أخبار عاجلة

“الإمام الثاني عشر”: عقيدة “المخلِّص” في الصِّراع الصُّهيوني-الصَّفوي على حُكم العالم 2 من 4

د. محمد عبد المحسن مصطفى عبد الرحمن

أكاديمي مصري.
عرض مقالات الكاتب

لمحة عن عقيدة غيبة المهدي وأوان ظهوره وفق المعتقَد الشِّيعي

لم ينم نجَّار بعد نجاته من الاغتيال، وبدأ يتعجَّب “هل كان الله يناديه…هل أرسل ملائكة لتحميه، ولتتحدَّث معه؟ هل فعلًا وقع عليه الاختيار لمعرفة الإمام الموعود وخدمته؟ لا يمكن ذلك. فليس له أبوان، ولا مال، ولا مرجعيَّات دينيَّة في أسرته، ولا سُلطة سياسيَّة، ولا أصدقاء من أصحاب النفوذ، ومن ثمَّ لا يوجد سبب واحد يلفت إليه نظر الإمام المهدي، عليه السَّلام، ولكن كيف له أن يفسِّر تلك السلسلة من الأحداث الغريبة؟” (ص93). كان نجَّار مولعًا بالقراءة، وكان الدكتور علي رضا برجندي، أحد أشهر المرجعيَّات الشِّيعيَّة والباحث في مجال علم نهاية الزَّمان (Eschatology)، من أقرب الكُتَّاب إليه، ويعتبر كتابه أئمَّة التَّاريخ وظهور المسيَّا من الروائع، وهو يتناول سيرة الاثني عشر إمامًا، إلَّا أنَّ القسم الخاص بالإمام المهدي يثير اهتمامه على وجه الخصوص (ص96). يوضح الدكتور برجندي في كتابه أنَّ الإمام المهدي، واسمه محمَّد بن الحسن العسكري، لم يكن شخصيَّة وهميَّة، إنَّما هو شخص فعلي الوجود، وُلد في مدينة سامرَّاء العراقيَّة تقريبًا عام 868 ميلاديًّا، وهو منحدر من نسل مؤسس الإسلام، وقد وقع عليه الاختيار الإلهي، مثل أسلافه، ليكون مرشدًا روحيًّا للبشر. غير أنَّ المهدي اضطرَّ للانسحاب من المجتمع البشري في عُمرٍ يتراوح بين 4 و6 سنوات، ويُقال أنَّه لجأ إلى سرداب في سامرَّاء، بمفرده أو بمساعدة أمِّه، هربًا من بطش الحكَّام حينها، ليغيب منذ ذلك الحين عن الأعين بصورة خارقة للطبيعة؛ من هنا، صار المهدي معروفًا بـ “الإمام الغائب”، وسيعود في آخر الزَّمان لمَّا يأذن الله بذلك.

يراجع نجَّار ما ورد في كتاب أئمَّة التَّاريخ وظهور المسيَّا عن ظهور المهدي، ليصل إلى فقرة تقول “سيعود المهدي حينما تُكتب آخر صفحات التَّاريخ بالدَّم والنَّار…سيكون زمنًا هرج ومرج وحيرة، زمنًا سيحتاج المسلمون فيه إلى الإيمان والشجاعة أكثر من كلِّ ما مضى. يقول البعض سيتحتَّم على كلِّ الكافرين-خاصَّة اليهود والنَّصارى-إمَّا دخول الإسلام، وإلَّا كان مصيرهم الإبادة، قبل أن يظهر الإمام ويبدأ عصرًا من الاستقامة والعدالة والسَّلام. يقول مسلمون آخرون ينبغي إعداد العُدَّة من أجل إبادة اليهود والنَّصارى، ولكن سيُنجز المهدي المهمَّة بنفسه. لكن اعلموا أيُّها المؤمنون: سيصطحب الإمام الموعود عند مجيئه عيسى، بوصفه معاونه، وسيأمر عيسى بدوره الباقين من أهل الكُفر بالإيمان بالمهدي، أو الموت” (ص95). يواصل نجَّار القراءة عن ظهور المهدي، ويستوقفه مكان ظهوره، الذي تتعدَّد الأقاويل عنه، ما بين مكَّة وسرداب سامرَّاء ليتوجَّه منه إلى مكَّة، وبعد ذلك يغزو إمبراطوريَّات العالم ليُخضعها لسُلطانه. تستوقف نجَّار عبارة تجعله يرتعد عند قراءتها، وهي “ينبغي على كلِّ مسلم أن يستعدَّ لظهوره، فهو آتٍ بمجد وقوَّة خارقة، وبجحيم النَّار الرَّهيب لمَن يعصيه أو يقف في طريقه” (ص95-96).

