مقالات

أوروبا ومذابح القرن العشرين.. الأرمن والاتحاديون (5)

معاذ السرّاج

باحث في تاريخ سورية المعاصر وشؤون الحركات الإسلامية
عرض مقالات الكاتب

ثمة ملاحظات أساسية يجدر التوقف عندها في محاولتنا لقراءة المسألة الأرمنية. منها على سبيل المثال, نسبتها إلى الدولة العثمانية, التي وإن بقيت موجودة بالاسم, إلا أنها انتهت فعليا مع انقلاب الاتحاديين على السلطان عبد الحميد عام 1909, فالمسألة أساسا هي بين الاتحاديين والأرمن على وجه التحديد, وقد كانا شريكين حميمين إلى أيام قريبة وليس سنوات. وقد بقيت هذه العلاقة موجودة, بل وقوية بين عامي 1908 و1914, على الرغم مما شابها من توتر وتشكك من الطرفين.

والأمر الثالث والأهم وهو اقتطاع “المسألة الأرمنية” من سياق تاريخي طويل في العلاقات بين المسيحيين والمسلمين في الدولة العثمانية, بل وفي التاريخ الإسلامي برمته, ومن تاريخ علاقة الأرمن بالعثمانيين تحديدا, والذي سبق الحديث عنه في الورقة الأولى من هذه السلسلة, الأمر الذي يدخل في باب التوظيف السياسي, ويخرج المسألة عن سياقها الإنساني والأخلاقي, ولا ينتج عنه في النهاية إلا المزيد من التوتر والفتنة, وترسيخ التنافر والقطيعة بين الشعوب.

في المحصلة, وأيا كانت حقيقة المسألة الأرمنية, وتفاصيلها وملابساتها, فإن من الحكمة والإنصاف والموضوعية, وأن توضع في إطارها الواقعي, وسياقها التاريخي والإنساني, دون توظيف أو تجيير..

ولعل الوقائع وروايات شهود العيان, التي أفادت بأن الأرمن الذين تعرضوا للترحيل والمعاناة, وجدوا ملاذا آمنا, لدى العشائر وأهالي المدن والأرياف التي وصلوا إليها, في الجزيرة الفراتية ودير الزور وحلب ودمشق وحتى درعا في أقصى الجنوب تشير إلى جانب مهم في المسألة, يجري إغفاله والتغاضي عنه. فقد استقبل الأرمن في تلك البلاد, ووفر لهم أهلها الحماية والمعيشة الكريمة ووطدوا العلاقات معهم بالعلاقات الإنسانية, وحسن الجوار, والمصاهرة والعمل, ولازال كثير منهم يتواجدون بين ظهراني هذه المجتمعات, ويعيشون أوضاعا جيدة في الغالب.

  • لمحة تاريخية موجزة:

وبالعودة إلى علاقة الأرمن بالاتحاديين, فسنرى أن حركة 23 يوليو 1908 التي قامت بها جمعية الاتحاد والترقي (تركيا الفتاة), أعادت العمل بدستور 1876, الذي أتاح للبرلمان العثماني الانعقاد مجددا, ووفر منبرا لكافة القوميات: تركية وعربية وألبانية ويونانية وأرمنية وسلافية ويهودية أن تُسمع صوتها وتقول كلمتها. لكن هذه الخطوة التي كان الاتحاديون يرون أنها ستنزع فتيل التوترات القومية, كانت في الواقع نقمة, إذ إنها وعلى العكس من ذلك شجعت أكثر فأكثر, النزعات العرقية والإثنية, وسمحت للأقليات أن تطور مواقف أكثر تطرفا تجاه الحكم الذاتي والانفصال.. وسرعان ما بدأت تداعيات هذه الحركة تتوالى دون إبطاء..

وخلال يومي 5 و 6 أكتوبر 1908, أعلنت بلغاريا استقلالها عن الدولة العثمانية, وأعلنت النمسا ضم البوسنة والهرسك, لتفقد السلطنة أقاليم أوروبية مهمة, خلال ثلاثة شهور فقط, وليقع الاتحاديون الذين وصل زعماؤهم إلى الحكم بهدف إنقاذ الإمبراطورية وحمايتها, في أول أزمة كبيرة, شجعت العناصر المحافظة على القيام بثورة مضادة في أبريل 1909, لكن الجيش نجح في سحق تلك الثورة, وعزل السلطان عبد الحميد ومعه شيخ الإسلام الذي يمثل أعلى سلطة دينية في السلطنة.. وهكذا ينجح الاتحاديون في السيطرة على الحكم ودون منازع, لكن هذا الأمر سيرتب عليهم مواجهة الكثير من المشكلات التي ستتفجر تباعا..

