أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات / الجولان والطريق إلى السلطة – ثمن الخيانة

الجولان والطريق إلى السلطة – ثمن الخيانة

معاذ السرّاج

باحث في تاريخ سورية المعاصر وشؤون الحركات الإسلامية
عرض مقالات الكاتب

مسألة ضياع الجولان على يد حافظ أسد والسلطة الطائفية, لا تنفك عن الفكرة الأعم في تجزئة ” البلاد السورية”, بمفهومها العريض, بلاد الشام, أو سورية الطبيعية, وفي هذا الإطار نفسه, لن يكون مستغربا أن يتم هذا الأمر بتعاون أو تواطؤ ضمني أو علني, بين إسرائيل الصهيونية, وهي الثمرة الأشد خبثا لمشروع التجزئة, وبين الذراع الطائفي لهذا المشروع, والذي تمثل بالمجموعة الطائفية وعلى رأسها صلاح جديد وحافظ أسد, ومن تحالف معها وشاركها في مختلف مساراتها, أيا كان, سيّان, أكان ذلك عن قناعة أم سذاجة.

من السذاجة بمكان, افتراض أن العفوية أو الفوضوية والارتجال هي وحدها ما كان يقف وراء فساد وسوء سياسات الحكام الجدد بعد انقلاب 8 آذار 1963, أو على الأقل فئة منهم كما بات معروفا لدى السوريين. وإذا كان ما حدث للسوريين على يد هؤلاء, من ملاحقات سياسية وقمع وعتقالات, ومن سياسات اقتصادية مرتجلة, وتجويع ومصادرة للغذاء ولاسيما القمح والحبوب، وحظر نقلها أو بيعها أو حتى استخدامها من قبل منتجيها أنفسهم, لسد حاجاتهم وحاجات  ذويهم من الخبز والغذاء,  تحت طائلة العقوبات المشددة، فماذا عسانا أن نقول عما فعله الحكام الجدد بحق مؤسسة الجيش وإضعافها وإنهاكها، بالتسريحات وإبعاد آلاف الضباط ذوي الخبرة والاختصاص تارة، والفساد الإداري والأخلاقي تارة ثانية, وسرقة ميزانياته لحساب الميليشيات الطائفية وجيوب الضباط تارة أخرى وليست أخيرة.

ناهيك عن سياسات الاعتقال وملاحقة المعارضين التي لم تتوقف حتى ما قبل كارثة حزيران بأشهر قليلة, حين كانت أعداد كبيرة من المعارضين الشرفاء, تحاكم بتهمة التآمر لقلب نظام الحكم, وأمام من؟؟ أمام محكمة عسكرية يترأسها مصطفى طلاس, الساعد الأيمن الوفي والمخلص, لوزير دفاعه حافظ أسد.

ليس من شأن هذه الورقة التعرض لتفاصيل هزيمة حزيران النكراء, والتي ستبقى عارًا على أولئك الذين هيئوا الظروف والأسباب كلها لتلك الكارثة, وقد تحدث عنها الكثير من الضباط والسياسيين والباحثين, من أمثال الدكتور سامي الجندي وهو قيادي ووزير بعثي سابق ، والدكتور محمد الزعبي وزير الإعلام حين وقوع الكارثة، وسعد جمعة رئيس وزراء الأردن في كتابه “المؤامرة ومعركة المصير”، والسفير دريد المفتي الذي تم اغتياله وذهب ضحية الكشف عن جانب من أسرار المعركة والاتصالات السرية عن طريق إسبانيا وما رافقها من خيانة وتفريط، ووزير الصحة الدكتور عبد الرحمن الأكتع الذي تلقى شتائم الأسد وتهديداته إن تحدث بما سمع ورأى، وكان في زيارة للقنيطرة حين أذاع الأسد بيانه الكاذب، وكذا شهادة صائب بارودي البعثي القومي القديم، وغيرهم, ويبقى الأهم في هذا كله ما كتبه الضابط مصطفى خليل بريز, في كتابه “سقوط الجولان”, الذي أمضى في الجولان خمس سنوات، تسلم خلالها مستويات مختلفة من المسؤولية، كان من أهمها: رئيس قسم الاستطلاع في قيادة الجبهة، وما احتواه الكتاب “الوثيقة”, من أقوال المؤلف وعرض المادة العلمية العسكرية, والواقع المرير, ممزوجين بالعاطفة الملتهبة في صراحة مذهلة كما قال أحد قادة الجولان عند تقديم الكتاب.