يسترجع نجَّار ما حدث حينما صادف طفلًا غريبًا بشَّره بأنَّه سيكون من خاصَّة الإمام الموعود، ويتساءل “ماذا لو ظهر الإمام قريبًا؟ هل سيكون مصيره الجحيم؟ هل سيكون ممَّن سيُصبُّ من فوق رأسهم الحميم يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ، يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (سورة الحجِّ: آيتان 19-20)؟”. يقرِّر نجَّار تغيير مسار حياته، بعد أن واجه نفسه بتنصُّله من مسؤوليَّة الاستعداد لظهور المهدي، وبابتعاده عن تعاليم القرآن الكريم، منذ أن صار من أتباع الإمام في سنِّ العاشرة (ص96). غير أنَّ المعضلة تكمن في عدم قدرته على اتِّخاذ المسار الأصحِّ.

تأثير أحداث 11 سبتمبر على حياة مسلمي الغرب

تبدأ مرحلة جديدة في علاقة ديفيد ومارسيل بعد سقوط أمِّها ضمن ضحايا تفجير برجي مركز التِّجارة العالمي في مدينة نيويورك الأمريكيَّة، يوم 11 سبتمبر 2001 ميلاديًّا، حيث كانت تعمل في البرج الجنوبي. يصوِّر روزنبرغ وضعًا مُحزنًا لأسرة هاربر بعد وفاة الزَّوجة في الحادث المأسوي، حيث يُصاب الزَّوج بالاكتئاب والعجز عن تدبير شئونه الحياتيَّة بعد رحيلها، ممَّا يدفعه إلى الاستقالة من عمله، والانتقال مع مارسيل إلى مزرعة في ولاية أخرى بعيدة عن نيويورك؛ وهكذا، اختفت مارسيل من حياة ديفيد، والسبب العمل الإرهابي.

يتعرَّض ديفيد لإهانات متكرِّرة من زملائه في فريق الكرة بسبب انتمائه إلى العالم الإسلامي، وبرغم أنَّه شيعي، وليس سُنِّي، وأنَّ موطنه الأصلي إيران، وليس أفغانستان أو باكستان، حيث يُعتقد أنَّ الأحداث دُبِّرت، فقد سُبَّ بـ “راكب الجمل”، و “ابن عاهرة مسلمة” (ص116). يعلِّق روزنبرغ على ذلك بقوله “لا يهم إذا كان هو وعائلته من الشِّيعة، وليسوا وهَّابيِّين مثل أسامة بن لادن أو سُنِّيِّين مثل محمَّد عطا، قائد خاطفي الطائرات في أحداث 11/9. لا يهم إذا كان ديفيد وُلد وتربَّى في أمريكا، ويؤيِّد القوَّات الأمريكيَّة التي تقاتل تنظيمي القاعدة وطالبان أكثر من أيِّ طالب في المدرسة”؛ فتنصيف المسلمين بوصفهم متطرِّفي الفكر والعقيدة هو الشَّائع، دون مراعاة لأيِّ اعتبار (ص117). يُستفزُّ ديفيد من بعض أعضاء فريق الكرة، فيدخل معهم في عراك، يسفر عن تعرُّض اثنين لإصابات بالغة، ممَّا يتسبب في تسليمه إلى الشُّرطة، وإيداعه السجن رهن المحاكمة. يضطر ديفيد في ذلك الوضع الحرج إلى إعادة النظر في حياته الشخصيَّة، والوقوف على المسار الصحيح الذي كان ينبغي أن يتَّخذه، بعد أن أثبت للجميع، بما فيهم شخصه، أنَّه يتَّصف بالعُنف والميل إلى الاعتداء على الآخرين، تمامًا كما يُصنَّف المسلمون الذين ينتمي إليهم أصلًا، لكنَّه يخالفهم فكرًا واعتقادًا. يشعر ديفيد بحدوث مفارقة عجيبة، وهي أنَّه أودع السَّجن، تمامًا مثل المتَّهمين في قضايا العنف والتخريب وتهديد السِّلم والأمن العام، بينما ما أوصله إلى السَّجن كان التنمُّر الذي لاقاه من أقرانه ممَّن آلمتهم أحداث 11 سبتمبر، فصبُّوا غضبهم على زميلهم المسلم أصلًا والأمريكي انتماءً. يحدِّد ديفيد عدوَّه الحقيقي، كما يرشده تفكيره، وهو “حقبة أسامة بن لادن…زعيم تنظيم القاعدة الإرهابي، التنظيم الإرهابي المدبِّر لهجمات 11/9. بن لادن هو من جنَّد خاطفي الطائرات الـ 19، وأخضعهم للتدريب، وموَّلهم، وأطلقهم لخطف الطائرات الأمريكيَّة الأربع وتحويلها إلى قاذفات. بن لادن كذلك هو قاتل السيِّدة هاربر”، أي هو السبب كذلك في تفريقه عن الفتاة التي أحبَّها، وهجرته بعد موت أمِّها إلى مكان بعيد بعد إصابة أبيها بالصَّدمة والاكتئاب (ص119).

