أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات / قوة الداعية رغم ضعف الإمكانات وقلة الناصر والمعين

قوة الداعية رغم ضعف الإمكانات وقلة الناصر والمعين

د. جعفر الطلحاوي

عرض مقالات الكاتب

حقيقة قرآنية عجيبة، هي أن القرآن يدعو إلى مواجهة خصومه بكل شدة وعنف، فلا هوادة ولا خنوع، فقد تنزلت آيات على الرسول صلوات الله وسلامه عليه تدعوه إلى أن يكون قوي كل القوة عنيف كل العنف في إعلان التهديد والتحدي والإنذار والتنديد بالطاغية. يقذف بكلمات التنديد والتهديد والتحدي والإنذار القرآنية النارية غير مبال بالزعامة وقوتها، من دون نصير من الناس وذلك في الأيام الأولى ولم يكن معه من يغني عنه فتيلاً، في الوقت الذي تمالأ عليه الشرك وأهله لمحوه من الوجود. ولم يكن قد آمن به من يستطيع له نصراً ويقف إلى جانبه، والمتصدي له زعيم معتد بقوته وماله وجاهه وناديه. من يُطالع ذلك : يدرك من دون ريب تلك الشجاعة التي كان يتحلى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم والتي استمدها من إيمان قوي عميق متول على مشاعره، جعله لا يرى إلا عظمة لله ولا قوة إلا لله ولا سلطاناً إلا لله، وجعله يرى كل ما عداه أضعف من أن يُخشى، وأعجز من أن يستطيع له نفعاً أو ضراً، أو يقف أمام دين الله ويحول دون الدعوة إليه. ويدرك بهذا ما تحلى به من عظمة الخلق وقوة الجنان وعمق اليقين ، وهذه مواضع أربعة من كتاب الله تعالى تنبئك عن هذه القوة في هذه المواجهة
قال تعالى :
1-﴿ وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا﴾ [المزمل: 11-14]
2-﴿ فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ [المدثر: 49-51]
3-﴿ كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ ﴾ [العلق: 15-18]
4-﴿ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ “[المسد: 1-5]
وهو في ذلك إنما يأوي إلى ركن شديد ، يشهد لذلك واقعة أبي جهل، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ – رضي الله عنهما – قَالَ: (قَالَ أَبُو جَهْلٍ: هَلْ يُعَفِّرُ مُحَمَّدٌ وَجْهَهُ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ؟، فَقِيلَ: نَعَمْ، قَالَ: وَاللَّاتِ وَالْعُزَّى , لَئِنْ رَأَيْتُهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ , لَأَطَأَنَّ عَلَى رَقَبَتِهِ , أَوْ لَأُعَفِّرَنَّ وَجْهَهُ فِي التُّرَابِ) (فَبَلَغَ النَّبِيَّ – صلى الله عليه وسلم – فَقَالَ: ” لَوْ فَعَلَهُ لَأَخَذَتْهُ الْمَلَائِكَةُ) (عِيَانًا “) وفي رواية: (” لَوْ دَنَا مِنِّي لَاخْتَطَفَتْهُ الْمَلَائِكَةُ عُضْوًا عُضْوًا “) (قَالَ: فَأَتَى أَبُو جَهْلٍ رَسُولَ اللهِ – صلى الله عليه وسلم – وَهُوَ يُصَلِّي لِيَطَأَ عَلَى رَقَبَتِهِ، فَمَا فَجِئَهُمْ مِنْهُ إِلَّا وَهُوَ يَنْكُصُ عَلَى عَقِبَيْهِ , وَيَتَّقِي بِيَدَيْهِ , فَقِيلَ لَهُ: مَا لَكَ؟، فَقَالَ: إِنَّ بَيْنِي وَبَيْنَهُ لَخَنْدَقًا مِنْ نَارٍ، وَهَوْلًا , وَأَجْنِحَةً) (فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ لِلنَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم -: أَلَمْ أَنْهَكَ عَنْ هَذَا؟