ومما قاله مصطفى خليل في مقدمة كتابه أن: “ما حدث كان مؤامرة متقنة، وجريمة مدبرة، أعدت قبل سنوات طوال, وإن الخطوة التي يجب أن تسبق الصلح مع إسرائيل, هي إقامة ديمقراطيات اشتراكية محل الحكومات الرجعية في الدول العربية”, وهو ما يتفق, كما ورد في مذكرات عدنان سعد الدين, مع  ما ذكره خالد العظم في الجزء الثالث من مذكراته، التي جاء فيها: “طالما بقيت الحكومات التي تستند في سلطاتها إلى مجلس نيابي، وإلى حرية الأحزاب والصحافة، فلن تعترف بإسرائيل أي حكومة، فلابد- كما ترى أمريكا على لسان العظم- والحالة هذه من المجيء بحكومات عسكرية تنفذ ما نريد دون رقيب أو حسيب، وهكذا بدأ مسلسل الانقلابات العسكرية في سورية فمصر فالعراق فالسودان فالجزائر.. الخ”.

–      بين الخيانة والتضليل.. سقوط قادة البعث:

هضبة الجولان, وكما يعرفها السوريون, وكما عرّفها مصطفى خليل, تعتبر الأهم  بين المحافظات السورية من حيث الأهمية العسكرية, وخصوبة الأرض, وتوافر المراعي على مدار السنة، وكثرة الكنوز الأثرية، وتوفر المياه العذبة والمعدنية، وكثافة الأحراج، وغزارة الأمطار، وكثرة الحيوانات وتنوعها، وفائض الفاكهة والخضار، والمنتجات الحيوانية, وعسل النحل والأسماك.

ويبلغ طول حدودها مع العدو ثمانين كم، ومساحتها 1800 كم مربعا، وكان يسكنها في تلك الفترة أكثر من مائة ألف نسمة، يضاف إليهم الألوف من العسكريين المرابطين على الجبهة وخطوطها الأمامية والخلفية.

من الناحية العسكرية, تحدث مصطفى خليل عن منعة جبهة الجولان وحصانتها الشديدة والفريدة من نوعها, “كل شبر من أرضها محصن بالنيران.. كل ثغرة بين موقعين دفاعيين، محمية بالألغام, والألغام مضروبة بالنيران.. على كل محور يمكن أن يتقدم منه العدو، حضرت الرمايات الهائلة من مختلف الأسلحة، وزرعت الأسلحة بكثافة تدعو للدهشة.. وكل ذلك من أجل ساعة خطر كالتي وقعت في حزيران العار.. لكن جيش معلمي المدارس هرب ولم يقاتل”.

تلك كانت هي الحقيقة.. أما التضليل فهو ما ارتكبه القادة الآثمون.. بعضهم عن سذاجة واندفاع.. لكن المؤكد أن هناك من تصرف عامدا عن علم ومعرفة تامّين كاملين, وإعداد مسبق, وعن عزم وتصميم..

حافظ أسد, وزير الدفاع وصانع الهزيمة, كثيرا ما تبجح بأن “جيشه سيلحق الهزيمة الماحقة بإسرائيل”، وأنه “قد أدخل في حسابه الأسطول الأمريكي في حال تدخله”، وتجرأ على الكذب البواح حين زعم أن الطيارين المسرّحين “لا يتجاوز عددهم أصابع اليد!!”, في حين أنه يعلم في قرارة نفسه أن السوريين على معرفة كاملة, بتصفية سلاح الجو السوري، وطرد معظم ضباطه وطياريه, ناهيك عن تصفية وتسريح واعتقال أكثر من ألفين وخمسمائة ضابط, هم قوام الجيش السوري المدرب والمحترف, وصاحب الخبرة والكفاءة.

حافظ أسد, وزير دفاع الهزيمة قال قبيل الحرب بفترة وجيزة: “إنه لا بد من تنفيذ ضربة تأديبية لإسرائيل تعيدها إلى صوابها، وتجعلها تركع ذليلة مدحورة، وتعيش في جو من الرعب والخوف يمنعها من أن تفكر ثانية في العدوان”.

فهل كان صادقا فيما قال..؟؟!!