يبقى ديفيد لأسابيع محتجزًا، ثمَّ يفاجأ بأحد المحقِقين ذات يوم يعطيه عددًا من مجلَّة يو إس نيوز آند وورد ريبورت (U.S. News & World Report)، للاطلاع على خبر عن حاجة وكالة المخابرات الأمريكيَّة إلى “جيل جديد من الجواسيس” تقتضي الحاجة إلى “التصدِّي إلى أعداء أمريكا، والإجهاز على الإرهابيِّين وغيرهم من الأشرار في العالم” تعيينهم (ص140). يطلب المحقِّق من ديفيد الانضمام إلى وكالة المخابرات الأمريكيَّة، بفضل تفوُّقه الدراسي، وإتقانه الفارسيَّة والألمانيَّة والفرنسيَّة، إلى جانب معرفته نصيبًا من العربيَّة يمكن تحسينه بمرور الوقت لإقناع العرب بأنَّه منهم. أمَّا عن المهمَّة المنتظَر تكليف ديفيد بها فكانت “الإيقاع بأسامة بن لادن” (ص142). يكشف المحقِّق هويَّته خلال الحوار، ليصرِّح بأنَّه زاك زالنسكي، عميل وكالة المخابرات الأمريكيَّة الذي هرَّب أبويه من طهران عام 1979 ميلاديًّا. يواجه زالنسكي ديفيد بأنَّ مستقبله صار على المحك، بعد طرده من المدرسة، وصار من الأنسب الخضوع إلى الإعداد لقيام بعمليَّات تخدم وكالة المخابرات، بعد اختلاق “قصَّة غطائيَّة” (cover story) تخفي هويَّته الحقيقيَّة، ليصير جاهزًا في بعض سنين لمهمَّة الإيقاع بأسامة بن لادن؛ ولا يجد ديفيد، المراهق ابن السادسة عشرة، حلًّا لإنقاذ مستقبله سوى الموافقة (ص143).

عوامل أوصلت المسلمين إلى التطرُّف في رأي روزنبرغ

ينتقل ديفيد إلى مدرسة في ولاية ألباما، بمساعدة زالنسكي، وينهمك في دراسة التَّاريخ، مانحًا جُلَّ تركيزه إلى الاطِّلاع على سيرة أسامة بن لادن، ليندهش من عدم توافُق زعيم تنظيم القاعدة مع النمط المعهود للإرهابيِّين؛ فهو لم يكن شابًّا، كما لم يكن فقيرًا أو جاهلًا، كما لم ينحدر من أسرة ضالعة في أعمال عُنف أو عتيدة في الإجرام؛ فوالد أسامة ملياردير يمتلك إحدى أكبر شركات الإنشاءات في المملكة العربيَّة السَّعوديَّة. ما يستوقف ديفيد من أسباب أدَّت إلى انحراف أسامة بن لادن وتطرُّفه يأتي في مقدِّمته غياب العناية الأبويَّة؛ بأن وُلد لأب مزواج، تزوَّج 21 امرأة، من بينهم عالية، أمِّ أسامة، الفلسطينيَّة، التي قابلها وقت مباشرته إجراء تجديد في مصلَّى قُبَّة الصخرة التابع للمسجد الأقصى المبارك، وطلَّقها وأسامة لم يتجاوز الخامسة من العمر، لتربِّيه أمٌّ عزباء في المجتمع السَّعودي “الجامد، والكاره للمرأة، والمتعصِّب” (ص146). لم يمر على الطلاق زمن طويل حتَّى مات والد أسامة في حادث تحطُّم طائرة؛ وبنفس الطَّريقة، مات سالم، أخ أسامة، ليتعجَّب ديفيد ممَّا إذا كانت تلك الذكرة بما تستتبعه من ألم نفسي وراء غرس “فكرة الطَّائرات والموت في قلب أسامة” (ص146).

