أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات / صلاح الدين الأيوبي وجهوده في القضاء على الدولة الفاطمية وتحرير بيت المقدس (2)

صلاح الدين الأيوبي وجهوده في القضاء على الدولة الفاطمية وتحرير بيت المقدس (2)

د. علي محمّد الصلابيّ

عرض مقالات الكاتب

الدافع الديني كمحرك للحروب الصليبية

كان المجتمع الأوروبي في هذه الفترة تسوده المنازعات ، والحروب المحلية بين الأمراء الإقطاعيين ، ممَّا ساعد على ازدياد سوء الأحوال الاقتصادية ، والاجتماعية في الغرب الأوروبي  ، كما كان للصراعات القائمة بين رأسي العالم المسيحي الغربي حينذاك ـ وهما: البابا ، والإمبراطور ـ أثر كبير في مجريات الأحداث الأوروبية ، فلقد بلغت البابوية درجةً عظيمةً من القوة ، واتساع النفوذ في هذه الفترة ، مما فتح أمامها المجال لكي تصبح القوة العالمية؛ بمعنى: أن يكون البابا هو الزعيم الروحي لجميع المسيحين في الشرق ، والغرب على حدٍّ سواء  ، بجانب الخلافات المستمرة الموجودة بين الكنيستين الأرثوذكسية الشرقية، والكاثوليكية الغربية؛ إذ أصرت كلٌّ منهما على أن تسود وجهة نظرها ، وأن تكون لها الأولوية على الأخرى ، ولهذا السبب عندما عرضت فكرة الحرب المقدسة على البابا أوربان الثاني (471 ـ 491هـ) (1078 ـ 1097م) وجد في تنفيذها فرصةً كبيرة لإنهاء الخلاف بين الكنيستين ، والسيطرة على الكنيسة الأرثوذكسية الشرقية ، وإدماجها في الكنيسة الغربية تحت زعامته ، على أن يتمَّ ذلك كلُّه تحت ستار محاربة المسلمين ، وحماية البيزنطيين ، واسترداد الأراضي في فلسطين .

هذا بالإضافة إلى أغراض أخرى عديدة كانت البابوية ترغب في تحقيقها من وراء تمسُّكها بفكرة الحرب المقدسة، منها: التخلص من نفوذ كبار رجال الإقطاع في الغرب ، وإنهاء الحروب المستمرة عن طريق توجيه هذه الطاقات، واستغلالها في الحرب المقدَّسة ، علَّها تفتح لهم بذلك منفذاً لحياة أفضل في الشرق بدون منازعات  وقد اختلفت الآراء في تفسير طبيعة الحركة الصليبية ، والدوافع الكامنة وراءها ، فمنها ما هو ماديٌّ ، والبعض يرى: أنَّها وليدة الحماس، أو التعصب الديني؛ التي عرفت بها أوروبا في العصور الوسطى ، وأنَّ الباعث الحقيقي لتلك الحروب كان في الواقع هو الهوس الديني الممزوج بأغراض أخرى ، كالميل إلى تأسيس ممالك جديدة ، والحصول على الثروات الطائلة ، وقد اعتبر غالبية المؤرخين القدامى ، والحديثين تلك الحروب: أنها حروب دينية ، وأنَّ العامل الديني كان الدافع الأساسي وراءها من أجل استعادة قبر المسيح على حدِّ زعمهم ، والأراضي المقدَّسة من ايدي المسلمين هناك ، والآخرون يعتبرونها أحد مظاهر التوسع الاقتصادي الاستعماري في العصور الوسطى. وحقيقة الأمر: أنَّ الحروب الصليبية كانت نتيجةً لتفاعل هذه العوامل مجتمعة؛ لأنها قامت لأسباب سياسية ، واقتصادية ، واجتماعية، واتَّخذت الدِّين وقوداً ، أو وسيلة لإخفاء أغراضها المذكورة ، ولا يمكن التقليل من الدَّافع الديني في تلك الحروب بأيِّ وجهٍ من الوجوه.