إبراهيم ماخوس كان من أكثر المسؤولين البعثيين تبجحًا في تصريحاته العنترية, وخاصة بعد عودته من زيارة قام بها إلى القاهرة قبيل الحرب.

قائد الجبهة أحمد المير، قال إن العرب لم ينهزموا في معركة 1948 على أيدي الإسرائيليين، بل من قبل حكامنا الخونة، وفي هذه المرة لن نسمح لهم أن يفعلوا ذلك.

أما نور الدين الأتاسي رئيس الجمهورية المخدوع, وآخر من يعلم كما جرت العادة, فقد قال في حينها: “لقد دقت ساعة النصر على أعداء العروبة، وقد حفر الصهاينة المتآمرون مع الاستعمار قبورهم بأيديهم, عندما أغاروا على مصر بتخطيط ودعم الاستعمار العالمي.

أما رئيس الوزراء, يوسف زعيّن, فلم يشأ أن يفوته الموقف, فقال: “إن انحناء إسرائيل أمام الرد العربي الآن، ليس إلا بداية الطريق لتحرير فلسطين وتدمير إسرائيل، وإن الظروف اليوم أفضل من أي وقت مضى لخوض معركة المصير، وإن المسيرة إلى فلسطين, هي المسيرة لإسقاط الرجعية العربية والاستعمار والصهيونية إلى الأبد”.

لكن الواقع كان بخلاف ذلك كله, وعلى العكس منه تماما. عبر عنه مصطفى خليل, صاحب كتاب “سقوط الجولان”, بقوله:

“العصابة الحاكمة في دمشق سلمت الجولان بالتمام والكمال حسب اتفاق وكلاء البعث الطائفي مع وكلاء إسرائيل في باريس”.

–      من فصول الهزيمة:

بالرغم من أن نذر الحرب كانت بادية للعيان، وشارك فيها قادة البعث أنفسهم كما رأينا في تصريحاتهم العتيدة, إلا أن هذه القيادة لم تلجأ إلى التعبئة العامة، قامت بتجريد رجال المقاومة الشعبية من أسلحتهم، وسحب كل ما كان بحوزة السكان من سلاح وذخائر ولاسيما الأسلحة المتوسطة, وبدلا من التعبئة الشعبية وتوحيد الصفوف فإنها قامت بحملة اعتقالات واسعة شملت مئات من المعارضين من كافة المحافظات, وآثرت أن تدخل الحرب (المزعومة) بقوات هزيلة وباحتياط ضعيف، بعد أن افرغت الجيش من كوادره المحترفة والمدربة على مدى أربع سنوات من الملاحقات والاعتقالات والتصفيات, وأحلت محلهم كوادرها البعثية التي جمعتها من معلمي المدارس والموظفين البسطاء.

إن استعراضا سريعا لخسائر تلك الهزيمة يعطي فكرة واضحة حول ما حدث: هل كانت حربا, أم مهزلة؟ 20 ضابطًا و 125 جنديًا، وبضع مئات من الجرحى نصفهم من المدنيين, بالإضافة إلى مئات الأسرى, لكن أكثر تلك الخسائر جاء نتيجة أوامر الانسحاب الكيفي الذي أمر به قادة الجيش بعد قرار تسليم القنيطرة الذي أصدره وزير الدفاع حافظ أسد والذي دارت حوله نقاشات كثيرة.

ثلثا سلاح الطيران السوري دمر خلال ساعة واحدة وتم سحب الثلث الباقي بعيدا عن الجبهة.. الجيش لم يقم بأي هجوم فعلي, إما لأنه لم يصل إلى ساحة المعركة, أو لأنه لم يكن مستعدا كليا, كما أكدت كافة التقارير..

أجهزة الإشارة بنسبة كبيرة لم تكن صالحة للعمل, بسبب الإهمال, وإسنادها إلى  الاحتياطيين الذين لم يسبق لهم أي معرفة بالأجهزة, أو حتى رؤيتها من قبل.. وهكذا فقد القادة سيطرتهم على وحداتهم بسبب فقدان الاتصالات، واضطرب الاتصال بي الوحدات المقاتلة.. أثناء الانسحاب الكيفي تُكت كثير من الأسلحة في أماكنها, كما هي, أو كانت الوسيلة المثلى للهرب.. بعض الضباط الهاربين اختبأوا عند رعاة الأغنام, وبعضهم وصلوا على ظهور الحمير.. ومع هذا كله فإن هذه الهزيمة الشنعاء, لم تمنع بعضهم من التباهي والتفاخر بالمعارك الوهمية والبطولات الخلبية, وينقل الأخبار الكاذبة عن زملائه ورفاقه كشاهد عيان على معركة لم يشهد شيئا منها, بل لم تحدث بالأساس.. وكم نقل بعضهم عن ضباط وجنود بأنهم استشهدوا في أرض المعركة, وأنهم دفنوهم بأيديهم, ليتبين بعد ذلك أن هؤلاء لم يستشهدوا, وأن بعضهم كانوا أسرى لدى الصهاينة, وبعضهم تاهوا على الطريق, ليظهروا في أماكن بعيدة ونائية. 