 يواصل الروائي تقديم سيرة أسامة بن لادن، مشيرًا إلى أنَّ تحوُّله إلى الفكر الجهادي، ربَّما جاء على يد مدرِّس للألعاب الرياضيَّة، تقرَّب إليه في دراسته الثانويَّة، وكان المدرِّس في الأصل عضوًا في جماعة الإخوان المسلمين، التي تأسَّست في مصر عام 1928 ميلاديًّا. تأثَّر أسامة بأفكار مدرِّسه عن انتشار “الرِّدَّة” في العالم الإسلامي، وتقييدها مساعي “الجهاد الحقيقي في مواجهة اليهود والنَّصارى” (ص146). أدرك ديفيد صحَّة أفكار مدرِّس الألعاب، بعد “الهزيمة الحاسمة للمسلمين في مصر وسوريا على يد يهود إسرائيل في حرب يوم كيبور”، أو حرب أكتوبر 1973 ميلاديًّا، برغم ما يُعرف عن انتصار الجيش المصري في تلك المعركة، التي فتحت مجال التفاوض السِّلمي لاحقًا في اتفاقيَّات كامب ديفيد عام 1978 ميلاديًّا. بدأ أسامة في قراءة مؤلَّفات سيِّد قطب، منظِّر جماعة الإخوان المسلمين، وازداد حماسة الجهادي بعد اندلاع الثَّورة الإسلاميَّة إيران، ليس تأثُّرًا بعقيدة الخميني المخالفة لعقيدة أهل السُّنَّة، إنَّما اتِّباعًا لمساره وسعيًا لتحقيق شيء ممَّا أنجزه. يعتقد ديفيد أنَّ أسامة بن لادن كره حياة الرَّغد والثَّراء وما يرتبط بها من متاع دُنيويٍّ زائل، وآثر “طريق الحياة الأبديَّة”، ظنًّا منه أنَّ “السَّعادة ليست في الحياة المريحة، إنَّما في حياة الجهاد” (ص148).

الأوضاع داخل إيران مطلع الألفيَّة الثَّالثة

ينتقل بنا روزنبرغ إلى المشهد السياسي الإيراني في أعقاب أحداث 11 سبتمبر، بنقل بؤرة التركيز إلى حميد الحسيني، الشخصيَّة الوهميَّة الموازية لشخص علي خامنئي، خليفة روح الله الخميني في شغْل منصب المرشد الأعلى للثَّورة الإسلاميَّة. غير أنَّ خامنئي خلف الخميني في شغْل منصب المرشد الأعلى للثَّورة منذ وفاة الأخير في يونيو من عام 1989 ميلاديًّا، بينما تشير الأحداث إلى وصول الحسيني إلى ذلك المنصب في يناير من عام 2002 ميلاديًّا، بعد وفاة أحد أعضاء مجلس خبراء القيادة الإيراني، المكوَّن من 86 عضوًا. يَعتبِر الحسيني أنَّ الحظَّ حالفه في تلك الفترة بما لن يكن يتصوَّره؛ فقد تسلَّط الاهتمام العالمي بعيدًا عنه، على أمور كثيرة، من بينها “البحث عن أسامة بن لادن والحرب في أفغانستان، ومساعي كوريا الشَّماليَّة لتطوير أسلحة نوويَّة، وارتفاع أسعار النَّفط بالتزامن مع ضعف الاقتصاد العالمي” (ص120). لم يكن الحسيني يطمح إلى ذلك المنصب، لكنَّه كان يعلم سبب وصوله إليه؛ إنَّه الاختيار الإلهي “لكي ينتقم لمقتل مولاه، ويمهِّد الطريق لظهور الإمام الثاني عشر. اقتضى ذلك، كما كان يعرف، استئصال شأفة الولايات المتَّحدة وإسرائيل” (ص120).

