أخبار عاجلة

مُواطِن درجة عاشرة!!

حسام الدين الفرا

شاعر وكاتب سوري
عرض مقالات الكاتب

إذا أخذتَ استراحة من المشفى سأنقلك .

قال هذا الكلام مدير المدرسة لصديقي المُصاب بعموده الفِقري، بسبب حادث السيارة الذي كاد أن يودي بحياته .

رد عليه صديقي : إذا سمحت أعطني تحويلة للمشفى، وإذا ارتأى الطبيب أني بحاجة إلى استراحة فسآخذها .

علّق المدير : نحن في بداية العام الدراسي، ولن أقبل بألا تداوم، وتأخذ استراحة، سأنقلك .

يقول صديقي : ذهبت إلى المشفى، فأعطاني الطبيب الاستشاري المختص استراحة لمدة ثلاثة أسابيع، لأنه رأى وضعي الصحي السيئ .

أخذت التقرير الطبي لمدير المدرسة، فأبدى انزعاجه الشديد، ولم يتعاطف مع خسارتي المادية، ولا مع وضعي الصحي .

وتحدّثَ مع المنطقة التعليمية، ونقلني خارج مركز المدينة .

نفذت الاستراحة وراجعت المسؤول عن التنقلات في المنطقة التعليمية، فقال : عليك الدوام في المدرسة المنقول إليها .

قلت له : المدرسه بعيدة وليس لدي سيارة، وفي الطريق مطبات كثيرة ( وأنا واقف على تكويشة )، وأي مطب يؤثر على عمودي الفقري .

قال : عليك أن تُنفذ، وتابع مهدداً مع تصنّع المزاح : ترى كان فيه مدرس مثلك ما نفذ واعترض ( فنشناه ) .

قلت له : أنت ترى وضعي، بالكاد أستطيع التحرك .

قال : يعني هذا أنك مريض،  ولا تصلح للتدريس، ونحن نريد مدرسين أصحّاء .

أجبته : أنا لن أستطيع أن ألتزم بالمدرسة التي نقلتموني إليها .

لم أداومْ، وأخذت أتردّد على مكتب المسؤول كل يوم، حتى تراجعوا عن نقلي إلى تلك المدرسة، ولكنْ لم يعيدوني إلى مديري السابق، بل نُقلت إلى مدرسة أقربَ إلى بيتي أكثر .

يقول صديقي : نحن متعودون أن نعامل في بلدنا كمواطنين درجة عاشرة !

أمضيتُ سني عمري في الغربة، سواء في وطني، أو عندما غادرت إلى دولة خليجية، لتحسين وضعي المالي .

في الوطن لم تكن قيم المواطنة الحقيقية موجودة، وكان قلة من الناس يتمتعون بكونهم مواطنين درجة أولى، وهم غالباّ ما يكونون من عظام الرقبة، أو من المنتفعين والمُطبلين لهم .

يكفي أن تكون أحد هؤلاء، لتفعل ما تشاء دون أن يقال لك : ما أحلى الكحل بعيونك !

قد يكون ذا رتبة دنيا في الجيش، فيأتمر بأمره ألوية تُزيّن أكتافَها السيوفُ والنسور .

في كل مكان تشعر أنك مواطن درجة عاشرة، على باب الفرن، وعند أخذ جرّة الغاز، في الجيش أثناء خدمة العلَم، وحتى في السكن الجامعي، حيث ترى غرف الطلاب المدعومين تزيّن أبوابَهم الصور، والأقوال التي تجعل الرعب يدبّ في أوصال الآخرين مواطني الدرجة العاشرة .

تصوّرْ أنني حصلت على سكن جامعي بعد عذاب وجهد .

أخذت المفتاح لأدخل الغرفة، لأجد طالباً آخر سكن قبلي . كانت كتبه على الطاولة، وهو لم يكن موجوداً، دفعني الفضول لأفتح الكتاب، وأعرف مَن يشاركني الغرفة، فعرفت أنه طالب هندسة، وكان اسمه مسجلاً على الكتاب .

جاء بعد قليل، فتعارفنا، قال لي اسماً آخر غير المدّوّن على الكتاب .

مضى أكثر من أسبوع، وهو ينتحل اسماً آخر، وفي يوم نسي بطاقته على الطاولة، تفاجأت عندما قرأت فيها اسمه الحقيقي المُدوّن على الكتاب الذي شاهدته أول مرة .

عندما عاد إلى الغرفة سألته ما اسمك يا زميل ؟

وتابعت : قرأت بطاقتك الجامعية واسمك مختلف .

عصّبَ واحمرّ وجهه وقال : لا أسمح لك .

كيف تبحث في أوراقي وخصوصياتي ؟

انت لا تعرف مَن أنا ؟

وسألني : أتعرف مَن يهزّ حلب ؟

قلت له : لا أعرف مَن .

قال : رئيس الفرع الفلاني قريبي، ومن ضيعتي .

طلع الزميل مواطن درجة أولى !

يا أخي أنا لا أريد امتيازات مواطني الدولة الخليجية التي أعمل فيها، من رواتبَ عالية، ومُنح سكنية، وأمور كثيرة .

نحن نأخذ أربعة آلاف والمواطن يأخذ أكثر من ثلاثة أضعاف راتبنا، مع أننا مؤهلون مثلهم وأكثر .

لكنهم كما تقول نانتي رحمها الله : (  مزرابهم بودّي لبعيد ) فالمدرسون الأجانب من كنديين وغيرهم يأخذون رواتب خيالية، حتى أكثر من رواتب مواطنيهم، وهذا ما أثار حفيظتهم .

نحن هنا نُعامَل كالآلات، فإن أصابها العطب تُرمى، وكم من مدرس أفنى حياته في التعليم !

لكنْ عند إصابته بأي مرض تنكروا له وأنهَوا خدماته .

ليتهم يعاملوننا هنا كمواطنين من الدرجة العشرين .

كل ما كنت أريده القليل من التعاطف، والاستراحة بضعة أيام، ولا أريد أن يرسلوني إلى دولة أجنبية، للاستشفاء والتطبب، كما فعلوا مع مدرس من مدرستنا نفسها، حيث أرسلوه إلى ألمانيا للعلاج، لأن مرضاً أصاب ( عضوه ) نعم عضوه، وأقام هناك أشهراً، ومصاريف ذهابه، وإقامته في فندق من ذوي النجوم الخمسة على حساب التربية .

حتى شفيَ ( عضوه )، وعاد إلى بلده ليكون عضواً فاعلاً في البيت،  وفي العملية التعليمية .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

الحضارة الإسلامية والسقوط الإنساني

مصعب الأحمد كاتب وباحث وشاعر سوري قرأت ما كتبه أحد الجزائرين في مدونة …