أخبار عاجلة

إضاءات سياسية (19)

هيثم المالح

عرض مقالات الكاتب

حقوق الإنسان إلى أين ؟

14/06/2003

في عام 1948 أقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والذي أصبح مرجعاً أساسياً لعدد من الاتفاقيات المتعلقة بحقوق الإنسان ، وكان له أثر واضح في معظم دساتير الدول التي صدرت بعد عام 1948 .

واستناداً للإعلان العالمي لحقوق الإنسان أقرت عدد من الدول في الأمم المتحدة اتفاقيات : العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية ، العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ، البروتوكول الاختياري الملحق بالعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية .

وقد أقرت سورية الإعلان العالمي كما وقعت على العهدين الدوليين وبالتالي أضحت هذه الاتفاقيات الدولية تعلو على القوانين المحلية . فأين تطبيق هذه الاتفاقيات من الواقع ؟ كما هو معروف إن لكل مشكلة سبب وأس الانتهاكات عادة تتمثل في التشريع .

في الثامن من آذار/مارس 1963 أعلنت حالة الطوارئ في البلاد نظراً للتغيير الذي حصل بالسلطة ، ولن نناقش هنا صحة الأسباب التي دعت السلطة لإعلان حالة الطوارئ ، لأن هذه المسألة تعتبر من أعمال السيادة التي تمارسها أية سلطة مالكة لزمام الحكم . وإنما سنناقش مدى مشروعية حالة الطوارئ من الناحية الدستورية الشكلية ، ومن الناحية الموضوعية ، ثم نبين الآثار السيئة لحالة الطوارئ على حقوق الإنسان في سورية ، وخاصة لجهة الاعتقال دون محاكمة .

تستند حالة الطوارئ المعلنة منذ نحو أربعين عاماً إلى المرسوم التشريعي رقم (51) لعام 1962 ونصت المادة /2/ منه على ما يلي :

أ- تعلن حالة الطوارئ بمرسوم يتخذ في مجلس الوزراء المنعقد برئاسة رئيس الجمهورية وبأكثرية ثلثي
         أعضائه ، على أن يعرض على مجلس النواب في أول اجتماع له .

    ب- يحدد المرسوم القيود والتدابير التي يجوز للحاكم العرفي اتخاذها والمنصوص عليها في المادة الرابعة من هذا
          المرسوم التشريعي دون الإخلال بأحكام المادة الخامسة منه . وتنص المادة الخامسة ما يلي :

أ- يجوز لمجلس الوزراء المنعقد برئاسة رئيس الجمهورية توسيع دائرة القيود والتدابير المنصوص عليها
     في المادة السابقة عند الاقتضاء ، بمرسوم يعرض على مجلس النواب في أول اجتماع له .

ب- ويجوز لهذا المجلس تضييق القيود والتدابير المشار إليها .

وقد حددت المادة الرابعة من قانون الطوارئ صلاحيات الحاكم العرفي ، ولا نرى حاجة لتعدادها إلا أننا نورد ملاحظات هامة :

أ- إن إعلان حالة الطوارئ منوطة بالسلطة التنفيذية الممثلة بمجلس الوزراء المجتمع برئاسة رئيس الجمهورية وذلك في الفترة السابقة لصدور الدستور الحالي لعام 1973 ، وبرئيس الجمهورية منفرداً في الفترة التالية لنفاذ هذا الدستور .

تختص السلطة التشريعية بالمصادقة على حالة الطوارئ وإن عرض مرسوم الإعلان على مجلس النواب ليس لإعلامه فحسب ، وإنما للمصادقة على المرسوم ، وتعتبر مصادقة مجلس الشعب من الشروط الجوهرية لنفاذ حالة الطوارئ ، لتعلقها بإرادة الشعب والنظام العام والحريات العامة .

لهذه الأسباب فإن حالة الطوارئ التي أعلنت من قبل المجلس الوطني لقيادة الثورة في سوريا ، تعتبر غير نافذة دستورياً مما يستتبع عدم قانونية كافة القرارات الصادرة بالاستناد إليها ، وخاصة أوامر الاعتقال دون محاكمة -لأن ما بني على باطل فهو باطل- .