فبعد تخليهم عن الأيديولوجية العثمانية تجاه المذاهب والقوميات, فقد توجب على الاتحاديين البحث عن هوية جامعة, وبنية جديدة ومتجانسة للدولة التركية, المتعددة المذاهب والأعراق. ولن يكون الأمر سهلا, بل ممكنا, في واقع مضطرب, ونزعات قومية متصاعدة, تحرضها وتدعمها قوى أوربية متربصة, متشجعة بما فعلته النمسا وبلغاريا, مما سيشجع على المزيد من التمردات, وسيؤدي إلى نشوب أزمة دولية, ويعيد فتح ملف المسألة الشرقية مجددا.

الاقتصاد, مشكلة كبرى, سيتوجب على الاتحاديين مواجهتها, في ظل حروب وثورات متواصلة, وفي ظل فقدان الكثير من الموارد بعد خسارة أكثر أقاليم البلقان, وبالعكس, فستتحول معظم الموارد الاقتصادية إلى أيدي الخصوم الأوربيين, وحلفائهم في الداخل التركي..

هذه المقدمة المقتضبة, ضرورية لفهم طبيعة العلاقة بين الاتحاديين والأرمن, والأقليات بصورة أعم.

  • الأرمن والاتحاديون:

الواقع أن الاتحاديين والأرمن, ورغم اختلافهم العقائدي واختلاف أهدافهم البعيدة, كانوا قد توصلوا إلى تفاهم فيما يخص السلطان العثماني, “العدو المشترك”. ونجحوا تحقيق أحد أهدافهم عام  1908عندما اضطروا السلطان عبد الحميد على إعادة العمل بدستور 1876 (أو ما يعرف بالمشروطية) والمعلق منذ ذلك الحين. وبعد عام واحد, نجحوا في إجبار عبد الحميد على التنازل عن العرش عام 1909, وترحيله إلى منفاه في (سالونيكا).

أما الأرمن, الذين كانوا يحظون بوضع اجتماعي وسياسي جيد, وخاصة في العاصمة استانبول, فقد استفادوا من الأوضاع الجديدة، في تحسين ظروفهم أكثر, وتجاوز العقبات التي ظهرت في طريقهم أيام السلطان عبد الحميد. وبعد عزل عبد الحميد, ظل البطريرك الأرمني في الأستانة, وحزب الطاشناق على علاقة جيدة بحكومة الاتحاديين, التي اختارت “كبرييل نورادونجيان – الفقيه الأرمني في القانون الدولي العام ومستشار الباب العالي- وزير للخارجية بين عامي 1912- 1913.. وظلت المنظمات الأرمنية وفي مقدمتها الطاشناق, تعمل بحرية في استانبول والمناطق الشرقية من الامبراطورية, حتى عشية دخولها الحرب الأولى في آخر تشرين أول  1914.

وقد أنعشت التطورات الأخيرة طموحات الأرمن السياسية أكثر فأكثر, وعملوا على تكثيف اتصالاتهم بالأوربيين, وتوظيف علاقاتهم السياسية والمالية, في الضغط على حكومة شركائهم الاتحاديين من أجل المزيد من المكاسب أو الإصلاحات, والتي كان من بينها حل القوات الحميدية, تعويضات مالية..  لكن أكثرها أهمية, كانت المطالبة بإعطاء الأرمن في غربي الأناضول وضعا خاصا, تحت إشراف أوربي, في وقت كانت فيه تلك المنطقة, تشهد توافدا كبيرا لمئات الآلاف من اللاجئين, النازحين من ويلات حروب البلقان, والذين سيكون لقدومهم تأثير واضح في التوازن السكاني, بحسب وجهة نظر الأرمن, مع أنهم بالأساس من أهل هذه البلاد ومواطنيها الطبيعيين, بغض النظر عن الظروف التي أرغمتهم على هذا النزوح.

وتؤكد المصادر الأرمنية, أن بوغوص نوبار باشا, زعيم أرمن المهجر, كُلّف وبدعم من الزعماء الدينيين, بالاتصال بساسة الدول الأوربية “ليبين لهم وجهة نظر الأرمن في تنفيذ الإصلاحات ومطلبهم بأن تكون روسيا هي المشرفة عليها, الأمر الذي أتاح للروس فرصة “تزعم المطالبة الدولية بتنفيذ هذه الإصلاحات”..

لكن هذا الأمر سيواجه معارضة من بعض الأطراف الأوربية نفسها, كألمانيا والنمسا, اللتين خشيتا من تنامي نفوذ الروس على مقربة من حدودهم الشرقية, في حال تلبية مطالب الأرمن..

