أخبار عاجلة
الرئيسية / حقوق وحريات / دالة الجرمية للإخفاء القسري (بين القانون الدولي والقانون الجنائي الداخلي) – العراق أنموذجاً

دالة الجرمية للإخفاء القسري (بين القانون الدولي والقانون الجنائي الداخلي) – العراق أنموذجاً

المحامي محمد نادر العاني

باحث في مجال حقوق الإنسان
عرض مقالات الكاتب

إن هاجس الإخفاء القسري يمثل حقيقة جرمية لها مدلولات اجتماعية، وسياسية، وإنسانية خصوصاً على الصعيد الدولي وإن بسبب نتاجات هذه الجريمة دخلت حيز التجريم الجنائي الدولي منذ عدة عقود وعلى ضوئه تدرجت إلى القوانين الجنائية الداخلية للدول ، حيث إن تطور الحروب وتكاثف النزاعات الداخلية وتنامي دور حركات التحرر والصراعات السياسية ذات النهج القومي والطائفي والديني، كل ذلك ساعد على نمو وتفشي هذه الجريمة بشكل واسع ومرعب، مما أدى لإعادة النظر بالتدخل الدولي للحد من هذه الجريمة، وحتى ننظر إلى الجريمة وتفاصيلها بعمق نأخذ ذلك على عدة تفرعات:

أولاً: التطور القانوني لتجريم الإخفاء القسري:

لقد أخذ التطور التاريخي داخل القانون الدولي في تجريم الإخفاء القسري بالمضي على عدة صعد بشكل تدريجي ، فكان ينظر إليه ضمن سلسلة القواعد العرفية بشكل غير مكتمل في القانون الدولي الإنساني، وعلى الأخص في قضايا:

حظر الحرمان التعسفي من الحرية (القاعدة 99)، وحظر التعذيب والمعاملة الأخرى القاسية أو اللاإنسانية ( القاعدة 90)، وحظر القاتل ( القاعدة 89).

وتطور ذلك مع تفاعلات بوادر حركات الوعي الإنساني في المجتمعات الغربية، من خلال تأسيس أول منظمات إنسانية (اللجنة الدولية للصليب الأحمر. في عام 1859) ومساهمتها المهمة في إنشاء اتفاقيات دولية للحد من الانتهاكات، وتشريع قواعد آليات الحد من جرائم الحرب، أو قوانين الحرب المعروفة باسم اتفاقيات جنيف من عام 1864، وصولاً إلى دور المحاكم الخاصة بعد الحرب العالمية الثانية، فمحكمة نورمبرغ قد أدانت الألماني فيلهم كايتل على أنه مذنب بارتكاب جرائم حرب بسبب تطبيق مرسوم هتلر القاضي بالإخفاء القسري لمناطق الاحتلال النازي.

كما وإن دور المنظمات واللجان الإنسانية ساهم بتطور تجريم هذا الإخفاء القسري حيث كانت، لجنة البلدان الأمريكية لحقوق الإنسان، ولجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، أول هيئة دولية لحقوق الإنسان تتصدى لظاهرة الاختفاء، في أعقاب الشكاوى المقدمة فيما يتعلق بحالات شيلي منذ الانقلاب العسكري في 11 سبتمبر / أيلول. ، 1973.

ولكن التغيير الحقيقي الذي منح هذه الجريمة الوضع القانوني العام هو تجريم المحكمة الجنائية الدولية لجريمة الإخفاء القسري في المادة ٧ من اتفاقية روما عام ٢٠٠٢ باعتبارها جريمة ضد الإنسانية ، وأكدت ذلك المحكمة الجنائية الدولية اليوغوسلافيا السابقة حيث وجدت في قضية كوبريسكيتش عام 2000 أنّ الاختفاء القسري يمكن وصفه جريمة ضد الإنسانية.

مما شجع ذلك الأمم المتحدة على تبني اتفاقية دولية تجرم الإخفاء القسري ففي 20 ديسمبر 2006، اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري.

ثانياً : خطورة جريمة الإخفاء القسري:

١. التعسف والتعذيب : تعرض الكثير من ضحايا الاختفاء القسري للاعتقال أو الاحتجاز التعسفي، وبعبارة أخرى، تم اعتقالهم أو احتجازهم دون أمر اعتقال ، ويكون الأشخاص المختفون عرضة للتعذيب بدرجة كبيرة لأنهم خارج حماية القانون تماماً، وعدم قدرة الضحايا على الوصول إلى سبل الانتصاف القانونية يضعهم في موقف مروع يجعلهم متجردين تماماً من إمكانية الدفاع عن أنفسهم.