الآثار السلبية لحالة الطوارئ على حقوق الإنسان :

إن التطبيقات الواقعية لحالة الطوارئ -غير الدستورية- قد أفرزت الآثار القانونية الخطيرة على حقوق الإنسان وهي :

1– انعدام ممارسة السلطة القضائية لأية صلاحية بصدد الاعتقالات سواء لجهة الأمر بالاعتقال أو تنفيذه ، ومسؤولية التحقيق مع المعتقل ، أو معاقبته ، أو الإفراج عنه ، فضلاً عن أن ذلك يتعارض مع الفقرة (3) من المادة /9/ من اتفاقية الحقوق المدنية والسياسية التي وقعت عليها سورية .

2– حرمان المواطنين من ممارسة حقهم في الطلب من القضاء البت بشرعية توقيف أي شخص وهو يخالف الفقرة (4) من المادة /9/ آنفة الذكر .

3– حجب حق الدفاع عن المعتقل أو توكيل محام للتشاور معه وبالتالي منع المحامين من ممارسة مهامهم وهذا يتعارض مع الفقرة (7) من المادة /14/ من الاتفاقية المذكورة .

4– عدم نفاذ أي قرار قضائي بإلغاء الأوامر العرفية والحيلولة دون وصول المواطنين لحقوقهم .

على سبيل المثال تم إغلاق مخبر للتحاليل الطبية تحت اسم المخبر الأهلي جانب قصر العدل ، وقد حصلنا على حكم ببطلان الأمر العرفي الذي تم إغلاق المخبر بالاستناد إليه ، إلا أننا لم نفلح في تنفيذ هذا القرار منذ أربع سنوات .

5– منع ذوي المعتقل من معرفة مصيره أو التهم الموجهة إليه وعدم إمكان زيارته .

6– تمت مصادرة العديد من دور السكن دون مستند قانوني بحجة الأحكام العرفية .

في عام 1980 صدر مرسوم تشريعي برقم (32) بسط صلاحيات المحاكم الميدانية العسكرية لمحاكمة المدنيين . ومعلوم أن المحاكم الميدانية التي من المفترض أن تكون موجودة في جميع جيوش العالم إنما ينحصر اختصاصها بمحاكمة العسكريين في أثناء الحروب أو الكوارث التي تشارك فيها قطعات من الجيش لأمور تتعلق بهذه الكوارث ، وتجري هذه المحاكم محاكمات سريعة على من يتخلف عن أداء واجبه العسكري أو يفر من الخدمة أو يتصل بالعدو بحيث تجري له محاكمة سريعة كما يجري التنفيذ السريع حرصاً على الحالة التي يكون الجيش فيها .

وفي هذه الحالة تهدر القواعد القانونية العادية وتطبق قواعد خاصة بالعسكريين ، وإن في تشميل المدنيين بمحاكمتهم أمام مثل هذه المحاكم ، إنما هو إهدار لحقوقهم كاملة في أن يحاكموا محاكمة عادلة أمام قضائهم العادي ، وينتظروا أحكاماً يكون حق الدفاع والطعن فيها ضمانة لحقوق المحاكمين .

وعن طريق هذه المحاكم الميدانية تم إعدام آلاف المواطنين في السجون دون أن يتوفر لهم الحد الأدنى من الضمانات في محاكم عادلة .

وبالتالي فإن الممارسات التي تمت بالاستناد إلى هذه المحاكم هي محاكمات باطلة ولا ترتكز على أساس قانوني سليم باعتبار أن هذه المحاكم تنظر في الجرائم الداخلة في اختصاص المحاكم العسكرية والمرتكبة زمن الحرب .

ولقد نصت المادة /2/ من المرسوم التشريعي (109) لعام 1968 والذي أنشئت بموجبه المحاكم الميدانية على ما يلي :

أ- زمن الحرب ، وهو المدة التي يقع فيها اشتباكات مسلحة بين الجمهورية العربية السورية وبين العدو ويحدد بدؤها وانتهاؤها بمرسوم .