، أَلَمْ أَنْهَكَ عَنْ هَذَا؟، أَلَمْ أَنْهَكَ عَنْ هَذَا؟) (” فَانْتَهَرَهُ رَسُولُ اللهِ – صلى الله عليه وسلم -)(وَتَهَدَّدَهُ ” , فَقَالَ لَهُ أَبُو جَهْلٍ: أَتُهَدِّدُنِي) (يَا مُحَمَّدُ؟، فَوَاللهِ) (إِنَّكَ لَتَعْلَمُ) (أَنِّي أَكْثَرُ أَهْلِ الْوَادِي نَادِيًا)(فَأَنْزَلَ اللهُ – عز وجل -: {كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى , أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى , إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى , أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى , عَبْدًا إِذَا صَلَّى , أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى , أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى , أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى – يَعْنِي أَبَا جَهْلٍ – أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللهَ يَرَى , كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعَنْ بِالنَّاصِيَةِ , نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ , فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ – يَعْنِي قَوْمَهُ – سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ) (- يَعْنِي الْمَلَائِكَةَ – كَلَّا , لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ} (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَاللهِ لَوْ دَعَا نَادِيَهُ، لَأَخَذَتْهُ زَبَانِيَةُ الْعَذَابِ)(مِنْ سَاعَتِهِ”. الصحيحة: 275, فهذه الآيات كلها سب وتسفيه وتهديد للمشركين وزعمائهم، مع ملاحظة أنها من أوائل ما نزل، ويتبادر من عنف الآيات وقوتها القارعة أن الحكمة الربانية اقتضت أن يكون الرد على أول متصد للنبي صلى الله عليه وسلم، من الزعماء الأقوياء بهذا الأسلوب لتثبيت النبي وأصحابه القلائل الذين آمنوا به ومواجهة الزعيم القوي بقوة وعنف يصدمانه على غير توقع. ولا شك في أن النبي صلى الله عليه وسلم، قد تلا هذه الآيات على أصحابه، فقوت من روحهم وزادتهم إيماناً، ووصلت إلى صاحبها وناديه فصعقهم بعنفها وجعلتهم يشعرون بالقوة الروحية التي يستمد منها النبي، وازداد النبي بهذا وذاك قوة وعزماً على الاستمرار في مهمته، غير مبال بالزعيم القوي وناديه. على أن جملة (فليدع ناديه) تسوغ القول إن أبا جهل لم يكن وحيداً في موقفه من النبي صلى الله عليه وسلم، وهو ما تدل عليه الآيات التي نزلت بعد هذه الآيات في مناسبات عديدة مبكرة. وليس بعيداً أن يكون تعبير ” ناديه ” قد عنى دار الندوة التي كان يجتمع فيها أهل الحل والعقد في مكة الذين هم رؤساء الأسر القرشية البارزة، وقد كانت هذه الدار قرب الكعبة. فإذا صح هذا فإن من السائغ أن يقال إن السلطات الرسمية قد رأت في صلاة النبي صلى الله عليه وسلم، علناً بصلاة جديدة لا عهد للناس بها وفي دعوته الناس جهاراً إلى دين يخالف ما عليه الناس بدعة، ورأت وجوب الوقوف في وجهها، وأنها عمدت إلى أعضائها بتنفيذ ذلك، أو أن هذا العضو كان أشد حماساً ضدها من غيره فكان هو المتصدي ، وانظر نموذجا آخر على هذه القوة : الفاروق – رضي الله عنه -عَنْ ابْنِ عُمَرَ – رضي الله عنهما – قَالَ: لَمَّا أَسْلَمَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ – رضي الله عنه – لَمْ تَعْلَمْ قُرَيْشٌ بِإِسْلاَمِهِ، فَقَالَ: أَيُّ أَهْلِ مَكَّةَ [أَنْقَلُ]لِلْحَدِيثِ؟