  • عامل السلطان محمد الفاتح أهل القسطنطينية معاملة حسنة ورحيمة وأمر جنوده بحسن معاملة الأسرى والرفق بهم واجتمع بالأساقفة وهدأ من روعهم وطمأنهم انه سيحافظ على أماكن عبادتهم  وشرائعهم  وأمرهم باختيار بطريك لهم فاختار الأساقفة أجناديوس بطريركا لهم الذى كان من أقوى المعارضين لاتحاد الكنيستين ـ الشرقية الأرثوذكسية في القسطنطينية و الغربيــة الكاثوليكية فى روما ـ  وأمر الفاتح بتنصيبه بنفس المراسم الفخمة التي كانت متبعة في عهد أباطرة القسطنطينية . وفى موكب حافل من الأساقفة ذهب جناديوس إلى مقر السلطان محمد الفاتح الذى استقبلهم بحفاوة بالغة وأكرمهم أفضل إكرام  وتناول مع جناديوس الطعام ودار بينهما حديث في مختلف المجالات الدينية والاجتماعية ، مما جعل البطريك الأرثوذكسي يشاهد بطريقة عملية سماحة الإسلام وعظمة هذا الدين في معاملة أهل البلاد التي فتحها المسلمون كما أنه علم أنه أمام سلطان صاحب رسالة وعقيدة دينية راسخة ثابتة ،مما دفع جناديوس بعد ذلك بتقديم عصا البطريركية إلى السلطان الفاتح وقال له (( إنك البطريرك وليحفظك الله واعتمد دائما على صداقتي ومودتي وتمتع بكل ما كان يتمتع به سلفك من الحقوق والامتيازات  ، وعند انتهاء المجلس وهم البطريك بالانصراف رافقه السلطان حتى باب القصر وأعانه على ركوب الجواد الذى أعده له وأمر كبار رجال دولته أن يصحبوه الى مقره ، مما جعل البطريرك يتأثر بحفاوة السلطان الفاتح له وشعر بالخجل وقال للسلطان الفاتح : إن الأباطرة النصارى لم يفعلوا قط مثل هذا لمن سبقه من البطاركة . بل زاد من عدل وسماحة الفاتح الذى يمثل الإسلام في القسطنطينية أنه أصدر فرمانا للبطريرك أمنه فيه على شخصه وجعله في رتبة الوزراء ، وعهد السلطان بالنظر فى أمور الروم الدينية والمدنية كالزواج والطلاق والميراث ، وأصبح البطريرك فضل سماحة الفاتح زعيما سياسيا ودينيا لرعاياه من النصارى بالقسطنطينية ،  ولم يكن الروم أنفسهم أقل تأثرا ودهشة من بطريركهم لأنهم كانوا يظنون أن الفاتح سيفعل مثلما يفعل قادتهم حينما يدخلون بلاد الإسلام عنوة يقتلون ويذبحون أهل المدن كما فعل الصليبيون عام 1099 م حينما دخلوا بيت المقدس وذبحوا في يوم واحد 70000 مسلم ـ كما أسلفنا ـ ممن لا يرفعون السلاح بل وغير قادرين على حمله وجريمتهم الوحيدة أنهم أهل البلاد الإسلامية وأنهم يدينون بدين الإسلام ، وكما فعل من قبل المغول من تنكيل وتشريد وقتل للأمراء ولغير الأمراء وتدمير الأخضر واليابس ، ولم يكتفوا بقتل الانسان بل وامتد القتل إلى الحيوان وهدم البناء وتدمير الزرع ، وأتوا بالخليفة العباسي وقتلوه بالركل ، كما قتلوا أمير ديار ميافارقين بعد أن دهنوه بالدهن ولفوه باللباد وتركوه شهرا حتى تحول الدهن إلى دود ، وكذلك أمير ديار بكر كانوا يقطعون جزء من جسمه ويضعونه في فمه حتى مات ، بل إنهم مازالوا يتذكرون أهل البندقية والصليبيين  حينما دخلوا نفس المدينة القسطنطينية عام 1204 م قبل ذلك الوقت بقرنين ونصف  وقتلوا ودمروا وحرقوا وعاملوا أهل القسطنطينية المسيحيين من بنى دينهم  معاملة سيئة جدا وفعلوا فيهم الأفاعيل التي كانت آثارها لاتزال ماثلة فى القسطنطينية إلى ذلك اليوم ، فإذا كان الصليبيون ـ المسيحيون الكاثوليك ـ فعلوا ذلك بأهـــل القسطنطينية ـ المسيحيين الأرثوذكس ـ يرتكبون كل هذا مع بنى دينهم فكيف بأصحاب دين آخر وخاصة أن الدولة البيزنطيين ظلت فترة من الزمن تدس الدسائس ضد الإسلام والمسلمين منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم وتحارب الإسلام في أي مكان وأن العداء بين بيزنطة والمسلمين منذ غزو مؤتة عام 8 هـ / 629 م   ثم تبوك ثم اليرموك وغيرها ، بل ظلت الدولة البيزنطية في القسطنطينية تساعد الصليبيين في شن الهجوم الدامي ضد الاسلام والمسلمين في الشرق منذ أن بدأت الحروب الصليبية عام 1099  حتى دخول محمد الفاتح القسطنطينية . مما جعل أهل القسطنطينية يتملكهم الرعب والفزع من الفاتحين ، واعتقدوا أن العثمانيين أجلاف غلاظ الأكباد ووحوش كاسرة ، سيمعنون فيهم تقتيلا وتذبيحا بغير رحمة ولا هوادة .  