٢. الوضع النفسي لعائلات المختفون قسرياً : تعاني عائلات وأصدقاء الأشخاص المختفين من اضطرابات نفسية بطيئة؛ لعدم معرفة ما إذا كان، ابنهم أو، ابنتهم، أو أمهم، أو أبوهم، لا يزالون على قيد الحياة، أو معرفة مكان احتجازه أو كيف يتم معاملته، وقد يؤدي البحث عن الحقيقة إلى تعريض الأسرة بأكملها لخطر كبير.

٣. أداة لإرهاب المجتمع : تكرر استخدام الاختفاء القسري كاستراتيجية لبث الرعب بين أفراد المجتمع؛ إذ لا يقتصر الشعور بانعدام الأمن والخوف الناجم عن الاختفاء القسري على أقارب الضحايا فحسب، بل يطال التجمعات المحلية والمجتمع بأكمله.

٤. إفقار العائلات: فإن الشخص المختفي هو في الغالب رب الأسرة الرئيسي، وهو الوحيد القادر على زراعة المحاصيل، أو إدارة العمل التجاري للأسرة. ويزداد الأمر سوءًا في بعض القوانين الوطنية التي لا تسمح لك بالحصول على معاش تقاعدي، أو تلقي دعم آخر بدون شهادة وفاة.

ثالثاً التعريف :

عرفت الاتفاقية الدولية لحماية جميع الاشخاص من جريمة الإخفاء القسري في المادة الثانية : (( يقصد ب‍ ”الاختفاء القسري“ الاعتقال أو الاحتجاز أو الاختطاف، أو أي شكل من أشكال الحرمان من الحرية يتم على أيدي موظفي الدولة، أو أشخاص أو مجموعات من الأفراد يتصرفون بإذن أو دعم من الدولة أو بموافقتها، ويعقبه رفض الاعتراف بحرمان الشخص من حريته أو إخفاء مصير الشخص المختفي أو مكان وجوده، مما يحرمه من حماية القانون)).

رابعاً عناصر الجريمة:

فمن خلال التعريف يمكن بوصلة عوامل اكتمال الجريمة الى عدة عناصر:

١- الحرمان من الحرية :

كل اختفاء قسري يبدأ بسلب حرية الضحية أنه “بموجـب

تعريف الاختفاء القسري الوارد في الإعلان، تبدأ الجريمة المقصودة بإلقاء القبض على الضحية ،أو احتجازها أو اختطافها رغماً عن إرادتها، ويعني هذا أن الاختفاء القسري قد يبدأ باحتجاز غير قانوني، أو بعملية إلقاء قبض، أو احتجاز كانت قانونية في البداية.

٢- مرتكبو الجريمة :

إنَّ حالات الاختفاء القسري لا تُعتبر اختفاءً قسرياً إلاّ عندما يكون مرتكبو الفعل المقصود عناصر فاعلة تابعة للدولـة أو أفـراداً عاديين أو مجموعات منظمة (كمجموعات شبه العسكرية) تتصرف باسم الحكومة أو بدعم(منها بصورة مباشرة أو غير مباشرة، أو برضاها).

٣- رفض الاعتراف بحرمان الشخص من حريته أو إخفاء مصير الشخص المختفي أو مكان وجوده:

طبقاً لتعريف الاختفاء القسري في القانون الدولي، فإن أحد العناصر المكونة للجريمة هو رفض الاعتراف بحرمان الضحية من حريتها، أو إخفاء مصيرها أو مكان وجودهـا، وفي

الواقع، يميّز هذا العنصر بين الاختفاء القسري وسائر الجـرائم الأخـرى، مثـل الاحتجـاز.

٤- حرمان الشخص المختفي من حماية القانون ونية الجناة:

تُبيّن جميع تعاريف الاختفاء القسري في القانون الدولي أن الضحية تُحرم من حمايـة القانون. وهذه الخصوصية المُميزة للاختفاء القسري يترتب عليها وقف تمتع الضحية بجميـع حقوقها الإنسانية وحرياتها الأخرى ووضعها في حالة استسلام كاملة، ولهذا علاقة وثيقة بحق كل فرد في الاعتراف به كشخص أمام القانون، وهو شرط أساسي للتمتع بـسائر حقـوق الإنسان الأخرى.