، فَقَالُوا: جَمِيلُ بْنُ مَعْمَرٍ الْجُمَحِيُّ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ وَأَنَا مَعَهُ أَتْبَعُ أَثَرَهُ، أَعْقِلُ مَا أَرَى وَأَسْمَعُ، فَأَتَاهُ فَقَالَ: يَا جَمِيلُ، إِنِّي قَدْ أَسْلَمْتُ، قَالَ: فَوَاللهِ مَا رَدَّ عَلَيْهِ كَلِمَةً , حَتَّى قَامَ عَامِدًا إِلَى الْمَسْجِدِ، فَنَادَى أَنْدِيَةَ قُرَيْشٍ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، إِنَّ ابْنَ الْخَطَّابِ قَدْ صَبَأَ، فَقَالَ عُمَرُ: كَذَبَ، وَلَكِنِّي أَسْلَمْتُ , وَآمَنْتُ بِاللهِ , وَصَدَّقْتُ رَسُولَهُ، فَثَاوَرُوهُ، فَقَاتَلَهُمْ حَتَّى رَكَدَتِ الشَّمْسُ عَلَى رُؤُوسِهِمْ، حَتَّى فَتَرَ عُمَرُ وَجَلَسَ , فَقَامُوا عَلَى رَأسِهِ، فَقَالَ عُمَرُ: افْعَلُوا مَا بَدَا لَكُمْ، فَوَاللهِ لَوْ كُنَّا ثَلاَثَمِائَةِ رَجُلٍ , لَقَدْ تَرَكْتُمُوهَا لَنَا , أَوْ تَرَكْنَاهَا لَكُمْ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ قِيَامٌ عَلَيْهِ، إِذْ جَاءَ رَجُلٌ عَلَيْهِ حُلَّةُ حَرِيرٍ , وَقَمِيصٌ قَوْمَسِيٌّ، فَقَالَ: مَا بَالَكُمْ؟ , فَقَالُوا: إِنَّ ابْنَ الْخَطَّابِ قَدْ صَبَأَ، قَالَ: فَمَهْ؟، امْرُؤٌ اخْتَارَ دِينًا لِنَفْسِهِ، أَفَتَظُنُّونَ أَنَّ بَنِي عَدِيٍّ تُسْلِمُ إِلَيْكُمْ صَاحِبَهُمْ؟، قَالَ: فَكَأَنَّمَا كَانُوا ثَوْبًا انْكَشَفَ عَنْهُ، فَقُلْتُ لَهُ بَعْدُ بِالْمَدِينَةِ: يَا أَبَتِ، مَنِ الرَّجُلُ الَّذِي رَدَّ عَنْكَ الْقَوْمَ يَوْمَئِذٍ؟، فَقَالَ: يَا بُنَيَّ، ذَاكَ الْعَاصِ بْنُ وَائِلٍ السَّهْمِيّ صحيح السيرة ص192، ولذا حُقَّ لابْنِ مَسْعُودٍ – رضي الله عنه – أن يقُولَ: (إنّ إسْلَامَ عُمَرَ – رضي الله عنه – كَانَ فَتْحًا، وَإِنّ هِجْرَتَهُ كَانَتْ نَصْرًا، وَإِنّ إمَارَتَهُ كَانَتْ رَحْمَةً، وَاللهِ مَا اسْتَطَعْنَا أَنْ نُصَلِّيَ عِنْدَ الْكَعْبَةِ ظَاهِرِينَ حَتّى أَسْلَمَ عُمَرُ) (فَلَمّا أَسْلَمَ، قَاتَلَ قُرَيْشًا حَتّى صَلّى عِنْدَ الْكَعْبَةِ، وَصَلّيْنَا مَعَهُ) صحيح السيرة ص188. فقوة الداعية والدعوة – رغم ضعف الإمكانات وقلة الناصر والمعين إن لم يكن عدمه – بدت من بواكير المرحلة المكية ، وكل ما يمكن أن يقال غير ذلك ، من مثل التخفي والسرية بالدعوة فأمثل القول فيه هو أن النبي صلى الله عليه وسلم، حماية لأصحابه كان يلزم الحذر والتحفظ في الصلاة والاجتماع بهم، غير أن دعوته للناس كانت وظلت جهرة.وهذا هو المعقول المتسق مع هدف الدعوة وإيمان النبي بالله ورسالته المراد لها أن تكون للعالمين. هذا والله تعالى أعلى وأعلم وأعز وأحكم وأكرم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

الشرعية اليمنية: أسباب النصر وعوامل الهزيمة!

أ.د فؤاد البنا أكاديمي ورئيس منتدى الفكر الإسلامي من المعلوم أن الانتصار أو …