يعود الحسيني إلى بيته بعد يوم طويل من الاحتفالات والخطابات والقاءات، ليبدأ في مناجاة ربِّه والدعاء “اللهمَّ عجِّل بظهور آخر أمنائك، الإمام الموعود، الإنسان الكامل النقي، الذي سيملأ الأرض قسطًا وعدلًا. اللهمَّ اجعلنا جديرين بتمهيد الطريق لظهوره، واهدنا بيد برِّك. نشتاق إلى صاحب الزَّمان. نشتاق إلى المنتظَر. بدونه، وهو المهديُّ على حقٍّ، لا سبيل للنصر. ومعه، لا يمكن الانهزام. اهدني إلى طريقك، ربِّي العظيم، واستعملني في إعداد الطريق لظهور المهدي” (ص121). يستغرق الحسيني في حلم، يستعيد من خلاله ذكرياته مع أبنائه الثلاثة، وقتما كان يفطرهم منذ الطفولة على اتِّخاذ اليهود والنَّصارى أعداءً، حتَّى يفيق على نحيب زوجته، التي توبِّخه على صنيعه بهم، بأن أرسله بيده إلى “حقل ألغام”، حينما كلَّفهم بمهمَّة انتحاريَّة بتفجير أنفسهم “ليمهِّد السبيل أمام دبابات إيران وقوَّاتها لقتل العراقيِّين”؛ تتساءل الزَّوجة “لو أنَّ هذا هو الإسلام، لا أريده مطلقًا…أنتم مرضى، جميعكم مرضى. هذا دينكم وليس ديني. أكرهكم، أكره كلَّ مَن يفعلون هذا الشَّر” (ص130). يسبُّ الحسيني زوجته وينعتها بـ “الكافرة” بسبب هذا التوبيخ، معتبرًا أبناءه “أبطالًا، شهداءً” يمجِّد ذكراهم (ص130). لن يتمالك الحسيني نفسه أمام تقريع زوجته المتواصل، برغم مرور 18 عامًا على واقعة موت أبنائهم، خلال الحرب الإيرانيَّة-العراقيَّة في عقد الثمانينات من القرن الماضي، ليمسك سلاحه ويقتل زوجته، ثمَّ يأمر جنوده بدفن الجثَّة وتنظيف المكان من “حمَّام الدم” الذي سال من زوجته (ص131).

أهم وسائل التمهيد لظهور الإمام الثاني عشر: تطوير سلاح نووي

تظهر على السَّاحة شخصيَّة جديدة، هل للعالم النووي الدكتور محمَّد صدِّيقي، ملهم نجَّار مالك ووالد رفيقة طفولته، وهو أيضًا أهمُّ عالم فيزياء نوويَّة عراقي، ويُنسب إليه إعادة تأسيس مفاعلها النووي بعد أن دمَّرته إسرائيل عام 1981 ميلاديًّا. يترفَّع صدِّيقي عن المشاركة في تطوير سلاح نووي عراقي، أراده “صدَّام وابناه المتعطِّشان للدماء” بهدف “تدمير الصهاينة، وابتزاز البلدان المجاورة، وكبح جماح الأمريكان، والسَّيطرة على الشَّرق الأوسط، ومن ثمَّ إعادة تأسيس إمبراطوريَّة بابل” (ص135). هرب صدِّيقي وأسرته إلى إيران وطلب حقَّ اللجوء السياسي عام 1991 ميلاديًّا، مستغلًّا حرب الخليج، وحينها اشتعل صدَّام حسين غضبًا وأمر بقتله، بتهمة الخيانة. جازف صدِّيقي بحياته وعاد إلى العراق في فبراير 2002 ميلاديًّا، نزولًا على رغبة ابنته، التي تتمنَّى الزواج بنجَّار. أراد صدِّيقي أخْذ نجَّار معه إلى إيران، ليس فقط لتزويجه بابنته، إنَّما كذلك لينضمَّ إلى “مشروع سيأتي بالسَّلام والرَّخاء للشَّرق الأوسط، وللعالم كلِّه” (ص136). أصبح صدِّيقي مدير وكالة الطَّاقة الذَّريَّة في إيران، وكان بصدد تأسيس أفضل مفاعل نووي لأغراض سلميَّة في العالم، ويعتبر أنَّ بإتمامه “سيمهِّدون الطريق لظهور الإمام الموعود”؛ ولا يجد نجَّار خيارًا سوى الموافقة على عرضي الزواج والمشاركة في مشروع المفاعل النووي (ص137).

