أخبار عاجلة
الرئيسية / حقوق وحريات / إضاءات سياسية (18)

إضاءات سياسية (18)

هيثم المالح

عرض مقالات الكاتب

ينفرد موقع رسالة بوست بنشر كتاب إضاءات سياسية للأستاذ هيثم المالح

حتى لا يفوتنا القطار

12/06/1003

في كلمتي هذه سوف أدخل إليها من خلال ما كتبه أحد مسؤولي المخابرات والحديث الذي أدلى به الرئيس بشار الأسد لقناة العربية .

والواقع أنه من الجميل أن نقرأ لمسؤول مخابراتي يكتب باسمه الصريح هذه المرة ، ويعمد لتحليل الوضع العام في البلاد من الناحية السياسية والاستراتيجية ، وإن كنا نختلف معه في الكثير مما عرضه في تحليله إلا أن ما يعنينا هو جانب الوضع الداخلي في سورية .

ولئن أورد هذا المسؤول تحت عنوان (لا خوف من المعارضة) بعض الإنصاف للمعارضة السياسية (مشكورًا) إلا أنه بطن كلامه (كالعادة) بالتشكيك بنوايا المعارضة ، وأن دعواها قد تكون كلمة حق يراد بها باطل ، وهو قد خلص إلى أن طلبات المعارضة لا تتعدى أبعد من المطالبة بتحقيق (بعض) الإصلاحات السياسية والاقتصادية مثل إلغاء حالة الطوارئ وإنهاء الأحكام العرفية وإصدار قانون للأحزاب ، وعلى استحياء (ترشيد) توزيع الثروة الوطنية ، وهي مطالب (صغيرة) كما رآها عبر تحليله .

ولئن وجد بعض من علق على كلمته بأن هذه المطالب تعادل تغييراً كاملاً في تركيبة (النظام) ، إلا أننا للحقيقة والتاريخ سوف نستعرض مطالب الشعب وليس (المعارضة) -التي تشكل جزءاً صغيراً من مجموع الشعب- حتى نكون مخلصين في كلمتنا هذه للسلطة الحاكمة ، لئلا يجري التفسير خارج إطار المصلحة الوطنية .

 وبعيداً عما (قيل فيما قال) سوف أستعرض بعض النقاط الهامة في هذه الكلمة :

مضى على وجود السلطة السورية الحالية في نطاق حكم شمولي استبدادي عقب استيلاء العسكريين على السلطة في الثامن من آذار/مارس لعام 1963 أربعون عاماً كاملة قدم فيها النظام البعثي شعارات محددة وأعلن عزمه على وضعها موضع التنفيذ .

هذه الشعارات هي : وحدة ، حرية ، اشتراكية ، وحتى  نستطيع نحن أن نضع تصوراً لطبيعة الحكم ومدى مصداقيته في شعاراته سوف نعمد لتحليل الوضع القائم في ضوء مسيرة الحكم .

أما الوحدة ، ففي ظل النظام الحالي تم ترسيخ الأثنية وتكريس الإقليمية وهو ما تجلى واضحاً في الفراق الذي امتد سنوات طوال بين البلدين اللذين تحكمهما إيديولوجية واحدة بلباس نظام استبدادي شمولي ، ولقد استمر إغلاق الحدود بين سورية والعراق بصورة صارمة ، وكادت في بعض الحالات أن تنشب اشتباكات مسلحة ، ولم يشعر النظام السوري ، ولعلنا لم نسمع منه أي حديث حول العمق الاستراتيجي الذي بات يتردد مؤخراً .

وأما الحرية فلا أعتقد أنه مورس ولا يزال يمارس عليه في ظل حكم النظام البعثي في سورية أو العراق مع الفارق النسبي بينهما .

ولا نزال نشاهد المقابر الجماعية التي يجري نبشها يومياً في العراق تقف شاهداً على عنف القمع الذي مورس من قبل النظام العراقي ، وأما في سورية فلا يزال النظام يعرض عن المطالبة بتسوية أمور المفقودين في السجون وسواها والتي وقعت بصورة رئيسية في الأحداث التي وقعت بين عامي 1980 و1990 حين سقطت البلاد في أتون دموي لم يكن لنا عهد به سابقاً ، فشعبنا في سورية عاقل مسالم ليس من طبيعته الجنوح إلى العنف ، وأكبر مثال واضح في العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 حيث كان جميع الناس مسلحين ولم يقع حادث قتل واحد .

ومع ذلك ، فلقد طوى الشعب كشحاً على آلامه بانتظار أن يعمد النظام إلى لأم الجراح بعد تنظيفها مما علق بها من تلوث ، إلا أننا لا نجد في الأفق بادرة في هذا الاتجاه ، ولعلنا هنا نذكر بتجربة حديثة في المغرب إذ شكلت الدولة لجاناً قضائية لدراسة أوضاع المتضررين بالعهد السابق والتعويض عليهم .

أما الاشتراكية فأين هي هذه الاشتراكية ، لقد تم باسمها تغول السلطة وأعوانها واللائذين بها على أموال الشعب وجرى رسملتها ورسملة محاسبيها وتم تهريب أكثر من مائتي مليار دولار من أمواله إلى المصارف الأجنبية ، وحتى إن من هرّب هذه الأموال ضن أن يستثمرها في الداخل .

وانقلبت السلطة إلى سلطة إقطاع حتى إننا مثلا نجد العدد الكبير من المسؤولين عسكريين ومدنيين يسرحون ويمرحون هم وأسرهم وأصدقاؤهم بالسيارات الفارهة المشتراة بأموال الشعب ، ويجري العبث بها وتحطيم بعضها في حوادث سير مروعة ، إلا أنه يتم تعويض السيارات المهشمة بسيارات حديثة ، وهكذا حتى من يتقاعد من بعض المسؤولين يبقى محتفظاً بالسيارة مع وقودها وسائقها على حساب الشعب ، ولقد أضحى عدد كبير من المسؤولين يملك الأراضي والأملاك الواسعة ، ويتم احتكار العمل التجاري والصناعي في أيد قليلة ، حتى بتنا نرى أن ما يعادل أقل من 10% من مجموع السكان يملكون 90% من الثروة وفي المقابل ارتفعت نسبة الفقر حتى وصلت إلى 60% من مجموع السكان فهل هذه هي الاشتراكية التي بشرنا بها حزب البعث ؟ .

إلا أنني وأثناء كتابتي لهذه الكلمة استمعت بإمعان إلى الحديث الذي جرى مع الرئيس الدكتور بشار الأسد في قناة العربية ، كما قرأته في الصحافة المحلية ، واستخلصت منه النقطتين الأساسيتين فيما يتعلق بالوضع الداخلي :

1- اعتبر المطالب التي تقدم بها مجموعة من المواطنين -حوالي 300 مواطن- هي مطالب مشروعة وهو قد تكلم حولها في عدة مناسبات ومن ثم فكأن رأس النظام قد وقع على هذه المطالب مع المواطنين الآخرين .

2- إن الإصلاح ليس بتغيير حرس قديم أو جديد (مع أن الحرس يدافع عن مصالحه) وإنما المطلوب هو الإصلاح الشامل للنظام .

فإذن إن رؤية الرئيس ليست بعيدة عن رؤية الشعب في مطالبه للإصلاح ، وهنا أود أن أقول إنني سبق أن أرسلت للسيد الرئيس مذكرة في شباط/فبراير 2001 وطبعاً -حتى الآن- لم أتلق ما يشعر بوصولها أو بوضعها موضع الدراسة .

إلا أنني أود أن أختصر نقاط هذه المذكرة من موقعي بوصفي داعية لحقوق الإنسان ورئيساً لجمعية تعمل في هذا الجانب من الحياة الاجتماعية المدنية أملاً في أن نتعاون جميعاً على النهوض بوطننا وتحصينه ضد ما يحاك له من مؤامرات .

أولاً- إلغاء حالة الطوارئ وما استتبعها من آثار .

ثانياً- التعويض عمن تضرر بحالة الطوارئ سواء بحجز للحرية أو فقدان أو غير ذلك .

ثالثاً- إلغاء القانون (49) الذي قضى بإعدام كل منتسب للإخوان المسلمين .

رابعاً- إلغاء مرسوم توسيع صلاحيات المحاكم الميدانية لمحاكمة المدنيين .

خامساً- إلغاء المادة /16/ من المرسوم التشريعي رقم (14) المتضمن إنشاء إدارة أمن الدولة وهي مادة خطيرة جداً وتتنافى مع كل القوانين والدساتير المحلية والعالمية إذ إنها تمنع ملاحقة مرتكبي جرائم ضد الإنسانية وحقوق الإنسان .

سادساً- رفع القيود التي تمنع عودة المهجرين قسرياً إلى بلدهم .

سابعاً- إعادة الدور المصادرة لأصحابها والتعويض عليهم .

في الواقع إن هذه النقاط سبق لي أن وضعتها بين يدي الرئيس في رسالتي التي أرسلتها إليه سابقاً ، والآن هل لنا أن نتساءل ما هو المطلوب في المرحلة ا لراهنة ؟

لقد مضى علينا أربعون عاماً في ظل حالة الطوارئ ونحن نسمع شعارات ووعوداً دون أن يترجم ذلك إلى عمل فاعل على الساحة الداخلية ، ولقد قال تعالى : ) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ( [الصف : 3] .

لقد فقد الشعب ثقته في مصداقية الدولة وأصبح مهمشاً غير مكترث بما يجري على الساحتين العربية والمحلية . وإن نظرة فاحصة للشارع السوري إبان الغزو على العراق ينبئنا بما آل إليه الوضع العام ، فالمظاهرات التي كانت تنطلق في الشوارع لا تمثل سوى نسبة أقل من الضئيلة من مجموع السكان ، وإذا قلنا : لماذا كل ذلك ؟ أرجعك الناس إلى ذاكرة الخوف والرعب من المجهول!! وفي الوقت الحاضر تجري مقتلة كبيرة في شعبنا الفلسطيني ونتساءل أين هو الشارع السوري الذي لم يكن ينام يوماً على ضيم ؟ .

لقد كان هذا الشارع فخراً للأمة بكاملها من المحيط إلى الخليج وكان طليعة النضال فماذا حصل له ؟!

أسئلة كثيرة لا بد لنا أن نعرضها على السلطة الحاكمة لعلنا نجد الإجابة عنها .

وأخيراً لابد لنا من مراجعة المرحلة السابقة برمتها ونمارس نقضنا لها لا من باب التجريح والتشفي ، وإنما حتى نستخلص منها الدروس المستفادة منها إذ إن التاريخ هو جزء من الحاضر وهو حافز للمضي قدماً في طريق التقدم إذا تم تمحيصه وأخذ العبر منه ، أما إذا اكتفينا بالشعارات والوعود فلا نظن أننا سنحدث أي تغيير في الواقع المؤلم .

في هذه الكلمات حاولت وضع بعض النقاط أمام السلطة الحاكمة وأمام شعبنا الحبيب علها تكون حافزة لنا حكاماً ومحكومين ليساهم كل منا في موقعه بصفته رافعة من أجل النهوض العام ، فهل سنلحق ركب الحضارة أم ندع القطار يفوتنا مسرعاً نحو الغد ونبقى متخلفين خلف الأمم .

والله من وراء القصد .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

فيصل المقداد إلى نيويورك!

زهير سالم مدير مركز الشرق العربي إن منبرًا سيصعد عليه فيصل المقداد …