أخبار عاجلة
الرئيسية / ثقافة وأدب / الشعر والشعراء والأوبئة (الكوليرا)

الشعر والشعراء والأوبئة (الكوليرا)

نعيم مصطفى

مدير التحرير
عرض مقالات الكاتب

عرف الأديب والشاعر السعودي عبدالله إدريس الشعر قائلاً:

ليس الشعر إلا وليد الشعور، والشعور تأثر وانفعال، رؤى وأحاسيس، عاطفة ووجدان، صور وتعبيرات، ألفاظ تكسو التعبير رونقاً خاصاً ونغماً موسيقياً ملائماً، إنه سطور لامعة في غياهب العقل الباطن تمدّها بذلك اللمعان ومضات الذهن وإدراك العقل الواعي.

ويُعزى سبب تسمية الشاعر بهذا الاسم؛ لفطنته، وذكائه، ودقة ملاحظته.

أما وظيفة الشعر كما يراها شيلي (1792 –1822) فهو آلية للتغيير الثقافي وللتأثير في القيم والمعايير الاجتماعية.

وذهب الشاعر الإنجليزي/تي إس إليوت/ ( 1888 – 1965) إلى أن وظيفة الشعر تختلف باختلاف العصر.

أما الشاعر أمل دنقل فيقول بهذا الصدد: إن الشعر في جوهره هو إعادة اكتشاف للعالم المحيط بك، ثم إعادة بنائه كما يجب أن يكون.

لم يغب الشاعر عبر العصور عن الأحداث الجسام التي نزلت في عصره، أو ربما خارج عصره، وكان يؤرخ لتلك النوازل بطريقته الخاصة المتباينة عن المؤرخين، فهو يضفي للحدث من روحه الشاعرية زخماً من المشاعر العاطفية الجياشة بالمبالغة تارة، وبالتهويل حيناً، وبالتقزيم طوراً، حسب ما يستحق الأمر في عينه.

وقد كان الشعر مرآة عاكسة ولكنها ليست دقيقة وأمينة وإنما يمكن أن تكون محدبة مرة، ومقعرة مرة أخرى، ونادراً ما تكون مستوية.

وقد خلّد لنا الشعراء كثيراً من المعارك والغزوات والملاحم في دواوينهم إضافة إلى تخليدهم للأوبئة والأمراض القاتلة التي اجتاحت الأمم في عصرهم، ومن تلك الأمراض الخطيرة التي حصدت ملايين الأرواح عبر العصور الفارطة: الطاعون والكوليرا والأنفلونزا الإسبانية وأنفلونزا الطيور….

وبما أننا نعيش الآن تحت ضربات جائحة لا تقل عن سابقاتها إن لم نقل تبزهم، فلا بأس أن نستحضر بعض القصائد التي صورت لوحات من الأحزان والمآسي التي خلفتها تلك الأوبئة، لتكون عزاء لنا ومواساة.

وقد لفت انتباهي قصيدتين متميزيتين ومؤثرتين تدغدغان المشاعر وتؤججان الحزن والألم بين جوانح الإنسان، قد خلدتا أهوال الكوليرا التي اجتاحت مصر في حقبة من الحقب وهما قصيدتا (الوباء) للشاعر علي الجارم، و(الكوليرا) للشاعرة نازك الملائكة.

ففي عام خمسة وتسعين وثمانمئة وألف(1895) انتشر وباء الهيضة المعدية (الكوليرا) برشيد، البلد الذي يقطنه الشاعر علي الجارم، وقد حصد هذا الوباء الخطير آلاف الأرواح آنذاك، فراع الشاعر ما رأى، وأثار عاطفته فنظم هذه القصيدة تحت عنوان ” وباء “:

أَيُّ هَذَا (المِكْرُوبُ) مَهْلًا قَليلًا

قَدْ تَجَاوَزْتَ في سُراكَ السبِيلَا!

