أخبار عاجلة

في ذكرى شاعر الدعوة والبطولة، والفن والطفولة

فداء ياسر الجندي

كاتب وأديب سوري
عرض مقالات الكاتب

في مثل هذه الأيام منذ سبع سنوات، رحل عن دنيانا هذه الشاعر المبدع الفذ، سليم عبد القادر، بعد أن ترك في الشعر بشكل عام، وفي الشعر الإسلامي وشعر والطفولة بشكل خاص، بصمات لا تنسى، من حقه علينا أن نتذكرها ونُـذَكِّـر بها في ذكرى رحيله.

لا تقتصر أهمية شاعرنا المبدع، سليم عبد القادر، رحمه الله تعالى، على جمال شعره وإبداعه وغزارة إنتاجه ورقة كلماته وحسن تعبيره فحسب، أن شعره كان سبباً في نقلة نوعية في تاريخ النشيد الإسلامي. خرجت به من حلقات الذكر وحفلات الموالد، إلى المجتمع بأكمله، ليصبح فناً قائما بذاته، منتشراً في المجتمع كله، له أنصاره وعشاقه ومريدوه في كل شرائح المجتمع.
كانت معظم الأناشيد الإسلامية حتى أوائل السبعينيات من القرن الماضي، لا تتجاوز المدائح النبوية، وليتها كانت تتحدث عن أخلاق سيد الرسل وحكمته وسيرته الشريفة وبطولاته وجهاده، ولكنها كانت في معظمها تقتصر على الحديث عن معجزاته وجماله صلى الله عليه وسلم، عن إيوان كسرى الذي انهدم يوم ولد، وعن العنكبوت الذي حماه في الغار، والغمام الذي كان يظلله إذا سار، وعن جمال وجهه وحسن طلعته وطيب أنفاسه،  وكل ذلك حسن، يحببنا برسول الله صلى الله عليه وسلم، واعتراضنا عليه لسببين: المبالغة التي تخرجه عن مقصده، والاقتصار عليه وحده في كلمات الأناشيد، أما المبالغة فإنك  لو قرأت بعض مدائحه ولم تعرف أنها مدائح نبوية،  لظننت أنها قصائد في الغزل، من مثل النشيد المشهور الذي لا يخلو منه حفل مولد:
الحسن إذا رآك مقبل سجدا
والعين إذا رأتك تخشى الرَّمدا
يا من يداوي يداوي الكبدا

وأما الاقتصار عليه، فقد جعل الإنشاد فناً محصوراً في الموالد والمساجد، حتى من الله علينا بشاعرنا رحمه الله، فأصبح النشيد كما وصفه في شعره:
نشيدنا مشاعل الحياة
نشيدنا مطامح الدعاة
نور رجاء بسمة ضياء
نشيدنا نار على الطغاة
وشتان شتان بين هذا النشيد وذاك، شتان بين نشيد هو مشاعل للحياة ونار على الطغاة، وبين نشيد يمدح الحمام والعنكبوت والغمام، نعم، المسلم هو الفقير الذي يأتي ربه ذا الغنى، كما ينشدون دائماً:
أتيناك بالفقر يا ذا الغنى
وأنت الذي لم تزل محسنا
ولكن المسلم أيضا هو الذي عبر عنه شاعرنا رحمه الله بقوله في نشيد بديع:

أنا الداعي بإيماني
أنا الإسلام رباني
سأعلي رايتي دوماً

وأحمي صفّ إخواني
وفي نشيد آخر:
أنا مسلم لن أستكينا
أبدا ولن أخشى المنونا
وعلى اتباع الحق دوماً

أقسمت لله اليمينا

وهيأ الله منشدا مبدعاً شابا، ذا حنجرة ذهبية، وألحان شجية، هو المنشد الشهير، أبو الجود، منذر السرميني، حفظه الله، تفجرت موهبته الفنية، بالتزامن مع تفجر موهبة سليم الشعرية، فاجتمعت الموهبتان، حتى غدت أناشيدهما على كل لسان، وكنت آنذاك فتى يافعاً، وكنت وأقراني نستمع أناشيده، فنشتعل فخرا بإسلامنا عندما يقول لنا:
كن مسلما وكفاك عند الله فخرا
كن مسلما وكفاك بين الناس ذخرا