كان الدافع الديني من الأسباب الرئيسية التي دفعت بالجموع الصليبية إلى قلب المعركة، فقد كان شعار الحروب الصليبية، وممَّا يُظهر أهمية الجانب الديني: أنهم قد وضعوا إشارة الصليب على أسلحتهم، والأمتعة الخاصة بهم، وقصدوا فلسطين بالذَّات ، وقد كانت حركة الإحياء الديني قد ظهرت في غرب أوروبا في القرن العاشر الميلادي، وبلغت أشدَّها في القرن الحادي عشر، وقد أدت إلى تقوية مركز البابوية، وإثارة الحماسة الدينية في نفوس الناس، هذه الحماسة استغلتها الكنيسية في متنفس خارجي، وعندما ما ظهرت فكرة الحرب الصليبية؛ اتخذت الكنائس الغرب الأوروبي ميداناً واسعاً لاستغلال نشاطه المكبوت، وحماسته المنطلقة وكان ذلك باسم تخليص القدس من أيدي المسلمين .

ومن أشهر من تبنى الدعوة إلى الحروب الصليبية هو البابا «أوربان الثاني» والذي يعتبر المسؤول الأول عن الترويج لحرب المسلمين ، والتحريض على إرسال الحملة الأولى إلى بلاد الشام ، وكانت الظروف مهيأةً ، فسارع إلى عقد اجتماع في مدينة (كليرمنت) في فرنسا، واستمر المؤتمر عشرة أيام، ضره أكثر من ثلاثمئة من رجال الكنيسة ، كما حضره أمراء من مختلف أنحاء أوروبا ، ومندوبون عن الإمبراطور البيزنطي ، وممثلون عن المدن الإيطالية… واستطاع البابا أن يثير حماس السامعين في «خطابه» فتجاوب في أرجاء المجتمع هتاف بترديد عبارة «هكذا أراد الله» وبادر الحاضرون إلى اتخاذ الصليب شارةً لهم، كما أنَّ البابا أشار إلى ما أسماه بالخطر الإسلامي المحدق بأوروبا من جهة القسطنطينية ، وأعلن: أنَّ النصارى في المشرق يعانون من ظلم المسلمين، وأنَّ الكنائس، والأديرة، قد أصابها الدَّمار ، وحثَّ الحاضرين على الانتقام من المسلمين . والحقيقة إنَّ ما أثاره البابا من تعرض نصارى المشرق إلى اضطهاد هو ادعاء باطل ، لا يتفق وروح الإسلام ، وطبيعة الدعوة إليه ، وما أحاط النصارى به من رعاية وعناية .

وكان من الشعارات التي رفعت في هذه الحرب: أنَّ الحجاج من النصارى كانوا يتعرضون للاضطهاد، والعدوان؛ وهم في طريقهم إلى بيت المقدس ـ قبيل الحروب الصليبية. وهذا ادعاء باطل كذلك . يقول أحد كبار المؤرخين الأوروبيين: إنَّ حالات الاضطهاد الفردية التي تعرض لها المسيحيون في البلدان الإسلامية في الشرق الأدنى بالذات لا يصح أن تتخذ بأيِّ حالٍ سببا حقيقياً للحركة الصليبية؛ لأنَّ المسيحيين بوجه عام تمتعوا بقسط وافر من الحرية الدينية ، وغير الدينية في ظلِّ الحكم الإسلامي، فلم يسمح لهم فقط بالاحتفاظ بكنائسهم القديمة ، وإنما سمح لهم ايضاً بتشييد كنائس ، وأديرة جديدة ، جمعوا في مكتباتها كتباً دينيةً متنوعةً في اللاهوت . كما أنَّ الادعاء بتخريب الكنائس ، وهدم الأديرة ، أو مصادرتها لم يقم عليه دليل ، وإنما هي شائعات دور الدعاية الباطلة لفتح جبهة على المسلمين ، وأهمية إعطاء الدور الإعلامي عنه ربما أدى إليه تصرف بعينه في قرية بعينها ، لا يمكن بحال من الأحوال أن يعتبر هو الأصل في معاملة المسلمين للمسيحيين ، وكنائسهم في البلاد الإسلامية .

ويقرر أكثر من مؤرخ منصف: أنَّ النصارى الذين خضعوا لحكم السلاجقة كانوا أسعد حالاً من إخوانهم الذين عاشوا في قلب الإمبراطورية البيزنطية ذاتها ، وما وجد أيُّ دليل على اضطهاد السلاجقة للنصارى في المشرق . إلا أن صيحات البابا كانت محمومةً حاقدةً ، لا تعقل ، ولا تفكر في العواقب الوخيمة لتصريحاته الرعناء ، وإلا ماذا يعني قوله لأتباعه: اذهبوا ، وأزعجوا البرابرة ، وخلِّصوا البلاد المقدسة من الكفار ، وامتلكوها لأنفسكم ، فإنها كما تقول التوراة: تفيض لبناً ، وعسلاً .