 إعداد عميل لوكالة المخابرات الأمريكيَّة لاصطياد الإرهابيِّين العرب

بعد فترة من التدريب، أعدَّ زاك زالنسكي من أجل ديفيد هويَّة جديدة؛ فمنحه اسم “رضا تبريزي”، وهو إيراني الأصل، انتقل أبواه من طهران إلى ميونخ الألمانيَّة عام 1975 ميلاديًّا، وحصلا على الجنسيَّة الألمانيَّة، ثمَّ هاجرا إلى كندا عام 1984 ميلاديًّا، حيث وُلد هو ونشأ، وحيث عمل أبوه في صناعة الرِّمال الزيتيَّة، بينما لقيت أمُّه مصرعها في حادث تحطُّم طائرة قبيل إتمامه دراسته الثَّانويَّة. أمَّا عن المرحلة التالية، فكانت أن ينتقل إلى ألمانيا للانضمام إلى جامعة ميونخ لدراسة علوم الحوسبة، وإتقان العربيَّة، ثمَّ الحصول على ماجستير في إدارة الأعمال؛ لإقناع الآخرين بهويَّته الجديدة. لن يتوقَّف الأمر عند ذلك الحدِّ، حيث سيتوجَّب على ديفيد التردُّد على أحد مساجد الشِّيعة في ميونخ؛ ليصبح ضمن جماعة المسلمين ويواظب على طقوس العبادة الشِّيعيَّة. بعد ذلك، سيُلحق ديفيد بإحدى الشَّركات التابعة لوكالة المخابرات في باكستان وأفغانستان، وحينها سيُمكن له التنقُّل بين البلدين حتَّى يصل إلى مكان أسامة بن لادن.

يصطحب زاك زالنسكي ديفيد بعد تدريبه على كافَّة مهارات التجسُّس عبر وسائل الاتِّصال الحديثة، إلى مبنى وكالة المخابرات المركزيَّة الأمريكيَّة في ولاية فرجينيا، حيث يقابل أحد كبار الضُّبَّاط يُطلعه على سيناريوهات متوقَّعة عن الصِّراع بين إيران وإسرائيل. أكثر ما تخشاه وكالة المخابرات المركزيَّة تهوُّر إيران، وتزويدها أيًّا من التنظيمات الإرهابيَّة، مثل القاعدة أو حزب الله أو حماس أو الجهاد الإسلامي، بالعتاد اللازم للهجوم على أيٍّ من مُدن إسرائيل. السيناريو الأسوأ هو إطلاق رؤوس حربيَّة، مثبَّتة في قذائف بالستيَّة، عبر الأجواء السُّوريَّة أو العراقيَّة أو الأردنيَّة، لتدمير المدن الكبرى في إسرائيل؛ “لمحو الصهاينة من الوجود” (ص165). تعي وكالة المخابرات جيِّدًا أنَّ إيران تسعى إلى امتلاك سلاح نووي، وتعمل جاهدةً من أجل منعها من تطوير سلاح مدمِّر يهدِّد أمن إسرائيل. غير أنَّ السيناريو الأسوأ هو أن تشنَّ إسرائيل ضربة استباقيَّة ضدَّ إيران؛ حيث ستدفع إيران وحلفاءها إلى الثأر، ممَّا يهدِّد بإشعال المنطقة بأكملها، و “لن تبقى دولة في المنطقة لن تتأثَّر” (ص166).