فإذا حييتَ ملأت هذي الأرض بشرا
وإذا قضيت عرفت كيف تموت حرا

وزرعت أناشيده في قلوب الشباب المسلم ما لا يمكن أن تزرعه حكم ولا مواعظ ولا دروس، وعلمته أن مكانه ليس في المسجد فحسب، بل في كل مجالات الحياة ومسالكها، وأن الكون كله ينتظر المسلم لينقذه مما حل به من ظلم واضطهاد وضلال، وأن شباب الإسلام في زماننا غرباء، كما وصفهم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، نعم، ولكنهم سر الوجود، ورمز الصمود، وأمل الإنسانية في العودة إلى الله:
غرباء ونحن سر الوجود
ورفيف الشذى وأهل البنود
غرباء ونحن رمز الصمود
وجنود الهدى وحتف الجنود

غرباء وليس بدعاً فهذا
قدر الحر في بلاد العبيد
غرباء والكون يهتز شوقاً
لرؤانا في كل فجر جديد

غرباء وقـد رشـفـنا عُهُوداً

في ظِلال القرآن كأس الخلود

نحـن قـومٌ إذا شدونا نشـيداً

يـمـلأ الزهـرُ مُـقفِراتِ البيد
ومن أجمل وأروع كلمات سليم رحمه الله، والتي لا تفارق ذاكرة جيلنا، ذاك النشيد الذي كنا نسمعه ونردده كلما تسرب الفتور إلينا، وكلما ضاقت بنا الدنيا بسبب الضغوط التي يعاني منها الشاب المسلم على كل الأصعدة، تشيد أبدع كلماته شاعرنا رحمه الله، وأبدع المنشد الفنان محمد أبو راتب في تلحينها وإنشادها، ولا أشك بأن أي قارئ لهذه الكلمات عاصر الشاعر سيعرف أي نشيد أقصد، هو ذاك النشيد الذي مطلعه:
ماضٍ وأعرف ما دربي وما هدفي
والموت يرقص لي في كل منعطفِ

وهو من عيون قصائد سليم رحمه الله تعالى، وفيه أبيات تملأ سامعها حماسة وتوقداً وإصراراً، وهذه بعض جواهر تلك القصيدة:
أنا الحسام بريق الشمس في طرفٍ
مني وشفرة سيفِ الهند في طرفِ


أهفو إلى جنة الفردوس محترقاً
بنار شوقي إلى الأفياء والغرفِ

إني سئمت هوى الدنيا وزهرتَها

وملَّ قلبي ذُرا روضاتها الأنف

وقد بلوت لياليها وأنهُـرها

فتىً وحزت لآليها من الصَّدفِ

فلم أجِد غيرَ درب الله دربَ هدى
وغير ينبوعه نبعاً لـمُـغْـتـَــرِفِ

 
ماضٍ فلو كنت وحدي والدُّنا صرخت
بي قف لَسِــرت ولم أُبطئ ولم أقفِ

وهكذا كسر النشيد الإسلامي القوقعة التي كان حبيساً فيها، داخل حلقات الذكر والموالد، وأصبح فناً جماهيرياً عاماً، يجمع بين الإبداع الفني، والتوجيه الراقي، وكانت أشعار المرحوم سليم، وجهود المنشدين الرواد آنذاك، أبو الجود وأبو راتب وأبو مازن وأبو دجانة، سبباً في تلك النقلة النوعية للنشيد الإسلامي.
 وهناك نقلة نوعية أخرى في النشيد الإسلامي، كان رائدها أيضا شاعرنا الكبير رحمه الله، ولكن في مجال آخر تماماً، وهو أناشيد الأطفال، فقد كان رائدا في هذا الفن بلا منازع، وكان شعر الأطفال الذي كتبه متميزاً عن كل من سبقه في هذا الفن، وكانت قصائده المخصصة للأطفال تجمع بين سهولة الألفاظ وبساطتها، ووضوح المعاني وطرافتها، وهي على وضوحها وطرافتها تزرع في الطفل قيما عليا من حيث لا يشعر، أضف إلى ذلك أوزانها الخفيفة، وموسيقاها الداخلية اللطيفة، والتي كانت تسهل على الملحنين تحويلها إلى أناشيد غاية في الجمال، تسير على السنة الأطفال، فلا عجب إذن أن تحقق تسجيلات الأناشيد التي كتبها سليم رحمه الله أرقاما هائلة من المشاهدات على الشبكة، لا تجاريها أي أناشيد أخرى، للأطفال، ونكتفي بمثال واحد على تلك الأناشيد هنا، وهو واحد من عشرات الأناشيد الرائعة التي تركها شاعرنا، تتجلى فيه كما في غيره من شعره للطفل، ما ذكرناه آنفا من ميزات أناشيد سليم للطفولة، وهو نشيد الشجرة، يقول فيه رحمه الله:
تعالوا والعبــوا حولي      فأنتم هاهنـــا أهلي