لَسْتَ كَالْوَاوِ، أنتَ كَالْمِنْجَلِ الْحَصَّا دِ

إنْ أحْسَنُوا لَكَ التمْثِيلَا

ما غَلَبْتَ النفُوسَ باِلْعَزْمِ لَكِنْ

هَكَذَا يغْلِبُ الْكَثِيرُ الْقَلِيلَا

أنْتَ في الْهِنْدِ في مَكَانٍ خَصِيبٍ

فَلِمَاذَا رَضِيتَ هذا الْمُحُولَا؟

أَنْتَ كَالشيْبِ إن دَهِمْتَ ابْنَ أُنْثَى

لم تُزَايِلْ جَنْبَيْهِ حَتَّى يَزُولَا

حارَ «بنشنج» فِيكَ يَا ابْنَ شَعُوبٍ

ونَقَضْتَ الْمُجَرَّبَ الْمَعْقُولَا

عَقَدَ الأمْرَ فابْتَكَرْتَ لَهُ الْحَلـ

ـلَ، وما كانَ عَقْدُهُ مَحْلُولَا

قَامَ يَغْزُوكَ بَيْنَ جَيْشِ الْقَوَا

رِيرِ فَوَلَّى بِجَيْشِهِ مَخْذُولا

وَتَرَكْتَ الْحُمُوضَ تَجْرَعُها الْأَرْ

ضُ، وجَرَّعْتَنَا الْعَذَابَ الْوَبِيلَا

«وبموشَى» أرَادَ حَصْرَكَ بِالْجُنـ

ـدِ، وَهَلْ تَحْصُرُ الْجُنُودُ السيُولَا؟

يَا ثَقِيلَ الظِّلال آذَيْتَ بِالْمَا

لِ وَبالنَّفْسِ فَالرحِيلَ الرَحيلَا

مَنْ يبِتْ عِنْدَهُ الْهِزَبْرُ نَزِيلًا

كانَ مِنْ قَبْلِ زادِهِ مَأْكُولَا!

رُبَّ طفلٍ تركتَ مِنْ غَيْرِ ثَدْيٍ

يَضْرِبُ الأَرْضَ ضَجَّةً وعَوِيلَا!

وَفَتاةٍ طَرَقْتَها لَيْلة العُرْ

سِ وَقَبْلَ الْحَلِيلِ كُنْتَ الْحَلِيلَا

كَحَّلُوا جَفْنَها فَكَحَّلْتَ فِيها

كُلَّ جَفْنٍ أَسًى وَسُهْدًا طَوِيلَا

خضَّبَتْها يَدُ الْمَوَاشِطِ صُبْحًا

فَمَحاهُ الْمُطَهِّرُونَ أَصِيلَا

ما رَحمتَ الْعُيُونَ تِلْكَ اللَّوَاتِي

تَرَكَتْ كلَّ عاشِقٍ مَذْهُولا

لَوْ رَآها جِبْرِيلُ — أسْتَغْفِرُ اللهَ

— لأَلْهَتْ عَنْ وَحْيِهِ جِبْرِيلَ

يَا قَتِيلَ (الْفِينيكِ) يَكْفِيكَ قَتْلا

كَ فَأَغْمِدْ حُسامَكَ الْمَسْلُولا!

إنَّ في مِصْرَ غَيْرَ مَوْتِكَ مَوْتًا

تَرَكَ الْأَرْوَعَ الْأَعَزَّ ذَلِيلَا

فَارْتَحِل بَارِدَ الْفُؤَادِ قَريرًا

مرْوِيًا مِنْ دَمِ الْعِبَادِ الْغَلِيلَا

وفي عام سبعة وأربعين وتسعمئة وألف(1947) كتبت الشاعرة العراقية نازك الملائكة قصيدتها الشهيرة (الكوليرا) التي صورت فيها مشاعرها وأحاسيسها نحو مصر حين داهمها وباء الكوليرا، وحاولت التعبير عن وقع أرجل الخيل التي تجر عربات الموتى من ضحايا المرض في الريف المصري.

ووصفت حجم المأساة و المعاناة من خلال رؤيتها لهذا العالم الذي أصيب بكارثة، وخيم عليه هذا الحزن الشديد فتنطلق مع الليل، والموت، والأشلاء

و السكن و الظلمات:

سكَن الليلُ
أصغِ إلى وَقْع صَدَى الأنَّاتْ
في عُمْق الظلمةِ, تحتَ الصمتِ, على الأمواتْ
صَرخَاتٌ تعلو, تضطربُ
حزنٌ يتدفقُ, يلتهبُ
يتعثَّر فيه صَدى الآهاتْ
في كل فؤادٍ غليانُ
في الكوخِ الساكنِ أحزانُ
في كل مكانٍ روحٌ تصرخُ في الظُلُماتْ
في كلِّ مكانٍ يبكي صوتْ
هذا ما قد مَزّقَهُ الموتْ
الموتُ الموتُ الموتْ
يا حُزْنَ النيلِ الصارخِ مما فعلَ الموتْ
طَلَع الفجرُ
أصغِ إلى وَقْع خُطَى الماشينْ
في صمتِ الفجْر, أصِخْ, انظُرْ ركبَ الباكين
عشرةُ أمواتٍ, عشرونا
لا تُحْصِ أصِخْ للباكينا
اسمعْ صوتَ الطِّفْل المسكين
مَوْتَى, مَوْتَى, ضاعَ العددُ
مَوْتَى, موتَى, لم يَبْقَ غَدُ
في كلِّ مكانٍ جَسَدٌ يندُبُه محزونْ
لا لحظَةَ إخلادٍ لا صَمْتْ
هذا ما فعلتْ كفُّ الموتْ
الموتُ الموتُ الموتْ
تشكو البشريّةُ تشكو ما يرتكبُ الموتْ
الكوليرا
في كَهْفِ الرُّعْب مع الأشلاءْ
في صمْت الأبدِ القاسي حيثُ الموتُ دواءْ
استيقظَ داءُ الكوليرا
حقْدًا يتدفّقُ موْتورا
هبطَ الوادي المرِحَ الوُضّاءْ
يصرخُ مضطربًا مجنونا
لا يسمَعُ صوتَ الباكينا
في كلِّ مكانٍ خلَّفَ مخلبُهُ أصداءْ
في كوخ الفلاّحة في البيتْ
لا شيءَ سوى صرَخات الموتْ
الموتُ الموتُ الموتْ
في شخص الكوليرا القاسي ينتقمُ الموتْ
الصمتُ مريرْ
لا شيءَ سوى رجْعِ التكبيرْ
حتّى حَفّارُ القبر ثَوَى لم يبقَ نَصِيرْ
الجامعُ ماتَ مؤذّنُهُ
الميّتُ من سيؤبّنُهُ
لم يبقَ سوى نوْحٍ وزفيرْ
الطفلُ بلا أمٍّ وأبِ
يبكي من قلبٍ ملتهِبِ
وغدًا لا شكَّ سيلقفُهُ الداءُ الشرّيرْ
يا شبَحَ الهيْضة ما أبقيتْ
لا شيءَ سوى أحزانِ الموتْ
الموتُ, الموتُ, الموتْ
يا مصرُ شعوري مزَّقَهُ ما فعلَ الموتْ.

 ومن خلال ما تقدم يتبين لنا أن الجوائح الفتاكة لم تقتصر على عصرنا فحسب، وإنما قد تجرع غصصها من قبلنا الآلاف بل الملايين وهي سنن كونية يمكن أن تتكرر عبر الزمن ولا حيلة للإنسان أمام هذه الكوارث إلا الصبر والدعاء والاحتساب، وتخليد تلك الأحداث بفنون الأدب المختلفة، شعرًا أورواية،…أو أي جنس من الأجناس الأدبية حتى تكون عبرة وعزاء وسلوة.     

  هوامش

  • يشير إلى شبه المكروب: بحرف «الواو.
  •  خصيب: صفة من الخصب وهو النماء والبركة، والخصب أيضًا ضد الجدب. المحول: الجدب.

 دهمت: غشيت وفاجأت. تزايل: تفارق. يزول: يذهب ويهلك.

 -حار: تحير في أمرك. بنشنج: اسم لمدير الصحة بمصر في ذلك الزمن، شعوب: اسم للمنية وهو الموت، وكنى هذا المكروب بابن شعوب لشدة فتكه بالناس، نقضت: هدمت وأبطلت.

 -الحموض: جمع حمض، والمراد به هنا العقاقير التي كانت قد أعدت للقضاء على هذه الجراثيم. تجرعها: تبتلعها، وذلك أنهم إذا أرادوا تطهير بيت مثلًا صبوا العقاقير على أرضه وجدرانه.

-جرعتنا: سقيتنا.

-الوبيل: الوخيم الثقيل.

 -«موشى»: بلدة من أعمال أسيوط ظهر فيها هذا الوباء أول ما ظهر.

 -الهزبر: الأسد القوي. النزيل: الضيف. الزاد: طعام يتخذ للسفر.

– طرقتها: نزلت بدارها، الحليل: الزوج.

 خضبت اليد خضبًا من باب ضرب بالخضاب وهو الحناء ونحوه. والمواشط جمع ماشطة وهي التي تحسن تطرية العروس وتجميلها ومشط شعرها أي تسريحه.

 -جبريل: ملك الوحي. ألهاه: شغله.

  •  «الفينيك» كلمة أعجمية تطلق على بعض السوائل المطهرة القاتلة لجراثيم الأرض، وأغمدت السيف إغمادًا جعلته في غمده. الحسام: السيف القاطع. المسلول: المنتزع من غمده.

 الأروع: من يعجبك بشجاعته. الأعز: اسم تفضيل من العز وهو ضد الذل. وفي هذا البيت إشارة إلى المستعمر الإنجليزي الذي كان يحتل مصر في ذلك الوقت.

 بارد الفؤاد: ريان القلب. قرير: مسرو. الغليل: حرارة العطش.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

سيرة الأميرة ذات الهمة،الحلم والرسالة..

زهير سالم مدير مركز الشرق العربي سيرة الأميرة ذات الهمة …الحلم والرسالةالسيرة …