ومع هذا فقد مضى الأرمن في مطالبهم تلك, وتوسعوا فيها أكثر, لتشمل المطالبة بضم سبع ولايات فيها تواجد أرمني, إلى خطة الإصلاح, وهي: طرابزون وأرضروم وسيواس وفان وبيتليس وخربوط وديار بكر, وتنص الخطة على تقسيمها إلى إقليمين إداريين يتمتعان بحكم ذاتي محلي واسع النطاق, تحت حماية  الدول الأوربية, وبإشراف مفتشَين أوربيين (محايدين).

وفي 8 شباط 1914, وافقت الدول الكبرى على المشروع, واختير ويستنيك الهولندي وهوف النرويجي, مفتشَين عامين للإقليمين المقترحين.

وهكذا فقد أثمرت جهود تدويل المسألة الأرمنية التي بدأت في برلين, منذ 1778, عن هذا المشروع الخطير, الذي رأى فيه قادة الاتحاديين تهديدا مباشرا لمستقبل الدولة التي جاؤوا – بزعمهم – لحمايتها من التفكك والانقسام, وبات في حكم المؤكد, أن حكما ذاتيا تدريجيا كما يخطط له الأرمن والأوربيون, سيفضي حتما, إلى استقلال نهائي على نحو ما حدث في البلقان, الأمر الذي سيحصر الأتراك أنفسهم في أضيق الزوايا, وسيكون مصيرهم من الآن فصاعدا في مهب الريح.

  • الحرب العالمية الأولى والمواقف الفاصلة:

كل الأحداث المتلاحقة, كانت تدفع بالاتحاديين ليدركوا حجم المخاطر التي تحيط بهم, وأن استراتيجيتهم برمتها مهددة بالفشل. وإذا كانت مغازلة الاتحاديين للفئات التي انضمت لمشروعهم, من القوميين العرب, وقوميي البلقان والمجموعات المسيحية (وفي مقدمتهم الأرمن), قد أفلحت في توحيد جهود هؤلاء جميعا في إقصاء السلطان عبد الحميد, وإنهاء الخلافة, والوصول إلى السلطة, لكنها فشلت فشلا ذريعا في احتواء النزعات القومية الانفصالية, وسرعان ما انقلب شركاء الأمس إلى خصوم ألداء, وبات مصير الدولة على شفير الهاوية.

وقد تبين للاتحاديين بكل وضوح, أن شعارات “الإخاء القومي” بين جماعات الدولة, والتي طالما نادوا بها بحماسة طيلة نصف قرن مضى, ودافع عنها المثقفون العثمانيون, عربا وأتراكا ومسيحيين وأكرادا, لم تكن البديل الصالح لقيم التعايش العثماني, وأنها في الحقيقة لم تكن سوى عقيدة فارغة, وشعارات رنانة بلا مضمون حقيقي, ولا رؤية جامعة.

وفوق هذا فإن الحرب العالمية الأولى, التي جاءت على عجل, لتزيد الأمور تعقيدا على تعقيد, وبمقدار ما مثل قرار الاتحاديين بدخولها, ورطة استراتيجية قاتلة, لم تقض على طموحاتهم السياسية فحسب, بل قضت على الدولة برمتها, بمقدار ما وضعت هذه الحرب نهاية مأساوية للطموحات اللامحدودة لحلفاء الأمس, وخصوم اليوم, بأجمعهم, ولم ينج منهم أحد في نهاية المطاف..

لقد جاءت نتائج الحرب العالمية الأولي بما لا يشتهيه أحد, عربا وأتراكا وأرمن وعربا وأكرادا وغيرهم, وانقلبت حساباتهم الجميع رأسا على عقب. وبناء على هذه النتائج ستذهب أدراج الرياح تلك الطموحات التي طالما راودت المجموعات القومية كلها, ودفعتها إلى تغيير ولاءاتها, والتحالف مع هذه الجهة وتلك, على حساب الوطن المشترك, لتستفيق في النهاية على خيارات بعضها أسوأ من بعض, وواقع لم تضعه في حسبانها..

