أخبار عاجلة
الرئيسية / بحوث ودراسات / “الإمام الثاني عشر”: عقيدة “المخلِّص” في الصِّراع الصُّهيوني-الصَّفوي على حُكم العالم 3 من 4

“الإمام الثاني عشر”: عقيدة “المخلِّص” في الصِّراع الصُّهيوني-الصَّفوي على حُكم العالم 3 من 4

د. محمد عبد المحسن مصطفى عبد الرحمن

أكاديمي مصري.
عرض مقالات الكاتب

إرهاصات قُرب ظهور المهدي عند الشِّيعة

يستقرُّ نجَّار مالك، الفيزيائي الشَّاب، في إيران، ويتزوَّج ابنة الدكتور محمَّد صدِّيقي، ويباشر مهمَّة المشاركة في تطوير مفاعل نووي، قيل له أنَّه لأغراض سلميَّة. يتابع نجَّار بشغف الأحداث الجارية، ويقارنها بما ورد من أحاديث عن المرحلة السابقة على ظهور الإمام الثَّاني عشر، ويجد في انتشار الرِّدَّة والانتفاضات والحروب الأهليَّة من أهم إرهاصات ظهور الإمام؛ فيزداد يقينًا بقرب ظهوره. يعثر نجَّار على كتاب عنوانه المخلِّص المنتظَر من بين كُتُب الدكتور صدِّيقي، يقول “المهدي حيٌّ، يزور مختلف الأماكن، ويولي اهتمامًا فائقًا بأحداث العالم. يحضر عادةً اجتماعات المؤمنين، دون أن يكشف عن هويَّته. سيظهر في اليوم المحدَّد، وسيحارب قوى الشَّرِّ، ويقود ثورة عالميَّة، ويقيم نظامًا عالميًّا جديدًا يستند إلى العدل والحقِّ والفضيلة” (ص232). في تلك المرحلة، كان نجَّار قد وصل إلى درجة الاقتناع بضرورة تطوير سلاح نووي، والقضاء على قوى الشِّرِّ المعادية للإسلام، وعلى رأسها أمريكا وإسرائيل.

ينجح ديفيد في العبور إلى الدَّاخل الإيراني، دون أن تُكشف هويَّته، في عمليَّة استخباراتيَّة تستهدف التجسُّس على اتصالات كبار رجال الدَّولة، من أعضاء مجلس الخبراء وقادة الجيش، من رجال الحسيني. يتعامل العميل الاستخباراتي مع الناس بسلاسة، ويسعى إلى التقرُّب إلى جماعة المتردِّدين على المساجد. واظب ديفيد على الصلوات الخمس، عادةً في مسجد الإمام الخميني، دون أن يصل إلى إيمان يقيني بإله يعبده. ما أراده ديفيد هو إلهًا يستجيب دعواه؛ فكان يدعو لأبويه وأخويه وبلاده-أمريكا-ورئيسها. ومن بين الأخبار التي تلفت نظر ديفيد، مقال يتناول دعوة أحد معمَّمي الشِّيعة، يُدعى آية الله محمَّد باقر كرازي، يترأَّس حزبًا سياسيًّا إسلامويًّا يُسمَّى حزب الله، إلى تأسيس ما أطلق عليه “إيران الكبرى”، وهو دولة تمتدُّ من أفغانستان إلى الأراضي المحتلَّة في فلسطين، من شأنها السَّيطرة على الشَّرق الأوسط بأكمله (ص249). في البداية، من الضروري إيضاح أنَّ شخصيَّة آية الله محمَّد باقر كرازي توازي شخصيَّة حسن نصر الله، المعمَّم الشِّيعي اللبناني الذي يقود حزبًا حقيقيًّا باسم حزب الله. ومن الواضح أنَّ كرازي يشارك نصر الله في عدائه المعلَن لإسرائيل، وسعيه إلى تدميرها، كما يُصرِّح في وسائل الإعلام، دون أيِّ خطوات ملموسة على الأرض، لن نقول تستهدف محو الكيان المحتلِّ، إنَّما لنُصرة المسلمين من أهل الأرض المقدَّسة. ومن بين ما يروِّج له كرازي في دعوته إلى تأسيس ما سمَّاه “إيران الكبرى” أنَّ تلك الدولة ستكون “مقدِّمة لظهور الإمام المهدي” (ص249). يلاحظ ديفيد انتشار الحديث عن الإمام المهدي في وسائل الإعلام، ممَّا يدلُّ على استحواذ تلك العقيدة على عقول العامَّة، مع استشعار قُرب ظهوره.