يشير ضابط الاستخبارات الأمريكي المخضرم إلى أنَّ “ردَّ الفعل الإيراني المحاكي للواقع أوضح انطلاق ضربات صاروخيَّة تُوجَّه إلى كلِّ مُدن إسرائيل، ومعها كافَّة حقول النَّفط، والمصافي، ومرافق الشَّحن في كافَّة أنحاء السَّعوديَّة والكويت والإمارات في منطقة الخليج. في الوقت ذاته، تضرب القاذفات الإيرانيَّة المدن والقواعد العسكريَّة في العراق وأفغانستان. في تلك الأثناء، لن تُصاب إسرائيل بمئات القاذفات الإيرانيَّة فحسب، إنَّما كذلك بمئات الآلاف من القاذفات والصَّواريخ والمدافع من سوريا ولبنان وغزَّة. ومع ردِّ الطائرات المقاتلة والقاذفات الإسرائيليَّة على تلك الضَّربات، من الواضح أنَّ المنطقة بأكملها ستشتعل” (ص166). لن يتوقَّف الأمر عند ذلك الحدِّ، بل سيمتدُّ إلى شنِّ هجمات انتحاريَّة في أنحاء متفرِّقة من أوروبا والشَّرق الأوسط. ويُتوقَّع أن يصاحب ذلك السيناريو “ارتفاعٌ جنونيٌّ في أسعار النَّفط…لا أحد يعرف مقداره”؛ فقد يصل سعر البرميل إلى “مائتي دولار…ثلاثمئة دولار…ربَّما أكثر”؛ وقد يتسبَّب هذا الارتفاع المفاجئ في أسعار النَّفط في انهيار الاقتصاد العالمي، الذي يعاني من الأصل من الهشاشة (ص167). وبعد ذلك اللقاء، تصل إلى وكالة المخابرات معلومات تفيد بأنَّ إيران توشك على أن تمتلك قنبلة نوويَّة، على أن يتبع ذلك بعام الانتهاء من تطوير رؤوس نوويَّة. يشعر الإسرائيليُّون بالخطر، ويعتزمون إطلاق ضربة قويَّة ضدَّ إيران، إن لم تتدخَّل أمريكا لصالحهم (ص173).

حرب إيرانيَّة-إسرائيليَّة مرتقبة

يتوصَّل ديفيد إلى أحدث خطبة لاذعة للمرشد الأعلى للثَّورة الإسلاميَّة، في مؤتمر في طهران، حضره لفيف من زعماء الجماعات الإرهابيَّة، حزب الله وحماس والجهاد الإسلامي. يقول المرشد حميد الحسيني “شاء من شاء وأبى من أبى، النظام الصُّهيوني في طريقه إلى الزوال. النظام الصُّهيوني مثل شجرة جافَّة عفنة، ستقتلعه عاصفة من جذوره. هذه هي البداية، اليوم أتى زمان سقوط القوَّة الشَّيطانيَّة للولايات المتَّحدة، وبدأ العدُّ التنازلي لمحو إمبراطوريَّة الشَّرِّ والثَّروة. استعدُّوا للعالم بدون الولايات المتَّحدة” (ص198). ينتقل روزنبرغ بنا إلى مشهد آخر مُزامن لذلك الحدث، هو ترقُّب القوَّات الجويَّة الإسرائيليَّة تلقِّي الأوامر لإطلاق هجمة رادعة لإيران. نجد من بين الطيَّارين الإسرائيليِّين من يتلو تراتيل لشُكر الرَّب، أدوناي، الذي أمهله ورفاقه إلى ذلك الوقت وحافظ على حياتهم، وكأنَّما الرِّسالة التي يريد روزنبرغ توصيلها هي أنَّ الشَّعب الإسرائيلي مهدَّد بخطر عظيم، هو العدوان الإيراني الذي قد يصاحبه عدوان من حلفائها من الجماعات الإرهابيَّة، ولم يُتَّخذ إلى ذلك الوقت قرارٌ من القيادات العليا في إسرائيل؛ والسبب هو تردُّد الإدارة الأمريكيَّة في الأمر بضرب إيران، خشية اشتعال حرب مدمِّرة في المنطقة بأكملها. كان كلُّ شيء على أهبة الاستعداد، ولم يبقَ سوى الإذن.