لاشك أن نشوب الحرب العالمية الأولى, وضع الجميع أمام مواقف فاصلة لا مناص من اختيار أحدها, وكما كان على الأرمن والعرب والأقوام الأخرى أن يحددوا طرف الصراع الذي  سيقفون إلى جانبه.. وهل ستذهب جهودهم لصالح الدولة التي ينتمون إليها, أم لصالح أعدائها والمتربصين بها.. فق كان على الأتراك الاتحاديين (الطورانيين) أن يختاروا بين الوقوف على الحياد, (وهو الموقف الذي كان سيتخذه عبد الحميد, وطالما كان يخطط له, وينتظر لحظته بفارغ الصبر, كما صرح بنفسه, وهو تيقن منه الاتحاديون لاحقا), أم ينقذون أنفسهم وطموحاتهم, وينضمون إلى ألمانيا, التي بدا وكأنها باتت تحقق الانتصارات في بدايات الحرب, وتضغط على الأتراك, وتغريهم بمكاسب الحرب, لتستفيد من إمكاناتهم وموقعهم الاستراتيجي وهيمنتهم على المضائق.

وفي هذا السياق جاءت محاولات الاتحاديين استمالة الأرمن والحصول على وعود من قادتهم بمساعدتهم, في حال قرروا دخول الحرب, بما في ذلك تحريض أرمن القوقاز ضد روسية, مقابل وعود بدعم فكرة إقامة دولة أرمنية في القوقاز, وعلى الأراضي الأرمنية التي تهيمن عليها روسية.

يحاجج الأرمن بأنهم قرروا أن يأخذوا موقف الحياد, وأن هذا ما تعهد به رجال الدين الأرمن, وقادة الطاشناق, وصرحوا به في المؤتمر الثامن لحزب الطاشناق الذي كان ينعقد رسميا في أرضروم بين يومي2-14 أغسطس 1914, وأنهم دعوا رعاياهم في سبيل ذلك للاستجابة لأوامر الأتراك بالتعبئة استعدادا للحرب.

إلا أن الشكوك ظلت تراود الاتحاديين حول مواقف الأرمن, تعززها العديد من المؤشرات المهمة.. من بينها حالات الفرار المتكررة من الثكنات العثمانية, ومشاعر العداء التي كانت تُطلق علانية من غالبية الأرمن, وتُصرح بتمني انتصار روسيا وغير ذلك.. لكن الخسارة الفادحة للأتراك في معركة “صاري قاميش”, في 24 كانون الأول 1914, بعد أسابيع من دخولهم الحرب, والتمرد الأرمني في إقليم وان, الذي جاء بعد أشهر قليلة, في 15 نيسان 1915, سيؤكد الشكوك لدى التراك الاتحاديين بشكل قطعي لا يقبل الجدل, وسيكون نقطة التحول النهائي, أو اللارجعة, في علاقتهم بالأرمن.

في معركة “صاري قاميش”, حاول أنور باشا, وزير الحرب في الحكومة الاتحادية, استعادة الأراضي العثمانية التي أخذها الروس في حرب عامي (1877-1878), باطوم، وقارص، وصاري قامش، وأردهان, مستغلا اندحار الروس لأول وهلة, ورغم أن خطة أنور باشا قد نجحت في البداية, إلا أنها انطوت على مخاطرة كبيرة, فقد افتقرت قواته إلى التجهيزات المناسبة لمواجهة شتاء قارس ودرجات حرارة بلغت معدلاتها عشرين درجة مئوية تحت الصفر، أدت في النهاية إلى هزيمة ساحقة للجيش التركي, مُني خلالها  الجيش الثالث, بحسب الإحصاء الرسمي التركي بنحو 43 الف قتيل, و 10 الاف جريح, و7 الاف أسير. ودمرت معظم قواته.. وفي ظل التوتر والاحتقان, وأجواء الحرب القاسية, كان أمرا متوقعا, أن يلقي أنور باشا باللوم على الأرمن, في تلك الهزيمة الساحقة.

أما ثورة الأرمن في مدينة وان (15 نيسان 1915), مهدت السبيل أمام الجيش الروسي لكي يجتاح المنطقة ويدخل مدينة وان, مما سيزيد من حنق القادة الأتراك أكثر فأكثر, خاصة في ضوء المعلومات المتضافرة عن المذابح والانتهاكات التي حصلت أثناء ذلك. ويقول الأتراك أن لديهم وثائق تؤكد أن الاضطرابات التي حصلت داخل مدينة وان, في منتصف نيسان 1915, كان مخططا لها بالتنسيق مع الروس, وأن “تسليح الثوار الأرمن وحفر الأنفاق تحت أسوار المدينة, وبين البيوت يشهد بأن التحضير لهذا الصراع جرى قبل مدة طويلة”..