ب- العمليات الحربية والأعمال أو الحركات التي يقوم بها الجيش وبعض وحداته في الحرب أو عند وقوع صدام مسلح مع العدو .

وليس عنا ببعيد الاعتقالات التي تمت في العام الماضي والتي تناولت أعضاء في مجلس الشعب وأكاديميين وأعضاء في جمعية حقوق الإنسان لمجرد الرأي وحرية التعبير مما يسلط الضوء على عقلية الأجهزة الأمنية .

تعدد الأجهزة الأمنية وتداخل اختصاصاتها :

1– معلوم أن في سوريا عدد من الأجهزة الأمنية منها شعبة الأمن السياسي وإدارة المخابرات العامة (أمن الدولة) وإدارة المخابرات العسكرية ، ويتفرع عن كل إدارة عدد من الفروع والشعب ، وتتداخل أعمال هذه الفروع مع بعضها بصورة أن كل فرع وكل إدارة تستطيع أن تمارس كل الصلاحيات ، ولكل فرع مكان التوقيف الخاص به وجميع مراكز التوقيف هذه خارج صلاحية القضاء وهي لا تخضع لمراقبة النيابة العامة ، ولا سلطان عليها لأية جهة كانت ، وبالتالي فإن هذه الحالة تجعل من العسير ضبط الانتهاكات لحقوق الإنسان ، ذلك أنه لا يزال لدينا العديد من دور التوقيف ، ولا يزال يمارس حجز الحرية الاعتباطي بحق المواطنين والذين يمضي على وجودهم في هذه المراكز فترات طويلة قد تمتد لسنة دون أن يعرف مصيرهم ولا أن يتمكن ذووهم من زيارتهم ، ولذلك كان لا بد من جعل الاختصاص فيما يتعلق بالأمور الداخلية -سياسية أو حزبية مثلاً- تابعة للإدارة السياسية كما كان العمل عليه سابقاً قبل إحداث الإدارات الأخرى وتنصرف المخابرات العسكرية وفروعها لشؤون الجيش ، بينما تنصرف المخابرات العامة (أمن الدولة) للقضايا الخارجية كالتجسس وسواها .

2– كما هو معروف فإن لدينا مشكلة بعض سكان منطقة الجزيرة من (الأكراد) الذين لا يحملون الجنسية السورية أو أنهم كان لديهم جنسية ثم جردوا منها . إذ لا يجوز أن يحرم أي مواطن سوري من جنسيته سيما وأن معظم هؤلاء مولودون على الأراضي السورية ، وقد اتخذ بحقهم إجراء منذ عام 1962 حرم عليهم الحصول على تذكرة الهوية الرسمية ، وأعطي قسم منهم وثيقة للتنقل داخل القطر ، بينما يحرم العديد منهم من متابعة دراساتهم العليا . إن هذا يعد انتهاكاً صارخاً لحقوق الإنسان ، ولابد من تسوية وضع هؤلاء حتى يكونوا أعضاء فاعلين في مجتمعهم .

3– المهجرون أو الذين اضطرتهم الظروف التي مرت بسورية بين عامي 1980 و1990 إلى مغادرة القطر سواء إلى البلدان العربية أم إلى الغرب وهم في الغالب لا يملكون جوازات سفر ولا وثائق تثبت انتماءهم لسورية ، وهؤلاء مواطنون سوريون وبقاؤهم هكذا يتعارض مع المادة /12/ من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية الذي التزمت به سورية إثر التوقيع عليه .

4 حق العمل : إن المحكومين الذين أفرج عنهم من السجون عقب أحكام لا سند قانوني لها يعانون من مشكلة عدم خلو وثائقهم -سجل عدلي مثلاً- من عبارة غير محكوم ، وإنما يجري مهر جميع وثائقهم بعبارة محكوم ، وهو يشكل عائقاً أمامهم بحيث تضيق فرص العمل أمامهم ، كما أن الموظفين منهم قد تم صرفهم من الخدمة دون تعويض أو راتب تقاعدي ، مما يتعارض مع المادة /41/ من العهد المدني والسياسي .

