أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات / ماذا يعني تعيين السفير الروسي في سورية مبعوثًا خاصًا؟

ماذا يعني تعيين السفير الروسي في سورية مبعوثًا خاصًا؟

د. قصي غريب

كاتب وأكاديمي سوري
عرض مقالات الكاتب

كثرت التحليلات السياسية ،  واللغط  الذي وصل إلى حد التهويمات ، حول تعيين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين سفير موسكو لدى دمشق ممثلًا خاصًا له.

ففي الخبر ، فقد  ورد عن السفارة الروسية في دمشق،  أنه تم تعيين السفير فوق العادة لروسيا الاتحادية لدى دمشق الكسندر يفيموف ممثلًا خاصًا للرئيس الروسي لتطوير العلاقات مع الجمهورية العربية السورية.

في سيرة المبعوث الخاص ؛ نجد أنه سبق أن شغل مهام سفير روسيا في دولة الإمارات العربية ،وعمل في السفارة الروسية في الأردن ، وفي قسم شؤون الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في وزارة الخارجية الروسية.

قبيل هذه الخطوة الروسية ، كانت الولايات المتحدة – صاحبة القرار والفعل في الساحة الدولية –  قد سبقت روسيا الاتحادية في تعيين السفير جيمس جيفري مبعوثًا خاصًا. فقد أعلنت وزارة الخارجية الأميركية تعيين السفير السابق مبعوثًا للوزير مايك بومبيو إلى سورية ، وكان قد أكدّ هو ووزارته أن السفير جيفري سيكون ممثلي إلى سورية، لتنسيق عملية الحل السياسي من خلال التركيز في عمله على مسار جنيف، فضلًا عن إشرافه على المفاوضات التي ستجري بين دول ذات التأثير في الملف السوري.

وكان السفير جيمس جيفري قد شغل قبل ذلك منصب السفير الأميركي لدى تركيا،  ومن ثم لدى العراق، كما تولّى منصب نائب مستشار الأمن القومي في إدارة جورج  بوش الابن ، فضلًا عن الكتابة والتنظير السياسي في معهد واشنطن لشؤون الشرق الأدنى.

ماذا تعني خطوة الرئيس بوتين؟

إن الممثل الرئاسي الخاص ،هو منصب سياسي ودبلوماسي مهم وعالي المستوى،  تعتمده بعض الدول سواء كانت عظمى مثل الولايات المتحدة، أو كبرى مثل روسيا، في تنفيذ سياستها الخارجية ذات الأهمية الخاصة ، من خلال ممارسة الدبلوماسية السريعة دون المرور بالأقنية البيروقراطية في وزارة الخارجية أو في مكتب مستشاري الرئيس،  بحيث أن هذا الممثل الرئاسي أو الوزاري الخاص لديه الموافقة السيادية من قبل الرئيس، أو وزير الخارجية على تجاوزها ،فيصبح اتصاله مباشرًا مع الرئيس أو وزير الخارجية سواء في دولته ، أو في الدولة المعين فيها أو المرسل إليها.

وقد سبق لروسيا الاتحادية قبل أن تعين سفيرها في دمشق الكسندر يفيموف ممثلًا خاصًا للرئيس فلاديمير بوتين ،أن قامت بتعيين نائب وزير الخارجية ميخائيل بوغدانوف مبعوثًا خاصًا إلى الشرق الأوسط ودول أفريقيا.

إن تعيين مبعوث خاص للرئيس الروسي في دمشق،  يمنحه الصلاحية – في روسيا – على الاتصال المباشر ببوتين وتجاوز مستشاريه ، ووزير الخارجية سيرجي لافروف والأقنية البيروقراطية في وزارة الخارجية الروسية ، فضلاً عن   سرعة الاتصال المباشر بزعيم المجرمين واللصوص بشار ووزير خارجيته ، ونقل رسائل أو أوامر أو توجيهات مهمة من الرئيس الروسي بوتين لهما.

على المستوى الداخلي الروسي ؛ يبدو أن  الهدف الرئيس والبعد الأساسي من تلك الخطة، تكمن في  بعث رسالة تعبوية ، فيها الكثير من الاستعراض الإعلامي إلى الرأي العام الروسي حصرًا ، ولاسيما الجمهور المؤيد لبوتين الذي يرون فيه القيصر الروسي بطرس الأكبر الذي يعمل على تجديد روسيا ، وإحياء أمجاد القياصرة ، واستعادة عظمة الاتحاد السوفيتي ، وفحوى هذه الرسالة أن روسيا بوتين دولة عظمى لا تختلف عن الدولة العظمى الولايات المتحدة ، فهو يعين مبعوثا خاصًا له إلى سورية مثلما عينت قبل ذلك الإدارة الأميركية مبعوثًا خاصًا لها إلى سورية.