يباشر ديفيد مهمَّته الاستخباراتيَّة بسهولة نسبيَّة؛ بفضل ضعف مستوى مقاومة الاختراقات الأمنيَّة في شبكة الاتصال الإيرانيَّة، بما في ذلك دائرة اتِّصال المنظَّمات العسكريَّة والمخابراتيَّة. كان ديفيد يعرف صعوبة مهمَّته، وهي منْع إيران من الوصول إلى سلاح نووي، سواءً من خلال تطويره أو شرائه، أو حتَّى الاستيلاء عليه. ما كان يؤلم العميل الاستخباراتي الشَّاب هو قلَّة الحيلة والعجز عن إنجاز شيءٍ يحمي به نفسه وأحبابه، “وأسوأ ما كان في الأمر التظاهر بأنَّه مسلم صالح…ما لم يكن، كما كان يشعر من صميم قلبه. هو كان يؤمن بإلهٍ، أو على الأقل بشيء إلهي في الكون يُعرف بـ “الله”، أو على الأقل بأنَّه “إله”. كان يؤمن كذلك بأنَّ ذلك الإله هو الخالق، وأنَّه هو الذي خلَقَ السماوات والأرض والبشر، وهو من بينهم. أكثر من ذلك، لم يكن متأكِّدًا ممَّا كان يؤمن به” (ص263). تساءل ديفيد، أو داود، كما كانت أمُّه تناديه، “كيف يكون الإسلام صحيحًا؟”، مسترجعًا تجاربه في التعامل مع “رجال القداسة”، أو رجال الدِّين، في باكستان وأفغانستان وإيران، الَّذين وجدهم “أدنس رجال على ظهر الكوكب. تمتلئ رؤوسهم بأفكار العنف والفساد. ولعلَّ زعماء إيران أسوأهم. هم ينكرون محرقة اليهود ويخطِّطون لأخرى، ويسعون إلى الحصول على أسلحة يمكنها حرْق الملايين في طرفة عين، وذلك باسم ربِّهم. كيف يكون ذلك صحيحًا؟ كيف يكون دين ذلك من تعاليمه صحيحًا؟” (ص263).

افتضاح خطط إيران التدميريَّة أمام أتباع الاثني عشريَّة: هل التنصُّر هو الحل؟

انتبه ديفيد إلى أنَّ الحديث عن قُرب نهاية العالم، وبداية مرحلة آخر الزَّمان، كَثُر وقتها، على ألسنة “الوعَّاظ والربَّانيِّين والأئمة، وحتَّى البيئيِّين”، علاوة على أنَّ هوليوود، مدينة السِّينما الأمريكيَّة دأبت منذ الخمسينات من القرن الماضي، وبوتيرة متزايدة، على إنتاج أفلام تتناول أحداث كارثيَّة تُنذر بنهاية العالم (ص266). واجه ديفيد نفسه بتلك الحقيقة، وتذكَّر أنَّه انضمَّ إلى وكالة المخابرات المركزيَّة بهدف “القضاء على الإسلام الرَّاديكالي” و “الانتقام لما يقرب من 3 آلاف شخص راحوا ضحيَّة أحداث 11/9” (ص266). أيقن ديفيد كذلك بأنَّ مصيره الهلاك، لو أنَّ هناك إلهًا حقًّا، وبخاصَّة لو كان إله المسلمين، بناءً على ما تعلَّمه عن الإسلام أثناء دراسته في ألمانيا، نزولًا على رغبة مدرِّبه. في غياب “استعراضات سنويَّة للأداء”، كيف يمكن للمرء أن يعرف “إذا كان سيظلُّ أبدًا في النَّعيم أم في العذاب؟”، والإجابة: بالطبع لا يوجد، وهذا ما أرعب الشَّاب (ص270). تبيَّن لديفيد أنَّ ملالي الشِّيعة يلقِّنون أتباعهم أنَّ الموت شهيدًا، عادةً من خلال العمليَّات الانتحاريَّة، يضمن دخول الجنَّة؛ وذلك كان رأي أسامة بن لادن، المحسوب على التيَّار السُّنِّي. غير أنَّ ديفيد لم يقتنع بذلك، وشعر أنَّ هناك أمرًا آخر يضمن الخلاص في الآخر، ولكنَّه تساءل “ما هو؟” (ص271).

في نفس تلك الفترة، كان نجَّار يباشر القيام بدوره في الإعداد لظهور المهدي، لكنَّه لم يكن ليشارك في مذابح ضدَّ الأبرياء. عرف نجَّار وقتها أنَّ صهره ومشرفه في تطوير سلاح نووي كان مسؤولًا عن إطلاق العنان لـ “الدَّم والنَّار”، المفترض أن يكونا آخر علامات الظُّهور المقدَّس؛ ولذلك كان “يطوِّر القنبلة الإسلاميَّة في السِّر” (ص287). شعر نجَّار بوخز الضَّمير، وأراد الهروب من إيران، لو كانت هناك فرصة. لم يجد الفيزيائي، الذي يتقن العربيَّة بفضل نشأته في العراق، مهربًا سوى مشاهدة إحدى الفضائيَّات، بعد تحايله لتحدِّي حظر أطباق الأقمار الصناعيَّة في إيران بشراء طبق. يجد نجَّار قسيسًّا مصريًّا على إحدى القنوات التبشيريَّة يهاجم الإسلام والنبيِّ مُحمَّد (ﷺ) بقوله “تُغسل أدمغة الأطفال للاعتقاد أنَّ الإسلام حقٌّ…كما تُغسل أدمغتهم لتصديق أنَّ مُحمَّد هو خاتم النبيِّين، وأنَّ المسيحيِّين كفَّار، وأنَّ اليهود كفَّار…الإسلام، كما يتجلَّى في القرآن والأحاديث والموسوعة الإسلاميَّة، انتشر بحدِّ السَّيف…حان الوقت لكي تقف الكنيسة بشجاعة واقتناع، وتقول بقوَّة الرُّوح القُدُس أنَّ الإسلام ليس الحلَّ، والجهاد ليس الطَّريق. يسوع هو الحقيقة، وهو الحياة…حان وقت حمْل إنجيل يسوع المسيح إلى كلِّ رجل وامرأة وطفل على ظهر الكوكب، وإعلان أنَّه أمل البشريَّة، والأمل الوحيد للعالم المضطرب…يمضي إله الكتاب المقدَّس بقوَّة اليوم العالم الإسلامي، ليُخرج المسلمين من الإسلام للإيمان بيسوع المسيح في أعداد قياسيَّة…دخل من المسلمين في عقيدة الإيمان بيسوع المسيح في العقود الثَّلاثة الأخيرة أكثر ممَّن دخلوه في الأربعة عشر قرنًا الماضية جميعهم، وهذه هي عظمة إلهنا العظيم” (ص290-291).

أصيب نجَّار بصدمة ممَّا سمع، لا تقلُّ في شدَّتها عن صدمته في اتِّضاع حقيقة أهداف تطوير سلاح نووي إيراني. بدأ الفيزيائي يتساءل “هل يترك المسلمون الإسلام حقًّا ليصبحوا من أتباع يسوع المسيح؟ هل كان ذلك يحدث حقًّا بأعداد كبيرة؟”، ثمَّ يتأمَّل في الآية التي ردَّدها القُس، “أَنَا هُوَ الطَّرِيقُ وَالْحَقُّ وَالْحَيَاةُ. لَيْسَ أَحَدٌ يَأْتِي إِلَى الآبِ إِلاَّ بِي” (إنجيل يوحنَّا: إصحاح 14، آية 6). تجدر الإشارة في هذا السياق إلى أنَّ هذا مفهوم اتِّخاذ بشرٍ وسيطًا بين العبد وربِّه يتنافى بالكليَّة مع صحيح الإسلام؛ حيث لم يجعل الله وسيطًا بينه وبين عباده، مصداقًا لقوله تعالى “وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ” (سورة البقرة: الآية 186). جدير بالإشارة كذلك أنَّ تلك هي الآية الوحيدة التي تبدأ بعبارة “يسألونك عن…” في القرآن الكريم، دون أن يتبعها فعل الأمر الموجَّه للنبيِّ (ﷺ) “قُل”؛ حيث لم يرد الله تعالى أن يكلِّف النبيَّ (ﷺ) بالوساطة في الدُّعاء والمناجاة والأذكار التي يتقرَّب بها العبد إليه. يستخدم روزنبرغ إحدى استراتيجيَّات التبشير، من خلال استعراض وحشيَّة المسلمين واتِّخاذهم سفْك الدِّماء وسيلة من أجل السَّيطرة على العالم، تنفيرًا من الإسلام، وسعيًا إلى اجتذاب السُّذَّج وضعاف الإيمان إلى المسيحيَّة، بما يوعدون به من خلاص ونعيم أبدي، بمجرَّد الإيمان بيسوع المسيح، حتَّى دون أداء فروض دينيَّة. العجيب أنَّ التلميح إلى أنَّ عقيدة الجهاد في الإسلام مقرونة بقتل الأبرياء يعتبر من المفارقات، إذا ما وُضع إلى جانبه إطلاق الحملات الصليبيَّة، قديمًا وحديثًا، في العالم الإسلامي.

ظهور المهدي: حقيقة أم خيال؟

فوجئ حميد الحسيني، أثناء اجتماعه في مكتب المرشد الأعلى للثَّورة الإسلاميَّة، بالرَّئيس الإيراني ووزير الدِّفاع والقائد الأعلى للحرس الثَّوري، برجل في أواخر الثلاثينات، أو أوائل الأربعينات على الأكثر، يظهر أمام الجمْع، ويقول “أنا محمَّد بن الحسن بن عليِّ، صاحب الزَّمان” (ص305). شعر الجميع بالصَّدمة؛ فقد توقَّعوا قُرب ظهور الإمام، ولكن ليس بتلك السُّرعة، وما كان منهم إلَّا أن خرُّوا إلى الأرض، في انحناء تبجيل وتعظيم للإمام. يذِّكر الإمام حميد الحسيني بما سبق وأن طلب منه، عن إعداد العُدَّة لعودة الخلافة، ثمَّ يعطي كلَّ شخص من الحاضرين وثيقة يوقِّعها تقول “أتعهَّد أنا____________، بالولاء والتفاني والإخلاص من أجل الإمام المهدي. من أجله أحيا، ومن أجله أموت. سأنفِّذ أوامره بسرعة وبالكامل، دون كلل، فساعدني يا الله” (ص306). يطلب المهدي إعداد جماعة من 313 شخصًا، يتبعهم جيش من 10 آلاف من المجاهدين، ولا يُشترط أن يكونوا جميعًا من الشِّيعة، ولكن يُشترط فيهم الولاء؛ وذلك من أجل الظُّهور العلني الأوَّل له في مكَّة. يطلب المهدي كذلك إجراء اختبار ناجح للأسلحة النوويَّة، إلى جانب عقْد تحالُف عسكري بين إيران وباكستان، والإعلان عن نشْر سلاح نووي في سوريا ولبنان، والتحذير من الاعتداءات الإسرائيليَّة على الفلسطينيِّين ستفضي إلى “حرب إبادة” (ص307). بعد إنجاز ما سبق، سيُعلن المهدي عن حكومة إسلاميَّة عالميَّة من الكوفة، الواقعة في قلب العراق.

يريد قادة إيران من المهدي الظُّهور والإعلان عن نفسه لأوَّل مرَّة في مدينة قُم، المدينة الإيرانيَّة المقدَّسة التي يعتبرونها “أم القرى” بدلًا من مكَّة المكرَّمة، وحينها يبرَّر المهدي اختياره مكَّة للإعلان عن نفسه بأنَّه عربيٌّ، وليس فارسيًّا، وأنَّه الإمام الثاني عشر المنحدر من بني هاشم. يُدرك مهديُّ الشِّيعة أنَّ الإعلان عن نفسه من مكَّة المكرَّمة لم يكن بالسَّهل؛ فأئمَّة أهل السُّنَّة “الفاسدون” لا يؤمنون به، باعتباره الإمام الغائب في سرداب لأكثر من ألف عام، ولكن عليه أن يجبرهم على الإيمان به، و “سيعبدونه، أو يواجهون الحساب العظيم” (ص308). يفضِّل المهدي شيعة إيران واختارهم ضمن مجلسه للحُكم؛ لأنَّهم لم يعاهدوا الصهاينة مثل المصريِّين، ولم يدعوا الأمريكان لاحتلال ديار المسلمين مثل السعوديِّين، أو يطلبوا من الأمريكان مساعدتهم في تأسيس نظام ديموقراطي مثل العراقيِّين. يطلب المهدي من زعماء إيران الإعداد لظهوره في مكَّة بعناية، وأن يُخطروا ملك المملكة السَّعوديَّة والعائلة المالكة، وكذلك حُكَّام الخليج جميعهم، دون حاجة لمجيئهم معه؛ لأنَّ وجودهم مستفزٌّ للسَّعوديِّين، لكنَّه يعدهم بقدومهم إلى هناك في وقت لاحق.

هل يسوع هو القادر على محو تهديد المشروع النَّووي الإيراني؟

يتزايد القلق الأمريكي-الإسرائيلي من خطورة تطوير إيران مفاعلًا نوويًّا، وإن ادَّعت أنَّه لأغراض سلميَّة. شعُر نجَّار مالك أنَّ في المشاركة في تطوير ذلك المفاعل خيانةً لحقِّ الآمنين في العيش السِّلمي، وبدأ ينفر من أداء دوره في تلك المهمَّة. في الوقت ذاته، لم يشعر صهره، دكتور محمَّد صدِّيقي، ولو بمثقال ذرَّة من وخز الضَّمير، واضعًا في اعتباره أنَّ بلاده بدأت مشروع البحث في المجال النووي في خمسينات القرن الماضي، بمساعدة الولايات المتَّحدة. لا ينكر صدِّيقي أنَّ الخميني هو الذي سعى إلى توسيع نطاق عمل المفاعل، ليدخل نطاق الاستخدام العسكري. منذ ذلك الحي، “أنفقت طهران مئات المليارات من الريالات لشراء الأفراد والمعدَّات والخطط التي احتاجت إليها من الفرنسيِّين والألمان والرُّوس والكوريِّين والشماليِّين، والعالم النَّووي الباكستاني عبد القادر خان، سعيًا إلى تطوير أوَّل برنامج للسِّلاح النَّووي يمكن تطبيقه” (ص321). أنشأت إيران في مدينة بوشهر مفاعلًا سلميًّا، ألحقت به مركزًا بحثيًّا، ليكونا معًا واجهة نشاطها في مجال الطاقة النوويَّة. غير أنَّها أنشأت غيرهما العشرات من المرافق لخدمة أغراض البحث في هذا المجال. ومن بين تلك المرافق، مركز لتطوير السِّلاح النَّووي في مدينة همدان، كان صدِّيقي مشرفًا على أعماله، ضمن كافَّة المرافق الأخرى في بلاده المعنيَّة بالأبحاث في الطَّاقة النَّوويَّة. نالت جهود صدِّيقي وفريقه رضا المرشد الأعلى للثَّورة، الذي أغدق عليهم بالعطايا والميزات، تقديرًا لدورهم في إعداد العُدَّة لتأسيس دولة المسيَّا الإسلامي العالميَّة.

غير أن مفاجأة مدويَّة توقف جهود صدِّيقي إلى الأبد، وهي مقتله في حادث سيَّارة مفخَّخة. يجعل ذلك الحدث نجَّار في وجه المدفع؛ حيث يُطلب منه الحفاظ على الأسرار الحيويَّة التي كانت بحوزة صهره، والتي قد تتهافت المخابرات المعادية، الأمريكيَّة والبريطانيَّة والصهيونيَّة، عليها. المفارقة أنَّ نجَّار أثناء مروره بحالة من الحيرة حيال مستقبل تعامُله مع نظام الملالي بشأن برنامج السِّلاح النَّووي، يفاجأ الفيزيائي الشَّاب برؤيا جديدة، ليست للمهدي يبشِّره بأنَّه صار من خاصَّته، إنَّما لشخص يفاجئه في الطَّريق ليقول له “أنا يسوع النَّاصري” (ص335). يظنُّ نجَّار أنَّ يسوع مجرَّد معاون للإمام الموعود، يكون وزيره المكلَّف بإدخال أهل الكتاب الإسلام أو قتلهم. غير أنَّ يسوع يقدِّم نفسه، بعبارات مقتبسة من سفر رؤيا يوحنَّا اللاهوتي (إصحاح 1) “أنا الأوَّل والآخر والحيُّ (آيتان 17-18) …”أَنَا هُوَ الأَلِفُ وَالْيَاءُ، الْبِدَايَةُ وَالنِّهَايَةُ» يَقُولُ الرَّبُّ الْكَائِنُ وَالَّذِي كَانَ وَالَّذِي يَأْتِي، الْقَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ” (آية 8)، “كُنْتُ مَيْتًا، وَهَا أَنَا حَيٌّ إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ! آمِينَ. وَلِي مَفَاتِيحُ الْهَاوِيَةِ وَالْمَوْتِ” (آية 18) …تعالَ واتبعني” (ص339). أصيب نجَّار بدهشة ممَّا سمعه، وهو ما لم يسمع من أيِّ مُلَّا أو مرجعيَّة أو زعيم شِيعي، لكنَّ ما وجده من المتحدِّث من “رفق وحُنوّ” أجبره على اتِّباعه، خاصَّة وأنَّه تربَّى على تبجيل المسيح بن مريم العذراء، المعروف بفعل المعجزات (ص339).

يعيد نجَّار التفكير فيما أوردته المصادر الإسلاميَّة عن أنَّ بني إسرائيل لم يصلبوا المسيح بن مريم، وأنَّه شُبِّه لهم، مصداقًا لقوله تعالى “وقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ ۚ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ ۚ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ ۚ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا” (سورة النساء: الآية 157). يلاحظ نجَّار أثر المسامير التي دُقَّت على يدي يسوع، وحينها يتساءل “لو كان القرآن على حقٍّ، ألم يكن من المستحيل أن يظهر أثر المسامير على يدي يسوع؟ لو كانت الكتابات الإسلاميَّة القديمة عن الإمام الثَّاني عشر صحيحة، إذن كيف يكون يسوع معاونًا للمهدي، بيدين يبرز فيهما أثر الصَّلب؟” (ص340). يجد نجَّار في عيني يسوع الغضب والإدانة؛ فهو لم يقل عن نفسه أنَّ مجرَّد وزير للمهدي، يصلِّي خلفه باعتبار المهدي خليفة النبيِّ (ﷺ)، الذي في حديث رواه أبو سعيد الخُدري “منَّا الَّذي يصلَّى عيسى ابن مريم خلفه”.

يبدأ يسوع تهذيب أخلاق نجَّار بإرشاده إلى السلوك القويم، حيث يقول له “قيل لك ((أحبّ جيرانك وأبغِض أعداءك))، أمَّا أنا فأقول ((أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ. بَارِكُوا لاَعِنِيكُمْ))”، مقتبسًا عبارة من إنجيل متَّى (إصحاح: آية 44)، ليدرك الشِّيعي الاثني عشري الفرق بين عقيدته وعقيدة المسيحيِّين الذين يعتبرهم دينه كفَّارًا (ص341). يردِّد يسوع عبارة مقتَبسَة من إنجيل يوحنَّا تقول “أَنَا هُوَ الطَّرِيقُ وَالْحَقُّ وَالْحَيَاةُ. لَيْسَ أَحَدٌ يَأْتِي إِلَى الآبِ إِلاَّ بِي” (إصحاح 14: آية 6)، وحينها يشعر نجَّار برغبة في الاتِّباع تعرقلها آثامه. وهنا، يطمأن يسوع نجَّار بآيات من إنجيل يوحنَّا “لأَنَّهُ هكَذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ. لأَنَّهُ لَمْ يُرْسِلِ اللهُ ابْنَهُ إِلَى الْعَالَمِ لِيَدِينَ الْعَالَمَ، بَلْ لِيَخْلُصَ بِهِ الْعَالَمُ. اَلَّذِي يُؤْمِنُ بِهِ لاَ يُدَانُ، وَالَّذِي لاَ يُؤْمِنُ قَدْ دِينَ، لأَنَّهُ لَمْ يُؤْمِنْ بِاسْمِ ابْنِ اللهِ الْوَحِيدِ.” (إصحاح 3: آيات 16-18). حينها، يؤمن نجَّار، الذي لم يعرف عن المسيحيَّة سوى من مقاطع عبر إحدى القنوات المهاجمة للإسلام، بيسوع المسيح، مناديه “يا ربِّ، افتح عيناي…ساعدي! فأنا شرير وآثم، أنا هالك، ضالٌّ في الظَّلام، ضالٌّ بمفردي. افتح عيناي حتَّى أرى” (ص342). في تلك اللحظة، قرَّر الشِّيعي الاثني عشر ترْك دينه والتخلِّي عن عقيدته، والسُّجود لربِّه ومخلِّصه، يسوع النَّاصري، الذي أمره بأن يأخذ أسرته ويغادر مدينة همدان، بعد أن ظهر لزوجته وأمِّها وأمرهما باتِّباعه؛ فوافقتا! المفارقة أنَّ أمَّ زوجته، الاثني عشريَّة، عتيدة الإيمان بالإمام الموعود، لم تمانع اتِّباع يسوع؛ كونها شعرت بصدق حديثه لها من قلبها. وبرغم الاطمئنان لصحَّة ما قال يسوع، يشعر نجَّار بالتشوُّش الذِّهني؛ إذ لم يكن يدرك كيف يخبره المهدي، الذي ظهر له مرَّات، بالمستقبل، إن لم يكن مُرسلًا من الرَّب. يُدرك نجَّار سبب طلَب يسوع منه مغادرة همدان، بعد أن تتعرَّض المدينة لزلزال قويٍّ يسوِّي بها الأرض.

“الإمام الثَّاني عشر” حقيقة أم أيديولوجيَّة يستخدمها مرجعيَّات الشِّيعة لإخضاع العامَّة؟

في تلك الأثناء، يكوِّن ديفيد صورة أوضح عن المشهد السِّياسي الإيراني، وتتَّضح الأمور لديه أكثر بعد الاطِّلاع على تقرير أعدَّه مركز واشنطن البحثي في يناير من عام 2008 ميلاديًّا، جاء فيه “تمدُّ السِّياسات الإيرانيَّة المبنيَّة على النبوءات المستقبليَّة، بجذورها في فشل الرُّؤيا الأولى للجمهوريَّة الإسلاميَّة. بدأت الثَّورة الإسلاميَّة عام 1979 ميلاديًّا بوعد مثالي لتأسيس جنَّة على الأرض، من خلال الشَّريعة والحكومة الثيوقراطيَّة، لكنَّ ذلك الوعد لم يعد يغري العامَّة في العقد الأخير. بمواجهة ذلك الفشل، لجأت الحكومة الدِّينيَّة إلى رؤيا مستمدَّة من النبوءات، تحمل الأمل للمظلومين، وتُظهر نفسها وكأنَّها ترياق للسلوك غير الأخلاقي وغير الدِّيني” (ص327-328). أيقن ديفيد بأنَّ الحكومة الدِّينيَّة في إيران لمَّا فشلت في الوفاء بوعودها للعامَّة، وظَّفت أيديولوجيَّة المهدي، أو صاحب الزَّمان، لإلهاء المقهورين. لم يكن المجتمع الإيراني مثاليًّا على الدَّرجة التي تروِّج لها الواجهة الدِّينيَّة للحكومة؛ فالمجتمع يعاني من تكرار حالات الانتحار، وتعاطي المخدِّرات، وإدمان الكحول، والدَّعارة والاتِّجار بالجنس، فيما يُعرف بـ “زواج المتعة”، الذي يمارسه ملالي الشِّيعة أنفسهم، ناهيك عن انتشار الأميَّة وتردِّي مستوى التعليم.

وفي وسط ذلك المشهد المعتم، بدأت الأنباء تتردَّد عن ظهور المهدي في مدينة همدان، ومعالجة امرأة متهشِّمة السَّاقين. يلقي المرشد الأعلى للثَّورة الإسلاميَّة نفسه خطابًا يعلن فيه الخبر الذي كان الشِّيعة ينتظرونه منذ قرون، بينما كان يخشاه السُّنَّة، مشيرًا إلى أنَّ ظهوره العلني الأوَّل مرتقب خلال أيَّام في مكَّة المكرَّمة. لم يفت المهدي في اجتماعه مع خاصَّته من رجال الدَّولة في إيران، الإشارة بأصابع الاتِّهام إلى “الصَّهاينة…أحفاد القردة والخنازير” في اغتيال محمَّد صدِّيقي، أكبر عالم نووي في إيران، مضيفًا أنَّهم ينتظرهم الهلاك والإبادة بأيدي المسلمين، ومتسائلًا “متى قريبًا نكون مستعدِّين لشنِّ حرب الإبادة؟” (ص371-372). يتأسَّف الإمام الثَّاني عشر لمقتل صدِّيقي، الذي كان أدرى الخبراء بالبرنامج النَّووي الإيراني، لكنَّ دائرته من القادة تطمأنه إلى أنَّ صهره، الفيزيائي الشَّاب نجَّار مالك عرف أسرار البرنامج؛ فيطلب الإمام إحضار نجَّار، دون أن يعرف أنَّ نجَّار صار من أتباع يسوع المسيح، المسيَّا المنافس.

يستغلُّ روزنبرغ ما يبالغ في وصفه من خطورة مدمِّرة للبرنامج النَّووي الإيراني في مدح الجهود الإسرائيليَّة لعرقلته، مع انتقاد صريح لجمود الموقف الأمريكي حيال الأمر ذاته. يقول ديفيد “دأب الإسرائيليُّون خلال السنوات الأخيرة على تخريب المنشآت النوويَّة الإيرانيَّة، خطْف أو قتْل المسؤولين العسكريِّين والعلماء البارزين. أمَّا نحن، فماذا كنَّا نفعل؟ نتوسَّل إلى الحسيني أو درازي للجلوس والتفاوض معنا؟ نهدِّد بعواقب اقتصاديَّة مدمِّرة، بينما نفرض عقوبات هزيلة غير مؤثِّرة؟ لا عجب في فقدان الإسرائيليِّين الثِّقة فينا، فأنا أفقد تلك الثِّقة (ص379). من جديد، يبرِّر روزنبرغ للإسرائيليِّين اتِّخاذ أيِّ قرار بالحرب ضدَّ إيران، طالما أنَّها تسعى إلى التخلُّص من تهديد مدمِّر لأمنها.

تتطوَّر الأحداث إلى أن تصل إلى منعطف في غاية الحساسيَّة، حيث يعترف الدكتور علي رضا برجندي، المرجع الشِّيعي والباحث في مجال علم نهاية الزَّمان، صاحب كتاب أئمَّة التَّاريخ وظهور المسيَّا، الذي يُعتبر من أهمِّ ما تناوَل سيرة الإمام الثَّاني عشر من مؤلَّفات، بتراجُعه عن الكثير ممَّا كتَب عن الإمام، وذلك بعد أن أراد التحقُّق من صحَّة القرآن وزيف الكتاب المقدَّس. يسرد برجندي، الذي يزوره ديفيد للاطِّلاع على رأيه في ظهور المهدي، أنَّه كان يعلِّم طلَّابه الانغماس في غفوة تأمليَّة، تأتيهم خلالها رؤى للصَّالحين، ثمَّ الأنبياء، ثمَّ الله ذاته؛ لتلقِّي العلم. أمَّا هو ذاته، فلم يكن يحرص على أن يرى الله ذاته، حتَّى دعاه أن يظهر نفسه له، بعد أن بدأت الشُّكوك تساوره حيال حقيقته الواردة في المصادر الإسلاميَّة. يعترف برجندي بأنَّه جاءته رؤيا ليسوع المسيح، ووصل إلى يقين بأنَّ “يسوع هو الذي يجب أن يتبعه فيما تبقَّى من حياته” (ص408).

حرص المعمم الشِّيعي على اقتناء نسخة من الكتاب المقدَّس، وتأثَّر كثيرًا بموعظة الجبل المنسوبة إلى يسوع النَّاصري، وأخذ يتلو منها لديفيد “طُوبَى لِلْمَسَاكِينِ بِالرُّوحِ، لأَنَّ لَهُمْ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ. طُوبَى لِلْحَزَانَى، لأَنَّهُمْ يَتَعَزَّوْنَ. طُوبَى لِلْوُدَعَاءِ، لأَنَّهُمْ يَرِثُونَ الأَرْضَ. طُوبَى لِلْجِيَاعِ وَالْعِطَاشِ إِلَى الْبِرِّ، لأَنَّهُمْ يُشْبَعُونَ. طُوبَى لِلرُّحَمَاءِ، لأَنَّهُمْ يُرْحَمُونَ. طُوبَى لِلأَنْقِيَاءِ الْقَلْبِ، لأَنَّهُمْ يُعَايِنُونَ اللهَ. طُوبَى لِصَانِعِي السَّلاَمِ، لأَنَّهُمْ أَبْنَاءَ اللهِ يُدْعَوْنَ” (إنجيل متَّى: إصحاح 5، آيات 3-9). المفارقة أنَّ ديفيد حتَّى تلك الفترة لم يكن قد قرَّر بعد اتِّخاذ يسوع إلهًا ومخلِّصًا، والمفارقة الأكبر أنَّ المعمم الشِّيعي يعتبر أنَّ المهدي من المسحاء الكذبة الذين حذَّر يسوع منهم “سَيَقُومُ مُسَحَاءُ كَذَبَةٌ وَأَنْبِيَاءُ كَذَبَةٌ وَيُعْطُونَ آيَاتٍ عَظِيمَةً وَعَجَائِبَ، حَتَّى يُضِلُّوا لَوْ أَمْكَنَ الْمُخْتَارِينَ أَيْضًا” (إنجيل متَّى: إصحاح 24، آية 24). يشير برجندي إلى أنَّ من بين أسباب خروجه من عقيدة الشِّيعة أنَّه فطن إلى أنَّ النبيَّ مُحمَّدًا (ﷺ) عاش حياته بالسَّيف، ونشَر العنف، وأراق الدِّماء، على عكس يسوع، الذي علَّم تلاميذه نقيض ذلك.

يُطلع المعمم الشِّيعي السَّابق، الذي ينكر نبوَّة مُحمَّد (ﷺ) وعقيدة المهدي، ديفيد على الإصحاح 24 من إنجيل متَّى، الذي يتناول الفترة السَّابقة على عودة يسوع إلى العالم، وسؤال التلاميذ يسوع عن ذلك “وَفِيمَا هُوَ-يسوع-جَالِسٌ عَلَى جَبَلِ الزَّيْتُونِ، تَقَدَّمَ إِلَيْهِ التَّلاَمِيذُ عَلَى انْفِرَادٍ قَائِلِينَ: «قُلْ لَنَا مَتَى يَكُونُ هذَا؟ وَمَا هِيَ عَلاَمَةُ مَجِيئِكَ وَانْقِضَاءِ الدَّهْرِ؟»” (إنجيل متَّى: إصحاح 24، آية 3)، ويُلاحظ أنَّ برجندي يضيف من عنده أنَّ تلك العودة هي “لتأسيس مملكته وعهده على الأرض“، وهذا ما لم يذكره الإنجيل (ص411). وتجدر الإشارة إلى أنَّ من الأقاويل المنسوبة إلى يسوع “مَمْلَكَتِي لَيْسَتْ مِنْ هذَا الْعَالَمِ. لَوْ كَانَتْ مَمْلَكَتِي مِنْ هذَا الْعَالَمِ، لَكَانَ خُدَّامِي يُجَاهِدُونَ لِكَيْ لاَ أُسَلَّمَ إِلَى الْيَهُودِ. وَلكِنِ الآنَ لَيْسَتْ مَمْلَكَتِي مِنْ هُنَا” (إنجيل يوحنَّا: إصحاح 18، آية 36). يواصل برجندي إسقاط ما ورد عن إرهاصات عودة المسيح على واقع الأحداث، في ضوء الإصحاح ذاته من إنجيل متَّى “انْظُرُوا! لاَ يُضِلَّكُمْ أَحَدٌ. فَإِنَّ كَثِيرِينَ سَيَأْتُونَ بِاسْمِي قَائِلِينَ: أَنَا هُوَ الْمَسِيحُ! وَيُضِلُّونَ كَثِيرِينَ. وَسَوْفَ تَسْمَعُونَ بِحُرُوبٍ وَأَخْبَارِ حُرُوبٍ. اُنْظُرُوا، لاَ تَرْتَاعُوا. لأَنَّهُ لاَ بُدَّ أَنْ تَكُونَ هذِهِ كُلُّهَا، وَلكِنْ لَيْسَ الْمُنْتَهَى بَعْدُ. لأَنَّهُ تَقُومُ أُمَّةٌ عَلَى أُمَّةٍ وَمَمْلَكَةٌ عَلَى مَمْلَكَةٍ، وَتَكُونُ مَجَاعَاتٌ وَأَوْبِئَةٌ وَزَلاَزِلُ فِي أَمَاكِنَ. وَلكِنَّ هذِهِ كُلَّهَا مُبْتَدَأُ الأَوْجَاعِ. حِينَئِذٍ يُسَلِّمُونَكُمْ إِلَى ضِيق وَيَقْتُلُونَكُمْ، وَتَكُونُونَ مُبْغَضِينَ مِنْ جَمِيعِ الأُمَمِ لأَجْلِ اسْمِي” (إنجيل متَّى: إصحاح 24، آيات 4-9). على ذلك، يشدِّد برجندي على الحرص من الانخداع بالإمام الثَّاني عشر وفتنته، مثيرًا التعاطف تجاه أتباع المسيح من أهل الكتاب ممَّن سيواجهون الضِّيق والقتل والبغضاء بسبب إيمانهم به وتمسُّكهم باتِّباعه.

يعترف برجندي لديفيد أنَّ سبب الزلزال المدمِّر الذي أصاب مدينة همدان هو تجربة واحد من تسع رؤوس نوويَّة ضخمة، طُوِّرت بأمر المرشد الأعلى للثَّورة الإسلاميَّة ورئيس إيران، وهي كفيلة بتدمير أكبر مدن العالم، بما في ذلك تل أبيب ونيويورك ولندن، كما عرف هو من المرشد الأعلى، باعتباره مستشاره الشَّخصي، مضيفًا أنَّ الرؤوس النَّوويَّة وُزِّعت على شتَّى مدن إيران، إيذانًا بحرب مدمِّرة بينهما وبين إسرائيل، والشَّاهد على ذلك ظهور المسيَّا الكاذب، الإمام الثَّاني عشر. غير أنَّ تلك المعركة محسومة ضدَّ الضَّالِّين الكذَبَة، كما يخبر الكتاب المقدَّس. من جديد، يثير روزنبرغ التعاطف تجاه إسرائيل وحلفائها من القوى الغربيَّة، ببلورة التهديد الذي ينتظرها جميعًا، لو أنَّ “المهدي أمر إيران بتفجير الأسلحة النَّوويَّة في أمريكا أو إسرائيل” (ص418).

المهدي يظهر…وشبح الحرب يطلُّ

يستغلُّ روزنبرغ التطرُّق إلى الاعتقاد في أنَّ ظهور المهدي يكون في موسم حجٍّ، وفق أحاديث ضعيفة السَّند، في الاستخفاف بالشَّعيرة الأهم والرُّكن الأعظم في الإسلام، بقوله أنَّ معظم الحجيج “ادَّخروا على مدار حياتهم من أجل فرصة للصلاة عند الكعبة، ذلك البناء الحجري الأسود المكعَّب في قلب المسجد الحرام” (ص420). توافَد المسلمون إلى مكَّة المكرَّمة بعد سماعهم عن ظهور الإمام الثَّاني عشر، بعد غيبة استمرَّت ألف عام وأكثر، وسط استعداد المملكة العربيَّة السَّعوديَّة لتوفير اللازم لدعم حجَّاج بيت الله ورعايتهم، من خلال شحن “آلاف الأطنان من الطَّعام، والملايين من جالونات المياه، وعشرات الآلاف من الخيم الإضافيَّة، في إشارة إلى قبول المملكة السُّنِّيَّة، ولو كارهةً، زيارة الزَّعيم الشِّيعي الوشيكة باعتبارها أمرًا واقعًا” (ص421). يتعجَّب ديفيد من تصرُّف السَّعوديَّة، متيقِّنًا بأنَّ قياداتها لا بدَّ وأنَّهم تعرَّضوا إلى ضغوط خارجيَّة دفعتهم إلى ذلك؛ “فلماذا يحتفي العاهل السَّعودي من الأصل بشخصيَّة دينيَّة لا يؤمن بها، بشخصيَّة سياسيَّة قد تسلب حُكم المملكة من آل سعود بخطبة واحدة؟” (ص421).

في تلك الأثناء، يواصل نجَّار مالك وأسرته، بعد تحوُّلهم السَّريع من منتظريِّ الإمام الثَّاني عشر إلى أتباع يسوع النَّاصري، الهروب من قبضة رجال المهدي، الذين أرادوه أن يدير البرنامج النَّووي المدمِّر، ضمن خطَّة محو اليهود والنَّصارى، وإخضاع من تبقَّى منهم لسُلطان المهدي. تستجيب زوجة نجَّار إلى ما طلبه منها يسوع عند ظهوره لها، بقراءة الإصحاح 7 من سفر الخروج، والإصحاح 13 من سفر التَّثنية، حيث يتناول الأوَّل عجائب قدرة الرَّب إله إسرائيل في إرسال آيات العذاب إلى فرعون وقومه لعنادهم، ليس في الإيمان برسالة موسى، إنَّما في إخراج بني إسرائيل من مصر. أمَّا الإصحاح 13 من سفر التثنية، فموضوعه الثَّبات على العقيدة، مهما كانت المغريات، أو الآيات التي يأتي بها الأنبياء الكَذَبة. وتذكِّرنا محاولة نجَّار وأسرته الفرار من إيران بعد ظهور المهدي، بقصَّة هروب محمَّد شيرازي وزوجته، والدي ديفيد، من نفس البلد إلى أمريكا، في أعقاب حادث اقتحام السَّفارة الأمريكيَّة في طهران، بعد أشهر قليلة من الثَّورة الخمينيَّة لعام 1979 ميلاديًّا. يزداد نجَّار إيمانًا بالمسيحيَّة كلَّما قرأ في الكتاب المقدَّس، متأثِّرًا باستعراضه المفصَّل لجوانب شخصيَّة موسى، خاصَّة في تواصله مع “الرَّب الواحد الحقيقي” (ص440).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

الحروب واتفاقيات الحدود العراقية الإيرانية وأثرها في العلاقات بين البلدين 1

نزار فاضل السامرائي صدر هذا الكتاب عن دار دجلة ناشرون وموزعون / …