  • ومع ذلك كله لم تمض أيام قليلة حتى كان أهل القسطنطينية يستأنفون حياتهم وأعمالهم في سلام واطمئنان ، لأن العثمانيين كانوا حريصين على الالتزام بقواعد الدين الإسلامي الحنيف من عدل ومساواة ونشر الأمن والأمان بين الناس ، هذا فضلا على أن معاملة العثمانيين للنصارى كانت خالية تماما من أي التعصب والظلم ، ولم يخطــر ببال العثمانيين أن يضطهدوا النصارى بسبب دينهم  وخاصة أن الفاتح قد حرم اضطهاد النصارى تحريما قاطعا ولم يميز في تسامحه ومعاملته بين أحد منهم على اختلاف عقائدهم ومذاهبهم وأصبحوا جميعا في نظر الفاتح سواء وأظلهم جميعا بعدله ورعايته على اختلاف مللهم ، ونالوا جميع حقوقهم الدينية فكان لكل ملة رئيس ديني له حق مخاطبة حكومة الدولة مباشرة ، ولكل ملة مدارسها الخاصة وأديرتها وأماكن عبادتها الخاصة وهى التي تدير ماليتها دون تدخل من الدولة ولهم كل الحرية في التحدث باللغة التي يريدونها .
  • وليس أدل على ذلك أيضا حينما لجأ معظم أهل القسطنطينية إلى الكنائس وزينوها بالورود وخاصة كنيسة أيا صوفيا أكبر الكنائس بالقسطنطينية يدفعهم أمل الحماية الإلهية ، وغلقوا على أنفسهم الأبواب منتظرين المعجزة التى أنبأت بها كلمات رجال دينهم وهى أنه عندما يدخل الكفارـ قصدوا أهل الإسلام ـ القسطنطينية ويتقدمون نحو عمود قسطنطين الكبير ، عندئذ يهبط ملك من السماء يحمل فى يده سيفا فيسلمه إلى رجل من العامة جالس أسفل هذا العمود ويأمره أن ينتقم لشعب الله، فينتشر الرعب والفزع بين الأتراك فيخرجون مهرولين مدحورين مسرعين من القسطنطينية ويردون على أعقابهم الى حدود الدولة الفارسية .
  • وعندما وصل السلطان محمد الفاتح إلى كنيسة أيا صوفيا سمع أصوات خافتة حزينة للمسيحيين  الذين لجأوا إلى الصلوات والدعوات ، فلجأ الفاتح الى أحد الأبواب المنيعة المغلقة للكنيسة فلما علم الراهب بمقدم الفاتح أمر بفتح الباب على مصراعيه ، وانتاب اللاجئون في الكنيسة الفزع والقلق والخوف وتوجسوا شرا سيحدث بهم من قبل السلطان محمد الفاتـح فانقطعوا عن الصلاة والدعوات ، فما كان من السلطان الفاتح إلا أن طلب من الراهب أن تستمر الصلاة كما كانت من قبل وأن يبقى كل انسان في مكانه دون أن يجزع أو ينتابه الخوف ، وتمت صلاتهم فى سلام وطمأنينة وسجد الفاتح شكرا لله تبارك وتعالى ، ثم طلب من الراهب أن يطلب من اللاجئين العودة الى منازلهم آمنين على أنفسهم وأعراضهم وأموالهم وأن يعودوا إلى أعمالهم المختلفة . ونزل كلام الفاتح على المصلين بردا وسلاما على قلوب هؤلاء وشاعت بينهم الطمأنينة بعد أن كانوا يتوقعون أن ينكل بهم الفاتح ويبطش بهم ، بل أمنهم الفاتح بمجموعة من الجنود لتأمين الناس حتى يعودوا إلى ديارهم دون التعرض لهم من قريب أو بعيد وعادو فى وقت قريب إلى حياتهم الطبيعية فى اطمئنان وسكينة .
  • والخوف لم يقف عند أهل القسطنطينية العاديين بل وصل الخوف إلى الرهبان والقساوسة الذين لجأوا إلى سراديب الكنيسة خوفا من بطش السلطان بهم وقتلهم على أفضل تقدير ، ولكن سرعان ما سمعوا بما فعله الفاتح من سماحة وحسن رعاية للنصارى خرجوا جميعا من السراديب وأعلنوا اسلامهم .
  • اما مصير كنيسة أيا صوفيا فقد حولها الفاتح إلى مسجد وجلجل فيه صوت أحد العلماء الذى أمره الفاتح بالآذان في هذا المعبد الضخم الفسيح وأدى الفاتح صلاة العصر وأعلن الفاتح بأن أول صلاة جمعة قادمة ستقام في هذا المسجد ، وبالتالي بدأ البناؤون في إعداد المسجد للصلاة ، وشيدت المئذنة وأنشأ المنبر، ورفعت الصلبان والصور للقديسين والقديسات وأمر الفاتح بتغطية الجدران التي زخرفت بالفسيفساء بصور متعددة قد تلهى المصلين في الصلاة بطبقة من الكلس الكبرى  .
  • ومن شدة تسامح الفاتح ومعاملته الحسنة فقد أغرت  هذه المعاملة الحسنة بعض القادة الصليبيين فأخذوا يتآمرون لإخراج المسلمين من القسطنطينية وأرسلوا الرسل إلى إيطاليا يدعون إلى حملة صليبية ضدهم  فأمر الفاتح باعتقالهم وقتلهم ، ومن هؤلاء على سبيل المثال لا الحصر الدوق نوتاراس الذى صفح عنه السلطان وأكرمه ووهب له ولأولاده مالا كثيرا ، بل أكثر من ذلك لما علم الفاتح بمرض زوجته ذهب إليه الفاتح ليقدم له المساعدات الطبية ، وصدق القائل :

                                اذا اكرمت الكريم ملكته    ***     وان أكرمت اللئيم تمرد

  • وقد قام السلطان بعد ذلك على ترتيب مختلف الأمور في المدينة، وإعادة تحصينها، واتخذها عاصمة للدولة العثمانية وأطلق عليها لقب إسلام بول أي مدينة الإسلام

وكان السلطان محمد الفاتح دائما يغلب روح التسامح والعفو على روح الانتقام بمن وقفوا ضده وساعدوا القسطنطينية أثناء الحصار ، فكان على علم تام بما كانت تفعله مدينة غلطة من تقديم المساعدة للجيش البيزنطي وأنهم كانوا دائما ينقضون العهد مع الفاتح ويقدموا العون للقسطنطينية ، ولكن الفاتح آثر روح التسامح والعفو ،  وكان الفاتح بعد انتصاره يستطيع أن يشنها حربا لا هوادة فيها ضد هذه المدينة الصغيرة التي لا تمتلك إلا جيشا ضعيفا ، مما جعل حاكمها يسعى لتفادى الصدام مع جيش منتصر قوى عرمرم لا قبل له به ، وأرسل إلى السلطان الفاتح في نفس اليوم الذى سقطت فيه القسطنطينية وفدا جنويا يحمل الهدايا ومفاتيح غلطة ويلتمس من السلطان عطفه وعفوه ، فذكر لهم السلطان أنه كان على علم تام بأعمال غلطة ومعاونتها لأهل القسطنطينية أثناء الحصار وأن ذلك نقض للعهد وخروج على الحياد ، فأرسل السلطان زغنوش باشا نائبا عنه الى غلطة  فأمن أهلها وطمأنهم  وأصدر فرمانا باسم السلطان ضمن لهم فيه حرية العبادة وبقاء كنائسهم وأن تكون لهم إدارتهم الداخلية الخاصة وينتخبوا حاكمهم بأنفسهم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

المفاوضات مع نظام الأسد دجل بلا حياء أو خجل!

بعد استماعي إلى مداخلة وتصريح المدعو هادي البحرة رئيس وفد المعارضة للجنة الدستورية لفت إنتباهي …