لكن عند الركون إلى ميزان القوة بين روسيا الاتحادية والولايات المتحدة ، تبدو إمكانات روسيا الاتحادية هي إمكانات دولة كبرى منهكة لا ترقى إلى إمكانات الولايات المتحدة الدولة العظمى الوحيدة في الساحة الدولية ؛ ومن ثم،  إن هذه الإمكانات لا يمكن أن تؤهلها لكي تشكل لها منافسًا ، لأن روسيا  ليست نداً للولايات المتحدة لا سياسياً ولا دبلوماسياً ولا عسكرياً ولا اقتصادياً ولا تقنياً، ولهذا لا يمكن أن تشكل تحديًا للمصالح الأميركية في المنطقة العربية ، أو في أي منطقة من العالم، فعلى الصعيد السياسي مثلاً ؛ للولايات المتحدة استراتيجيات وسياسات خارجية تجاه كل دول ومناطق العالم ، في حين تنحصر اهتمامات الاستراتيجية الروسية وسياستها الخارجية في بعض الدول والمناطق.

وعلى سبيل المثال لا الحصر ، في الجانب العسكري: روسيا لا تملك سوى حاملة طائرات قديمة ومتخلفة، في حين تملك الولايات المتحدة عشر حاملات طائرات متطورة.

وفي العلاقات الدولية هناك فرق بين إمكانات وقدرات الدولة العظمى،  وبين امكانات وقدرات الدولة الكبرى ، حيث ينعكس هذا واضحًا في المكانة والهيبة والنفوذ والتأثير والفاعلية في الساحة الدولية !

لا تزال الدولة العظمى الولايات المتحدة تقود النظام الدولي منفردة منذ انهيار جدار برلين ، 1989وتفكك الاتحاد السوفيتي 1991، ولا تزال كل الدول الكبرى أو الدول الوظيفية أو الدول الخدمية ملتزمة بتعليماتها، ومعرفة مساحة تحرك خطواتهم في الساحات الدولية أو الإقليمية أو المحلية ، ولا شك بأن الولايات المتحدة وحلفاءها حريصون على منع قيام أي ديمقراطية في العالم العربي ، حيث تقوم سياستها على إنهاك جميع الفرقاء، فضلًا عن السيطرة ومدّ النفوذ باسم محاربة الإرهاب، ومنع قيام نظام ديمقراطي واعد في سورية سيكون أنموذجًا في العالم العربي ، ما يعجل في وحدة دوله على غرار الاتحاد الأوربي.

بعد الخسائر الفادحة ، وبخاصة المالية التي تكبدتها الولايات المتحدة في العراق وافغانستان، وجعلتها في أزمة اقتصادية خانقة، فقد أصبحت استراتيجيتها لتحقيق مصالحها تقوم على عدم التدخل المباشر وإدارة الأزمات أو الملفات الساخنة عن بعد، مع تحميل الحكومات الحليفة الأعباء المالية والبشرية، ولكن عدم اليقين والثقة لمنع تجاوز حدود ما هو مرسوم لحركة كل دولة في سورية، وإدارة الملف عن قرب، وإقناع المواطن الأميركي بأن هناك خطرًا حقيقيًا على الأمن القومي الأميركي من قبل الإرهاب المصنع ؛ فقد تواجدت بقوات صغيرة ذات تكاليف منخفضة، ولكنها فاعلة ومؤثرة على جميع الأطراف !

النظام الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة مثل دوري كرة القدم، الجميع دون استثناء يحترم قوانين اللعبة، ومن يرتكب الأخطاء ينال الإنذارات، ومن يتجاوز على القانون ينال الطرد، والفرق بين الاثنين أن في دوري كرة القدم الكل معرض للخسارة والفوز والتعادل، أما في قانون النظام الدولي الذي يطبق ويتغير وفقًا لمصالح الولايات المتحدة ، فغير مسموح بخسارة أو تعادل الولايات المتحدة، فالسائد قانون القوة وليس قوة القانون.