 في الوقت نفسه, كان أرمن القوقاز ينخرطون في صفوف الجيش الروسي, ويشكلون مجموعات تقاتل إلى جانبه, وبحسب المصادر الأرمنية نفسها, فقد بلغت تقديراتهم نحو مائة وعشرين ألفا, وكانوا يُرسلون إلى الجبهة الشرقية (أي جبهة الدولة العثمانية), لمساعدة القوات الروسية وإرشادها عبر الجبال الأرمنية في جبهة القوقاز, وهو الأمر الذي لم يقم به أرمن تركيا تجاه قوات بلادهم. بل إن الأتراك يؤكدون أن مجموعات أرمنية تشكلت في تركيا, كانت تساعد الروس في الخطوط الخلفية للعثمانيين, وأن الروس كانوا يسلحون الأرمن في الولايات الشرقية سعيا للقيام بثورة عامة.

وأيا كان, فإن حقيقة التمرد المسلح في إقليم (فان), تُعد النقطة الحاسمة في الجدال الدائر حول المسألة الأرمنية, كما أكدت الأحداث التالية.

في الثاني من أيار اقترح أنور باشا نقل السكان الأرمن ممن تبقوا في المدينة (وان) والقرى المحيطة إلى القوقاز الذي فر سكانه المسلمون المطرودون بالقوة كذلك, أو إلى أجزاء أخرى من الأناضول. خيار القوقاز لم يكن ممكنا لأن الطريق إليها كان ساحة حرب.. فكان الاتجاه الآخر حتميا..

في منتصف أيار 1915, ستأمر الحكومة العثمانية ب “ترحيل” الأرمن الموجودين في ولايات الشرق, مثلما فعل الروس بالفعل على الجانب الآخر من الحدود. ومن حيث المبدأ, يقول الأتراك, فإن المسألة كانت إخلاء لمناطق القتال, وذلك سعيا في آن واحد, إلى “تأمين” السكان المدنيين, وحماية القوات المسلحة من خيانة محتملة, من جانب العناصر الممالئة لروسيا.

على أن مسألة الترحيل هذه ستتسع لتشمل أرمن كيليكيا, وأرمن الأناضول الغربية, وستحدث أعمال سلب ونهب وإغارات, تلحق بقوافل المرحلين باتجاه سوريا وبلاد الرافدين. وتتعدد الروايات حول مأساة الترحيل هذه, وتفاصيلها ومجرياتها, وتتضارب الأرقام حول أعداد الضحايا, الذين قضوا في تلك الأحداث, وأعداد الذين وصلوا إلى وجهاتهم, وتتداخل فيها الحقائق والمبالغات كما سنرى لاحقا.

يحشد الأرمن شهاداتهم ومؤلفاتهم التاريخية, حول فكرة مؤداها أنهم تعرضوا لحرب إبادة كاملة ومقصودة, من قبل الاتحاديين الأتراك, الممسكين بزمام السلطة في استانبول, جرى التخطيط لها بشكل منهجي, بهدف إقامة دولة طورانية عظمى, خالية من اية أعراق أخرى. وتدعم الدول الأوربية الحليفة هذه الفكرة, وتروج لها. 

أما ردود الأتراك فتذهب إلى أن الحكومة في استانبول لم تسع قط إلى إبادة الأرمن, وأنها وجدت نفسها ببساطة, مضطرة إلى ترحيلهم, تمشيا مع ممارسة سارية في زمن الحرب. وتسوق العديد من التبريرات لتفسير موقفها هذا, كما رأينا.

المؤرخ روبير مانتيران: “وعلى أية حال فلا يمكن تجاهل أرشيفات الدول التي تمتلئ بالوثائق والشهادات التاريخية حول ما حصل,  بما في ذلك أرشيف الدولة العثمانية الذي لم يفرج عنه إلا في أوقات متأخرة, كما لا يمكن تجاهل حقيقة أن أرمن الدولة العثمانية قد تناقصت أعدادهم بصورة مريعة, ولا شك أن هذه مسألة مهمة, تحتاج للتفسير والتوضيح”.

المؤرخ جيرمي سولت: “الواقع أن الاتهام الأرمني للعثمانيين بالقهر, والاتهام العثماني للأرمن بالخيانة والغدر اتهامان صحيحان متساويان, وكل من الحكومة والعصابات الأرمنية المسلحة والمسلمون والمسيحيون المدنيون على حد سواء, قد امتصهم الصراع كأعضاء نشطاء أو ضحايا أبرياء, في “كفاح دارويني” من أجل بقاء امبراطورية مبتلاة من جهة, وقيام دولة أرمنية ممتدة من القوقاز إلى شرق الأناضول من جهة ثانية”.

في الورقة التالية (6), سنتناول مسألة الترحيل وملابساتها والآراء المتداولة حولها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى