أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات / ثورة كرامة أم ثورة جياع؟

ثورة كرامة أم ثورة جياع؟

د. صابر جيدوري

أكاديمي وباحث سوري.
عرض مقالات الكاتب

     تجدر الإشارة بداية إلى أن أي تحرك، أو انتفاضة، أو ثورة، مهما كان شكلها أو تصنيفها أو تسميتها أو حجمها، هي ثورة محمودة يستحق من قام بها، ونظمها ودعا إليها الشكر والتقدير، طالما تستهدف نظام الاستبداد، وفضح ممارساته الفاسدة، ولكن ما حصل من اختلاف في وجهات نظر السوريين حول خروج مجموعة من شباب السويداء للمطالبة بتحسين الوضع المعيشي، ورفع شعارات واضحة ضد النظام الفاسد دفع بعضهم إلى القول: إن ما قام به هؤلاء هو ثورة جياع سوف تنتهي بمجرد تلبية ما يسد جوعهم، وتأمين حاجاتهم الأساسية من غذاء وشراب، فيما ذهب آخرون ومنهم المفكر العربي احمد برقاوي إلى القول: “إن ثورة الجياع هي أيضا ثورة كرامة، وبرر ذلك بأن الإنسان الذي لا يريد للجوع أن يذله يثور دفاعاً عن كرامته حين يثور من أجل لقمة عيشه”. السؤال هنا: هل ما حصل في السويداء بتاريخ 7/6/2020م ثورة كرامة أم ثورة جياع؟

     قبل الإجابة عن هذا السؤال لا بد من الإشارة إلى أن الثورات عموماً ارتبطت بحرية الفكر قبل حرية الشعوب، ولا أدل على ذلك من قيام الفكر الحر عند روسو وفولتير ومونتسكيو ودالمبير وفلاسفة دائرة المعارف بدور مهم في نقد الاستبداد السياسي والاستبداد الديني من أجل تحرير الفكر، وليس من أجل رغيف خبز عزّ انتظاره. ويمكن رصد الكثير من الثورات التي قامت من أجل الحرية والكرامة الإنسانية، حتى ما حصل في حوران يوم 18/3/2011 لم يكن سببه لقمة العيش بقدر ما كان ثورة من أجل الكرامة على خلفية قيام ضابط أمن أهوج بمحاولة إذلال الوفد الذي زاره بشأن إطلاق سراح الأطفال الذين خطوا على جدران مدرستهم عبارات ضد رأس النظام في سورية.

     من هنا يمكن القول: إن ما حصل في السويداء لم يبدأ من الفكر كما هو حال الثورة الفرنسية وغيرها من الثورات، ولم يبدأ بالمطالبة بالكرامة كما حصل في حوران وعموم المحافظات السورية، وإنما بدأ من المطالبة بتحسين الوضع المعيشي، وتأمين حاجات المحافظة من السكر والرز والخبز، وبقية الحاجات التي لم تعدّ موجودة بسبب ممارسات النظام القمعية، وفساده وسرقته لأموال الشعب.

     ومن ثم فهي انتفاضة المطحونين والمهمشين والجوعى، طلاباً وعمالاً وفقراء، وليست ثورة ضد الاستبداد السياسي الجاثم على صدور السوريين منذ عشرات السنين، وما يؤكد ذلك أن محافظة السويداء لم تلتحق بثورة السوريين، ولم تشارك بمظاهرات ضد النظام، ولم يتخذ مشايخ العقل فيها أي موقف يندد بأي جريمة من الجرائم التي ارتكبها النظام خلال السنوات التسع الماضية، بل يمكن القول: إن المحافظة ساندت النظام في كثير من المحطات لست بصدد ذكرها في هذا المقال، ورغم ذلك لا بد من التأكيد أن بعض المثقفين الأحرار من أبناء المحافظة انتصروا للثورة، ودافعوا عنها، وبذلوا جهوداً كبيرة لا يمكن لعاقل أن ينكرها، بل لا بد أن نشكرهم على مواقفهم المشرفة، مع إنهم لا يمثلون المجتمع الأصلي للمحافظة.

     يبقى أن أقول: إن ما يحصل في السويداء من حراك ثوري، حتى لو كان سببه تدهور الحالة الاقتصادية، لا بد من دعمه والوقوف إلى جانبه، لأن مثل هذا الحراك يمكن أن يتطور ويستمر ويتخذ أشكالاً أخرى من الكفاح ضد الاستبداد السياسي، مما يُعدّ رافداً إضافياً لثورة الحرية والكرامة.  

تعليق واحد

  1. غسان الجباوي

    هذا المقال يحمل في طياته كثير من التساؤلات و كثير من التجاذبات بعد قتل مليون سني و تهجير ١٢ مليون …و لكن بالمحصلة منعاً لتوسبع الهوة ما بين أبناء المجتمع ومن أجل اللحمة الوطنية تُرفع القبعة لهذا المقال و نطأطىء الهامات في سبيل المعاضدة للخلاص من الطغمة الحاكمة بسوريا ….

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

زراعة الخوف وزراعة الحياة

حسام نجار كاتب صحفي ومحلل سياسي مقالي هذا يختلف في عرضه وطريقة طرحه …