في سورية ، لا يوجد صراع أميركي روسي كما يتوهم بعضهم،  ولاسيما أن هناك فرقًا في ميزان القوة بين الدولتين كما أوضحنا،  إنما هناك موافقة ورضاء أميركي على ما تقوم به روسيا،  لأنه يصب في المصلحة الاستراتيجية والسياسة الأميركية في المنطقة، فلو كان هناك صراع بينهما، لقامت الولايات المتحدة  أو أمرت النظم التي تدور في فلكها بتزويد  الفصائل الثورية السورية  بأسلحة نوعية وبخاصة  الصواريخ المضادة للطائرات التي تحمل على الكتف، و”صواريخ أرض أرض قادرة على إصابة كل القواعد الروسية في سورية ، ولمرغت أنف روسيا بالتراب كما فعلت في أفغانستان زمن الاتحاد السوفيتي.

ولكن تذرعت الولايات المتحدة بمنع مد الثوار السوريين بأسلحة نوعية متطورة وبخاصة صواريخ مضادة للطائرات كي ﻻ تقع بيد المتطرفين؛ ومن ثم يصبح لديهم القدرة على تهديد الطيران المدني، إلا أنها كانت كاذبة مؤيدة لاستمرار نظام العصابات الطائفية في حكم وقتل السوريين وتدمير بلادهم، لأن السلاح البديل عن مدهم بالصواريخ كان فرض حظر الجوي أو منع الطيران، ولكنها لم تفعل.

ومن الجدير بالذكر هنا ، أن كل دول العالم، ولاسيما الدول الكبرى، وبخاصة روسيا، يعرفون أن للولايات المتحدة خطوطًا حمراء لا يمكن لدولة أو وكيل تجاوزها،  ففي سورية ، إن المساحة المحددة لحركة كل دولة محسوبة بدقة من قبل الولايات المتحدة لوأد الثورة السورية ،وتمكين النظام الطائفي ، وبخاصة مساحة تحرك روسيا، وإيران وعصاباتها الطائفية، ولذلك فإن القصف الذي يطالهم بين الحين والاخر من قبل اسرائيل يكون بسبب تجاوزهم المساحة المحددة لحركتهم ودورهم المرسوم .

إن الولايات المتحدة بغية تحقيق أهدافها الاستراتيجية في العالم ، فقد غضت النظر عن التدخل الروسي في أوكرانيا من أجل أن تبقى دول الاتحاد الأوربي بحاجة إلى المظلة العسكرية الأميركية، كما أنها ما انفكت  عن تضخيم الخطر الكوري الشمالي بغية ابتزاز اليابان وكوريا الجنوبية ، والتهويل من الخطر الإيراني بغية ابتزاز دول الخليج العربي ودفعهم إلى الاعتماد عليها.

في سورية من أجل إشغال روسيا وإنهاكها، وإرضاء غرور بوتين وجعله بطلاً في أعين الشعب الروسي لاستمراره في السلطة، وهذا ما يناسب الاستراتيجية الأميركية من أجل أن يبقى القرن الواحد والعشرون قرناً أميركياً، لأن قيام نظام ديمقراطي حقيقي في روسيا يشكل خطرًا على مكانتها كدولة عظمى متفردة في الساحة الدولية ؛ ولذلك عندما حصلت الأزمة الدستورية في روسيا في تشرين الأول 1993 بين الرئيس بوريس يلتسين الذي خرق الدستور مع مجلس النواب الروسي المنتخب برئاسة رسلان حسبولاتوف والذي انضم إليهم نائب الرئيس الكسندر روتسكوي فقد وقفت الإدارة الأميركية ضدهم ، ولم تتردد عن تقديم شتى أنواع الدعم والمؤازرة للرئيس بوريس يلتسين في حل البرلمان المنتخب ومن ثم قصفه بالدبابات ، وقد صرح الرئيس الأميركي آنذاك بيل كلينتون؛ بأن اعتصام النواب الروس المحتجين على حل البرلمان، هي سكرة الموت لنظام راحل.

وبناء على ما تقدم ، إن ّما قام به  بوتين من تعين ممثل خاص له إلى سورية ،هو عبارة عن حركة استعراضية أمام الرأي العام الروسي لا قيمة ولا تأثير لها على مكانة الولايات المتحدة كونها لا تزال صاحبة القرار والفعل في الساحة الدولية وبخاصة في الشأن السوري.  

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

من ذكـريات أبي رفيق، عامر سبيعي

أحمد الهواس رئيس التحرير شاء الله أن تكون الهجرة الأولى للسوريين في …