خامساً / جريمة الإخفاء من نظر المحكمة الجنائية الدولية:

فإن اكتمال عوامل تحقق جريمة تكون محط أنظار القانون الجنائي الدولي كما نوه عليه النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية في المادة السابعة الفقرة /ط : الاختفاء القسري للأشخاص ” إلقاء القبض على أي أشخاص، أو احتجازهم، أو اختطافهم من قبل دولة أو منظمة سياسية , أو بإذن، أو دعم منها لهذا الفعل، أو بسكوتها عليه , ثم رفضها الإقرار بحرمان هؤلاء الأشخاص من حريتهم، أو إعطاء معلومات عن مصيرهم، أو عن أماكن وجودهم بهدف حرمانهم من حماية القانون لفترة زمنية طويلة، وتستطيع المحكمة الجنائية الدولية أن تمارس اختصاصها الجنائي دولياً للحد من جريمة الاختفاء القسري بإحدى هذه الطرق وفقاً للمادة ١٣ من اتفاقية روما :

( أ ) إذا أحالت دولة طرف إلى المدعي العام وفقاً للمادة 14 حالة يبدو فيها أن وقوع جريمة اختفاء قسري .

(ب) إذا أحال مجلس الأمن, متصرفاً بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة , حالة إلى المدعي العام يبدو فيها أن جريمة أو أكثر من هذه الجرائم قد ارتكبت.

( ج) إذا كان المدعي العام قد بدأ بمباشرة تحقيق فيما يتعلق بجريمة من هذه الجرائم وفقاً للمادة 15.

سادساً : نظرة القانون العراقي لجريمة الإخفاء القسري:

أما من حيث الدالة، التعامل مع جريمة الإخفاء القسري في العراق فمركزه القانوني غير واضح بين قواعد الاتفاقيات الدولية، والقانون الجنائي العراقي :

حيث إن العراق وبسبب الحروب التي شهدها والنزاعات الداخلية والاقتتال الطائفي شهد موجة من الإخفاء القسري بشكل مروع وكثير من العوائل فقدت أحبتها، ولا تعلم بحال أبنائها المخفيين قسرياً .

فالعراق انضم رسمياً إلى(( الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري)) في 12/01/2010 وقد أقر بتنفيذ بنودها داخل التشريع الداخلي حيث إن هذا الانضمام صدر بتشريع قانوني ، وبما أن العراق عضو في هذه الاتفاقية فقد ألزمت الاتفاقية، الحكومة العراقية عدة التزامات:

ففي المادة الرابعة من الاتفاقية ألزمت الحكومة بتضمين الاتفاقية في القانون الجنائي إذ نصت:

((تتخذ كل دولة طرف التدابير اللازمة لكي يشكل الاختفاء القسري جريمة في قانونها الجنائي)).

ودعت إلى اتخاذ التدابير لتحميل المسؤولية على المجرمين ومسؤوليهم كما نصت على ذلك المادة ٦ / بند ١:

تتخذ كل دولة طرف التدابير اللازمة لتحميل المسؤولية الجنائية على أقل تقدير:

( أ) لكل من يرتكب جريمة الاختفاء القسري، أو يأمر أو يوصي بارتكابها أو يحاول ارتكابها، أو يكون متواطئًا، أو يشترك في ارتكابها.

( ب) الرئيس الذي:

كان على علم بأن أحد مرؤوسيه ممن يعملون تحت إمرته ورقابته الفعليتين قد ارتكب، أو كان على وشك ارتكاب جريمة الاختفاء القسري، أو تعمد إغفال معلومات كانت تدل على ذلك بوضوح؛ كان يمارس مسؤوليته ورقابته الفعليتين على الأنشطة التي ترتبط بها جريمة الاختفاء القسري؛ لم يتخذ كافة التدابير اللازمة والمعقولة التي كان بوسعه اتخاذها للحيلولة دون ارتكاب جريمة الاختفاء القسري أو قمع ارتكابها ،أو عرض الأمر على السلطات المختصة لأغراض التحقيق والملاحقة .

( ج) ليس في الفقرة الفرعية (ب) أعلاه إخلال بالقواعد ذات الصلة التي تنطوي على درجة أعلى من المسؤولية والواجبة التطبيق بموجب القانون الدولي على قائد عسكري، أو على أي شخص يقوم فعلًا مقام القائد العسكري.

