أخبار عاجلة

الطفل المشاكس

محمد الفضلي

كاتب وأديب سوري
عرض مقالات الكاتب

أحيطت مدينتي ككل المدن في ريف دمشق، بمساكن عسكرية، كنا ندعوها بالمستوطنات، يقيم فيها ضباط وصف ضباط الجيش، وهم في غالبهم من طائفة النظام، وكانوا قد جلبوا معهم كل مفاسد الأرض من بيوت للدعارة، إلى خمارات عشوائية، إلى المتاجرة بكل ممنوع، إلى محاولة لتغيير العادات، والتقاليد، واللباس، والفجور، ناهيك عن التسلط، والتهديد بالأمن والمخابرات، والمحاسبة على كل صغيرة و كبيرة، و التشليح، وغيرها من مفاسد، وسبل ابتزاز .

وقد تسلطوا أيما تسلط، وتفرعنوا أيما تفرعن!!.

لقد كانوا يستحقرون أهل البلد، وينظرون لهم، كما يُنظر إلى المجرم، مع أنهم أغراب عن بلد تفضل عليهم.

ولمدينتي طبائع دمشق، من فن النفاق والتملق للسلطة، مع أنها تكره كل روائحها.

في العالم 1996عندما كنت في الصف العاشر، وفي أحد الامتحانات الفصلية.. أخبرنا مدرس الرياضيات: أن من ينهي الإجابة.. يخرج مباشرةً إلى المنزل.

و كوني كنت الأسرع في الحل، لأني كنت متفوقا في المادة، فخرجت باكراً وحيداً .

أمام المدرسة.. كان ينتظرني طالب الثانوية العامة (البكالوريا) إضافة إلى أحد زملاء صفي من طلاب الصف العاشر، ومعهما ثلاثة آخرين، وهم جميعاً أولاد ضباط الجيش من المساكن العسكرية “المستوطنات”، ليحاسبوني على كلمتي الشهيرة، والتي تداولها طلاب صفي، بعد عراك مع أحدهم:

(يلعن أبو الذي جاء بكم إلى البلد)

وماهي إلا لحظات… حتى بدأت معركتي المصيرية، معركة الوجود الفاصلة.

وهذه المعركة.. كانت تحدث بشكل دائم بين بعض أبناء البلد المشاكسين، وأبناء المستوطنات، وعلى مر السنين، حتى وصلت إليّ.

كنت قد أيقنت حينها، أنه سينالني قسطٌ كبير من الضرب، ولا مفر، لذا كان الواجب علي أن أضرب بقدر ما أستطيع، وألا أكون المضروب الوحيد في هذه المعركة .

بدأت المعركة بشتائم متبادلة، ثم سحب أحزمة البنطال، والتلويح، والتهديد، ثم الضرب، التحق بي أحد الأصدقاء في نهاية المعركة.

لا أعلم مصدر القوة التي أتتني، وأنا أضرب.

لم يثبت أمامي سوى طالب الثانوية (البكلوريا)، ولقد فرّ الجميع من شراسة المعركة.

وبعد تضاربنا بقليل…حضر شرطيٌّ تصادف مروره من أمام ميدان المعركة، فألقى القبض على كلينا، وساقنا إلى المخفر، وأطلق سراحنا بعد تدخل والدي، ومعارفي، وبعد محاضرة في الأخلاق من مساعد في الشرطة لا يملكها أصلاً.

في اليوم التالي… استدعانا مدير المدرسة، وهو من أهل مدينتي، ليعطينا محاضرة بالسلوك، امتدت عشر دقائق، وبعدها طلب منه الانصراف، وأبقاني عنده.

ربع ساعةٍ، وهو يكيل المديح لي، وهو يحيّ بطولتي العظيمة، وما فعلته في كسري شوكة أهل المساكن.

بعدها… أصبحت بطلاً قومياً في المدرسة أمام طلاب أهل البلد، وحتى خارج المدرسة.

كنت بطلاً كسر شوكة الغرباء المتسلطين أمام أهل المدينة، ولقد فخرت بنفسي أيما فخر وقتها.

الغريب في الأمر، أنه بعد ذلك بمدة:

قابلني طلاب المستوطنات بالاحترام، وصار بعضهم يتلقاني بوجه بشوش، ويسلم عليّ، وربما تجنبني البعض، لأني في عرفهم بتُّ الطالب المتحدي المشاكس، الذي ينتقم.

وبعض أهل البلد صاروا يخوّفوني من ردود أفعال أولاد الضباط، وما ينتظرني، وأيضاً تجنبني كثير منهم، باعتباري الطالب المتهور المشاكس، الذي تحدى أهل السلطة.

أقسم لكم أني حينها شعرت بالغربة، ولم أفهم  المعادلة السياسية، إلا عندما كبرت، ودخلت الثورة السورية العظيمة.

فأهل البلد يكرهون أهل المستوطنات أي (النظام)، وأهل البلد بحاجة إلى ثورةٍ، ليتخلصوا من تلك القبائح، التي يفعلها أهل المستوطنات، لكن أهل البلد!! لا، ولن يقدِموا على عملٍ، بل ينتظرون مَنْ يُقدّم، ويقاتل عنهم، وهم لا يريدون أن يخسروا شيئا.

وهذا النظام المجرم… لا، ولن يفهم، مالم تكسر شوكته، ويختفي من الوجود.

هذه القصة حقيقية

ولا يزال أهل البلد… هم أهل البلد

ولا يزال الذي يدفع عنهم الفاتورة.. يدفع.

ولازلت أنادي:

متى يصحو قومي؟! ويعينوني على الخلاص من كل ما لحق بهم على يد نظام مجرم ساقط.

ألم أقل لكم بدايةً:

أني طفل مشاكس؟!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

الأوهام لا تصنع أوطانًا!

د. محمود سليمان أكاديمي سوري، دكتوراة في القانون الدستوري. عندما قام غالبية الشعب …