5 من أبسط الأمور أن يجري تأمين حقوق المواطنين بالسير على أرصفة حماية لحق الحياة ، إلا أننا نجد السيارات تتكدس أمام مبنى الجبهة الوطنية التقدمية مثلاً بحيث تعيق سير المواطن على الرصيف مما يضطره للسير في الطريق العام بين السيارات و يعرضه للخطر على حياته أو جسمه وهو ما يشكل افتئاتاً على حقوق الإنسان ، وإذا سرنا في الطرقات نجد الحفر وفتحات تنظيف المجاري مكشوفة وهذا قد أدى فيما أعلم إلى وفاة عدد من المواطنين نتيجة حوادث السير على هذه الطرقات ، وقديماً قال عمر بن الخطاب : «لو عثرت شاة على شاطئ دجلة لكان عمر مسؤولاً عن ذلك لعدم تعبيده الطريق» فهل أمن المواطن والذي هو مسؤولية الدولة ومن حقه عليها مضمون ؟ .

6– الرقابة على الإنفاق العام : إن الهدر العام والإنفاق غير المسؤول يساهمان مساهمة فعالة في خفض مستوى المعيشة ، فهل تجري فعلاً الرقابة على الإنفاق الحكومي ؟ وهل يجوز أن يتمتع كل مسؤول بعدد لا يحصى من وسائل النقل بينما تتكلف ميزانية الدولة ملياري ليرة سورية لتغطية نفقات المحروقات لهذا (القطيع) من السيارات التي تخدم المسؤولين وأولادهم وخدمهم ؟ ولماذا على المواطن السوري العادي أن يدفع قيمة بنـزين لسيارته بمعدل 10 % من متوسط الدخل ، بينما يدفع المواطن الأمريكي ذو الدخل المرتفع ما يعادل ثلاثة بالألف من دخله !

وأين تذهب أموال دافعي الضرائب وشوارعنا كما هو ظاهر للعيان بالغة السوء ؟ أو ليس من حق المواطن أن يسعى ليعيش حياة أكثر كرامة مما هو فيه ، وعلى الأقل يستطيع أن يؤمن دخلاً معقولاً لأسرته!

فأين حقوق المواطن إذا كانت نسبة 60 % من مجموع الشعب تحت خط الفقر ؟ لقد قال لي بعض أصدقائي ومعارفي أو من يلوذ بي لسبب أو آخر ، هل يوجد لدينا إنسان حتى نفكر بحقوقه ؟ وهلا تلاحظ ممارسة المسؤولين ومحاسبيهم وذراريهم كيف يتصرفون بحق الناس في الشوارع وحتى بحق رجال المرور إذا حاولوا ضبط حركة الشارع ؟ ألا ترى معي هذا الاستكبار الذي يمارسه بعضهم وكيف يتم استعمال النفوذ لإرهاب المواطنين ؟

وبعد ، إنني من موقعي كمحامي سلخ من عمره أكثر من خمسة وأربعين عاماً في العمل القانوني وقاضياً ومحامياً ، ومن موقعي الآن ، رئيساً لجمعية حقوق الإنسان ، ومن المهتمين بهذه الحقوق ، أطالب المسؤولين في الدولة وبخاصة السيد رئيس الجمهورية للعمل على صيانة حقوق الإنسان وضمان حريته وكرامته وتطبيق مبدأ سيادة القانون وتكافؤ الفرص وملاحقة الفساد والفاسدين عسى أن نخطو نحو مستقبل مشرق لأمتنا .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

التقارب التركي السوري.. ومشروع “المصالحة”

الكتلة الوطنية الديموقراطية السورية_ المكتب السياسي| قضيتنا الوطنية ومأساة شعبنا لا تقبل التنازلات والتحاليل أو …