صاحب كتاب سقوط الجولان يقول بمرارة: “إن وضع الجبهة بتحصيناتها المحكمة, لن يتيح للعدو احتلالها إلا إذا تمكن من إبادة القسم الأعظم من القوات المدافعة فيها، وهذا لم يحدث جراء الهروب وترك المواقع، باعتراف البعثيين والمسؤولين الإسرائيليين على السواء, وهذا يؤكد قولنا بأن القوات لم تصمد، ولم تقاتل، بل فرت وتركت الأرض للعدو ينهبها”

المراسلون الحربيون فضحوا مزاعم البلاغات السورية الكاذبة ، بل الوقحة في كذبها ، كما فضحها ثلة من السياسيين والعسكريين ، وعدد من البعثيين أنفسهم..  أحدهم, وهو أندرو ويلسون المراسل الحربي لجريدة الأوبزرفر اللندنية، وصف ما حدث بقوله: “إن النصر الإسرائيلي كان النصر المخطط الأكثر دقة منذ اجتياح هتلر لفرنسا عام 1940..” وقال: “على الجبهة الشمالية مع سورية، تحققت نبوءة المخططين الإسرائيليين، وقد كانت عمليات القوات السورية محدودة جدًا ، فلم يقم السوريون بأية عمليات حربية لمساعدة المصريين في الخروج من المأزق الذي وقعوا به، وانحصرت مساعيهم في هجومات محلية على مستعمرتي حدود إسرائيليتين..”

كان الاستيلاء على المواقع السورية العسكرية, يتم بكل سهولة ويسر, وحتى الألغام المزروعة في الوديان والمضائق الجبلة الوعرة, لم يجر تفجيرها, ولو حدث هذا لتعذر على العدو اجتيازها..

كوهين, الجاسوس الإسرائيلي الشهير, كان قد قدم خدمات كبرى عن الجيش السوري ومواقعه وتحصيناته, والأهم عن حالته المزرية التي وصل إليها في ظل حكم القادة الجدد, ووزير دفاعهم حافظ أسد.

رغم كل ذلك, فإن الحكام الجدد لم يتوقفوا عن التضليل ونشر البلاغات الكاذبة، واستخدام اللغة العنترية، والحديث عن المعارك الوهمية لا وجود لها على أرض الواقع. أجهزة الإعلام كانت تتحدث عن سيطرة سلاح الجو السوري على سماء المعركة، وعن سقوط طائرات العدو في سماء سورية وفرارها منها, بلغة عنترية, وتعابير ممجوجة إلى حد القرف والغثيان “ميراج طيارك هرب.. مهزوم من نصر العرب.. والميج يتحدى القدر..”

ابراهيم ماخوس, وزير خارجية الحكومة الثورية بدمشق, لديه كل الجرأة ليقول في اليوم التالي للهجوم الصهيوني, في 6 حزيران, بأن سورية أسقطت في الخامس من حزيران 150 طائرة.. هكذا.

أما نور الدين الأتاسي رئيس الجمهورية فيقول بملء فيه: “إن الجيش السوري وضع كل قواه الضاربة في لهيب المعركة، وإن نسورنا (البواسل), يدمرون منشآت العدو ومدنه، وهم في طريقهم لتحرير الأرض المقدسة”.

أما جريدتا الثورة والبعث, لسان حال الحكام الجدد, فلم تخجلا من وصف القتال (المزعوم) مع العدو, بأنه “أشرف قتال عرفه التاريخ الحديث”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

حاجتنا إلى التحرر الذاتي

د. عطية عدلان مدير مركز (محكمات) للبحوث والدراسات – اسطنبول الحمد لله .. …