يشعر حميد الحسيني، الذي وصل حديثًا إلى منصب المرشد الأعلى للثَّورة الإسلاميَّة، بالخطر، وسط استعدادات إسرائيل لشنِّ هجوم على بلاده، وكانت الشكوك لم تزل تساوره حيال إمكانيَّة تحقيق النَّصر، في غياب الإمام الموعود، برغم طمأنة القادة العسكريِّين. وبعد دعائه المعتاد، الذي كرَّره آلاف المرَّات على مدار سنوات حياته، بأن يشهد ظهور الإمام الغائب ويكون ممَّن يمهِّدون له الطَّريق، يُفاجأ الحسيني بنور يسطع في الحجرة، وكأنَّه نور الشَّمس، وبدأ صوت يصدر من وسَط ذلك النُّور يقول “اقتربت ساعة ظهوري. بالدَّم والنَّار سيُكشف عنِّي للعالم. حان وقت قتل وتدمير ومحو الكافرين، اليهود والنَّصارى، كبارًا وصغارًا، رجالًا ونساءً وأطفالًا…عليك بإتمام إعداد الأسلحة واختبارها فورًا. عندما أنتهى من الطواف حول الأرض، ويصير كلُّ شيءٍ في موضعه، سنتقدَّم لمحو الشَّيطان الأصغر أوَّلًا، ومعه كلِّ الصهاينة…يجب محو وصمة إسرائيل الخبيثة القبيحة من الخارطة، ومن قلب الخلافة الإسلاميَّة…لا تتشتت ولا ترتبك، فهذه ليست الهدف الأخير. لم أصطفيك من بين كافَّة الآخرين فقط لتدمير الشَّيطان الأصغر، فهذه مهمَّة بسيطة. الهدف الأساسي هو تدمير الشَّيطان الأكبر، وأعنى تدميره بالكامل…الأمريكان مثل برج ينهار، إمبراطوريَّة تفنى، مركب يغرق، وقد حان وقتهم” (ص213-214). يواصل الصوت الصَّادر من النوُّر توجيه الحسيني لاتِّخاذ التدابير اللازمة للمواجهة الحربيَّة، بما في ذلك اختيار القادة، وحينها يعتقد الحسيني أنَّ ظهور المهدي صار وشيكًا؛ ومن ثمَّ فلا داعي للخوف من الهزيمة.

يجتمع الحسيني بكبار رجال الدَّولة، ومن بينهم الرئيس الإيراني ووزير الدِّفاع وكبار القادة. يُلاحظ أنَّ الرئيس الإيراني، المفترض أن تكون له الكلمة الأولى والأخيرة، يخضع بالكامل إلى سُلطان المرشد الأعلى للثَّورة، ويعجز عن إقناعه بضرورة اتِّباع الحلول الدبلوماسيَّة في التعامل مع الصراع مع أمريكا وإسرائيل. يقول الرئيس “الأمريكان نمر من ورق، إمبراطوريَّتهم بدأت تنهار، واقتصادهم ينزف، وعجز موازنتهم يزداد بسرعة جنونيَّة. هم يحاربون في جبهتين في الشَّرق الأوسط، تكلِّفهما 12 مليار دولار في الشَّهر الواحد، على غير رغبة الشَّعب. ينصبُّ تركيز الكونجرس على الوظائف والرِّعاية الصحيَّة وإعادة إنعاش الاقتصاد. ويتعهَّد الرئيس الأمريكي بسحب القوَّات الأمريكيَّة من المنطقة بأسرع وقت ممكن، كما وقَّع على أمر تنفيذي يعلن أنَّ الولايات المتَّحدة لن تستخدم أسلحة نوويَّة ضدَّ أيِّ دولة، حتَّى إذا وقع عليها الاعتداء أوَّلًا…لا خوفَ من ضربة استباقيَّة أمريكيَّة، فهي لم تحدث أبدًا، على الأقلِّ في وجود هذا الرئيس، وهذا الكونجرس” (ص219-220). يشير الرئيس الإيراني كذلك إلى أنَّ الرئيس الأمريكي لن يشنَّ هجومًا على إيران، طالما يريد “التعامل الدبلوماسي”، مضيفًا أنَّه “سيستغلُّ كلَّ سلطاته لمنع الإسرائيليِّين من مهاجمة” إيران (ص221). غير أنَّ الحسيني لا يغيِّر موقفه من شنِّ الحرب، مستندًا إلى الوعد الذي أخذه من “الإمام الغائب”، ويرى أنَّ “لا حاجة للخوف من الإسرائيليِّين”، ثمَّ يسرد للحاضرين رؤيا الإمام (ص221). يتَّضح أنَّ روزنبرغ، بالإضافة إلى الزَّعم بأنَّ الإسرائيليِّين في موقف دفاعي، يدَّعي أنَّ أمريكا هي الأخرى لا تريد الحرب، وأنَّها تترفَّع عن التدخُّل في الشَّرق الأوسط، لكنَّ الإيرانيِّين، بدافع من عقيدتهم المتطرِّفة، يجبرونها على التدخُّل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

الصّارم البتّار في الردّ على أوهام رياض درار (1)

د. حسين محمد الكعود دكتوراه في العقيدة الإسلامية بسم الله الرحمن الرحيم.. ما …