كما ألزمت الحكومة العراقية بتضمين مواد عقابية على مرتكبي الجريمة فقد نصت المادة ٧ من الاتفاقية:

(( تفرض كل دولة طرف عقوبات ملائمة على جريمة الاختفاء القسري يُؤخذ في الاعتبار شدة جسامة هذه الجريمة)).

* وفيما يخص قانون العقوبات العراقي فإن قانون العقوبات العراقي الحالي رقم 111 لسنة 1969 المعدل يخلو من نص واضح وصريح يعرف جريمة الاختفاء القسري طبقا للتعريف الوارد في المادة (2) من اتفاقية الحماية من الإخفاء القسري .

ولكن هناك مجموعة من أفعال قد جرمها قانون العقوبات تندرج تحت وصف الاختفاء القسري من بينها (الخطف/ الاحتجاز/الاعتقال من دون أوامر قضائية) المرتكبة من قبل كيانات من غير الدول والمطبق على هذه الأفعال لا يختلف كثيراً عن النصوص الواردة في قانون العقوبات العراقي في المواد (322 و324 و421 و423 و424 و425 و426) كذلك المادة (92) من قانون أصول المحاكمات الجزائية رقم 23 لسنة 1971 التي نصت على أنه (لا يجوز القبض على أي شخص أو توقيفه إلا بمقتضى أمر صادر من قاضي، أو محكمة، أو في الأحوال التي يجيز فيها القانون ذلك). مع العلم أن نص المادة أعلاه يتطابق مع نص المادة (421) من قانون العقوبات المذكور آنفا حيث نصت على أنه (يعاقب بالحبس من قبض على شخص، أو حجزه، أو حرمه من حريته بأية وسيلة كانت بدون أمر سلطة مختصة في غير الأحوال التي تصرح فيها القوانين والأنظمة بذلك).

رغم ذلك فإن جريمة الاختفاء القسري في العراق ليست لها مدلول قانوني واضح وحقيقي على الرغم من تصديق العراق على اتفاقية حماية الأشخاص من الاختفاء القسري ومن ثم فإن هنالك خلل قانوني كبير يجب على السلطة التشريعية إدخال وصف تجريمي جديد طبقاً لمعطيات إلزامات الاتفاقية الدولية .

سابعا/ النتائج والتوصيات:

من خلال معطيات هذه الجريمة وتوصيفاتها في النطاقين الدولي والداخلي توصلنا إلى عدة نتائج وتوصيات:

١. هنالك إجماع دولي على خطورة هذه الجريمة، وعلى آثارها السلبية على الفرد والمجتمع.

٢. خطورة هذه الجريمة أنها تتفشى بشكل مستمر ففي تقرير لمنظمة العفو الدولية تعرض نحو 82 ألف شخص للاختفاء القسري في سوريا وحدها منذ عام 2011. وقد اختفت الغالبية العظمى منهم في شبكة مراكز الاحتجاز الحكومية، وحاولت عشرات الآلاف من العائلات اليائسة كشف مصير أقاربها المفقودين عبثًا، وفي يوليو/ تموز 2018، أكدت الحكومة السورية وفاة ما لا يقل عن 161 شخصاً عُلم اختفاؤهم قسراً منذ بداية النزاع.

٣. العراق يحتاج إلى تفاعل قانوني حقيقي بين القانون الدولي وقانون العقوبات العراقي، ويحتاج إلى تشريعات صريحة تجرم وتعاقب على هذه الجريمة.

٤. تزايدت ظاهرة هذه الجريمة بشكل مريع بالعراق خصوصاً معتقلي الرزازة، والصقلاوية، وجرف الصخر، ومعتقلي الحقبة الطائفية المختفين إلى الآن، فيجب على الحكومة أن تخصص آليات صارمة في معاقبة المجرمين وآليات دقيقة في البحث عن المفقودين.

٥. تعويض عوائل المفقودين والمخفين قسرياً مما لحق بهم من ضرر نفسي ومالي نتيجة اختفاء ذويهم عن الأنظار.

٦. إيجاد آليات تعاون مع المنظمات الإنسانية وإتاحة الفرص الحقيقية في تقديم الدعم للبحث عن المختفين قسريا، وأهم هذه المنظمات اللجنة الدولية للصليب الأحمر، و منظمة العفو الدولية ولجنة حقوق الإنسان في الأمم المتحدة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

انطلاق جولة جديدة من محادثات السلام السورية في جنيف

أعلن مبعوث الأمم المتحدة الخاص إلى سوريا جير بيدرسون أن الجولة الرابعة للجنة المصغرة لمناقشة …