وقد وعد البابا الجموع المشاركين بالحرب برفع العقوبات عن المذنبين منهم ، وبإعفائهم من الضرائب ، كما وعدهم برعاية الكنيسة لأسرهم مدة غيابهم . ولعلَّ ما يدخل ضمن الدافع الديني أيضاً: أنَّه ذاعت في الغرب أخبار الكرامات ، والمعجزات التي بثتها الكنيسة ، وساد الاعتقاد بأن نزول المسيح ثانيةً إلى الأرض أصبح وشيكاً، ولا بدَّ من المضيِّ في الاستغفار ، وعمل الخير قبل هبوطه ، كما ساد تصور ، مفاده: أنه ينبغي استرداد الأرض قبل عودة المسيح. وقد أدرك البابا أن فورة الحماس الديني لن تستمرَّ طويلاً ، فدعاً إلى القسم بأن تؤدى الصلاة في كنيسة القيامة ، واشاع: أنَّ اللعنة (سيف النقمة) ستحل على كلِّ من يستولي عليه الجبن ، والضعف ، أو نكص على عقبيه ، وهدَّد بأن يتعرَّض كلُّ من لا يلبي نداء الكنيسة بالتوجه صوب الديار الإسلامية بالحرمان من الكنيسة. وهذا من دهائه ، وقدرته على توظيف العواطف ، والمشاعر لخدمة مشروعه. لقد أثرت الكنيسة لما لها من سلطان على قلوب الناس في غرب أوروبا في تلك العصور على الدَّعوة لهذه الغزوة ، وترتب على دعوة الكنيسة خروج الناس أفواجاً في حملات صليبية ضخمة متلاحقة إلى المشرق الإسلامي ، ولا ننسى الحقد الصليبي على الإسلام ، وأهله ، فقد انتزع من أيديهم أرضاً كانت تحت سلطتهم ، وحرَّر منهم عبيداً كانوا يرزحون تحت وطأتهم ، واستلب منهم ملكاً كان في قبضتهم ، فغلت مراجل الحقد في صدورهم ، وتأججت نار العداوة في قلوبهم ، وأخذوا يتحيَّنون الفرص؛ ليستردوا ما فقدوا ، وينتقموا لأنفسهم ممن نكبوهم ، ومزقوا مملكتهم .

وهذا المستشرق المشهور الأمير ليون كايتاني (1869 إلى 1926م) الذي بذل معظم أمواله ليؤرخ الفتح الإسلامي في كتابه المعروف: «حوليات الإسلام» يوضح لنا سر الحقد على الإسلام، والمسلمين في مقدمة كتابه؛ حيث يقول: إنه إنما يريد أن يفهم من عمله ذاك سر المصيبة الإسلامية (كانا ستروفيكا إسلاميكا) التي انتزعت من الدين المسيحي ملايين من الأتباع في شتى أنحاء الأرض ما يزالون يدينون برسالة محمد ، ويؤمنون به نبياً ورسولاً، قال تعالى: {وَلَن تَرۡضَىٰ عَنكَ ٱلۡيَهُودُ وَلَا ٱلنَّصَٰرَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمۡۗ قُلۡ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلۡهُدَىٰۗ وَلَئِنِ ٱتَّبَعۡتَ أَهۡوَآءَهُم بَعۡدَ ٱلَّذِي جَآءَكَ مِنَ ٱلۡعِلۡمِ مَا لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن وَلِيّٖ وَلَا نَصِيرٍ ١٢٠} [البقرة: 120]، وقال تعالى: {وَلَا يَزَالُونَ يُقَٰتِلُونَكُمۡ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمۡ عَن دِينِكُمۡ إِنِ ٱسۡتَطَٰعُواْۚ وَمَن يَرۡتَدِدۡ مِنكُمۡ عَن دِينِهِۦ فَيَمُتۡ وَهُوَ كَافِرٞ فَأُوْلَٰٓئِكَ حَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ٢١٧} [البقرة: 217].

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

قضية للنقاش

د. محمد عياش الكبيسي أكاديمي عراقي يستند (الإسلام السياسي) إلى مقولات ينبغي أن …