وذوقوا الحـلو من ثمري   أو ارتــاحوا إلى ظلي

تعــالوا أيها الأطفال     تعالوا أيها الأبطــال

تعـالوا هاهنا في الحال   فأنتم زيـنة الحقــل

أنا في أرضكم نخــلة      لها ثـمر، لها ظـِـلَّـة

وتعطي خــيرها كله      فهل في أرضـكم مثلي

أعيش العمر في الصحراء        وبين رمالها الســمراء

وأبقى بانتظــار المـاء      من الأمطار والســيل

أذوق الـبرد والحَــرَّا        فأُبـدي فيــهما الصبرا

كما قد عاشـت العمرا  بنات النخل من قبـلي

غصوني تشـــكر الله      على ما كان أهــداها

وزيــنها وخــلّاها          بيوت الطير والنحــل

فمن مزايا هذا النشيد، أن جعل   كلماته على لسان نخلة،  وفي ذلك مراعاة لمزاج لطفولة الذي ينفر من الموعظة المباشرة، ويحب الخيال الجامح والخطاب الطريف، ثم بدأ النشيد بأحب شيء إلى الطفل، وهو اللعب: (تعالوا والعبوا حولي)، ثم بأمر آخر محبب للطفل وهو الثمر الحلو الطيب (وذوقوا الحلو من ثمري)، ثم بأمر ثالث يحبه كل طفل، وهو أن تنعته بالبطولة (تعالوا أيها الأبطال)، وبعد أن يحوز على اهتمام الطفل باللعب والطعام الحلو ونعت البطولة، يبدأ بالحديث عن صفات النخلة الجميلة، ليس عن لونها وشكلها وطولها، ولكن عن كرمها في إعطائها الخير والثمر، وعن شوقها لماء المطر، الذي هو سر حياتها، وعن صبرها وثباتها رغم تناوب الأحوال الجوية عليها على مدار العام، ورضاها بما هي عليه دون سخط، فهذا قدرها وقدر النخل من قبله، وأخيرا يصل لأهم المعاني التي يريد أن يمررها للأطفال، وهو أن هذه النخلة التي لا بد أن الأطفال أحبوها وتعاطفوا معها بعد هذا الكلام جميل عنها، ما كان لها أن تكون لولا فضل الله، فها هي أغصانها تشكر الله  تعالى الذي لولا أنه يرسل لها المطر لما استطاعت الاستمرار في الحياة والعطاء، ولولا أن ثبتها لما صبرت على الأنواء، ولولا أن زينها لما أصبحت بيوتا للطير والنحل ولما أحبها الأطفال.
فلله دره من شاعر، ما هذه القدرة  البيانية والبلاغية والفنية المدهشة، التي استطاع بها  أن يمرر كل هذه المعاني والقيم للأطفال، بهذه السلاسة والبساطة والإيجاز والجمال، وبكلمات رشيقة، ووزن شعري غنائي مجزوء قصير لطيف الإيقاع، يجعل الكلمات سهلة الحفظ على الطفل، وطيِّعة في التلحين ليخرج منها أنشودة لطيفة، إن أنشدها الطفل يستمتع بكلماتها وأنغامها، وتزرع فيه دون أن يشعر قيمها ومعانيها، وهذا دأبه وأسلوبه في عشرات الأناشيد التي صدحت بها حناجر الأطفال.
هكذا فليكن شعر الطفولة وإلا فلا.

وأخيراً، لا تنقضي الدهشة من موهبة شاعرنا رحمه الله، وإن الإنسان ليعجب أشد العجب، من أن كاتب الكلمات التي  تثير حماسة الشاب المسلم وتلامس وجدانه وتنير فكره، وتنطلق به إلى آفاق من الفخر والاعتزاز بدينه، والرغبة في نصرته والجهاد في سبيله، هو الكاتب نفسه الذي يخاطب الطفل الصغير على قدر فهمه، بلغة يفهمها ويدركها، وكلمات يحبها وينشدها، فيمنحه  فنا يمتعه ويسليه ويطربه، يزرع فيه من حيث لا يشعر ما شاء من المعاني والقيم السامية، بطريقة جذابة مدهشة لطيفة، ويسحبه برفق إلى صراط الله تعالى وقيم دين الإسلام العظيم.
رحم الله شاعرنا الكبير سليم عبد القادر، هو حقاً شاعر الدعوة والبطولة، وشاعر الفن  والطفولة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

يا دير …

فاضل سفان شاعر وأديب سوري كلُّ الزهورِ ستذبلُو زهورُ أرضكِ تخضَلُو لك المواسمُ …