أخبار عاجلة

مراجعات في المسألة الأرمنية – الأرمن في الحرب العالمية الأولى (4)

معاذ السرّاج

باحث في تاريخ سورية المعاصر وشؤون الحركات الإسلامية
عرض مقالات الكاتب
  • مقدمة:

كانت سنوات الحرب الأربع بالنسبة للدولة العثمانية (1914 – 1918), منسوجة من العذاب والخراب والأهوال التي لا تحتمل. وخلال هذه السنوات سوف تستمر الأعمال الحربية دون هوادة, وعلى جبهات تمتد من البلقان غربا وحتى القوقاز وشرق الأناضول والعراق شرقا, وسورية وفلسطين والحجاز وسواحل إفريقيا جنوبا. وسوف لن يخيم الرعب الموت والدمار, على الخنادق وحدها, بل على الأرياف والمراكز والمدن كافة, وسوف يلحق الكثير من الأذى بالمدنيين العزل على امتداد ساحات القتال. وستسفر الحرب في النهاية عن الكثير من المآسي والقضايا الكبرى التي ستبقى عالقة لزمن طويل.

ومن بين مآسي الحرب, ستبدو المأساة الأرمنية واحدة من بين أكثر القضايا إثارة وألما, ولا تزال محل نقاش وجدال, بين اتجاهين متضادين بحدة وتوقد.. لكنها وفي كل الأحوال لن تكون القضية الوحيدة, وإن كانت حظيت بتسليضوء عليها دون غيرها, أو أكثر من غيرها.

  • الأرمن في الحرب العالمية الأولى:

تؤكد المصادر, أن الأرمن العثمانيين, ومنذ بدايات القرن الفائت شاركوا بفاعلية, في عشر حروب أهلية وتقليدية تقريبا, وانخرطوا في الحرب العالمية الأولى, وفي  المواجهات العسكرية الخطيرة, التي حدثت خلال السنوات القصيرة والمهمة, بين الأعوام 1914 و1922.. فالأرمن حاربوا مع الفرنسيين والبريطانيين, إضافة إلى الجيوش الروسية, وشاركوا بشكل غير مباشر في انتصار جيوش الحلفاء في سوريا. وكانوا محاربين حقيقيين في الحرب كما تقول مصادرهم.

وفي مذكراتهم التي وجهوها إلى المؤتمرات الدولة التي عقدت بعد الحرب العالمية الأولى, يؤكد قادة الأرمن أنهم قاتلوا على جبهات عديدة وأنهم قدموا خدمات مهمة للجيش البريطاني في بلاد ما بين النهرين, عن طريق مقاومتهم للأتراك, إلى أن تم التوصل إلى هدنة, وأنهم أجبروا الأتراك على تحويل قوات كبيرة من جبهتي البصرة وفلسطين, مما سهل تقدم البريطانيين على هاتين الجبهتين.

ينقل المؤرخ التركي “تورك قايا”, نصا من رسالة تحمل تاريخ 30 تشرين الثاني 1918, موجهة إلى إس بيكون وزير الخارجية الفرنسي, من قبل بوغوص نوبار, رئيس الوفد القومي الأرمني في باريس, بأن: الأرمن كانوا, منذ بداية الحرب, محاربين فعليين”.

يذكر البروفيسور تورك قايا, أن هوفاهانس كاتشازنوي, أول رئيس وزراء لأرمينيا المستقلة, في أوائل العشرينات من القرن العشرين, كتب عن المقاتلين الأرمن الذين انخرطوا في الحرب الأولى, أنهم “لم يكونوا خائفين من الحرب”, لأن “جيشهم كان حسن التغذية والتسليح واللباس”.. لكن كاتشازنوي أضاف بأن كتائب الأرمن في الحقيقة “لم تتمكن من القتال”.. وأنها كانت باستمرار “تترك مواقعها”, لكن الدمار والنهب تواصلا دون عقاب, فقد كان نظام العصابات الجوالة.. يعمل على تدمير وحدة وتنظيم الجيش..”

ونقل عن اللورد روبرت سيسيل, قوله وهو يكتب من وزارة الخارجية البريطانية, في 3 تشرين الأول 1918: “إن مساهماتهم العسكرية لا يمكن أن تُنسى.. فقد أظهروا قدرات قتالية ممتازة, حيث صدوا عشرات الآلاف من الجنود الأتراك النظاميين, سواء حول جبل الموسى, في ساسون, وفي أورفا, أو في أماكن أخرى.

والحال أن الأرمن, ومع بدء الحرب العالمية الأولى, بدأوا في الانخراط ضمن مجموعات من المقاتلين إلى جانب الروس, وكانت هذه المجموعات قد بدأت بقطع طرق إمداد الجيش العثماني, ومهاجمة الوحدات النظامية, وكذلك القرى والبلدات المسلمة. وكان الهدف هو إضعاف القوات الحكومية, وإجبار السكان المدنيين على الهرب من شرقي الأناضول. (مما سيمكن الغزاة الروس في النهاية من إنشاء دولة أرمنية هناك, تكون صديقة لهم.. هكذا كان تصور المقاتلين الأرمن).. وتعترف بهذه الحقيقة الدامغة أكثر الكتابات الغربية أثناء الحرب.

كما أن الأرمن المقاتلين ساهموا مع الفرنسيين بقوة, وقد أُطلق اسم “فيلق الأرمن”, على “فيلق الشرق” الذي شكلته فرنسا, والذي انضم إلى الفيلق الفرنسي الأجنبي للقتال على عدة جبهات, كما أن أرمن كثيرين خدموا كذلك في الوحدات الفرنسية النظامية, وكانوا مشاركين فعليين على جبهات سورية وإقليم كيليكيا وشرق الأناضول في تركيا.

وتذكر المصادر أن النائب الأرمني السابق في البرلمان في اسطنبول (غارجوين باسدرماجيان), نظم مجموعة لشن هجوم على مدينة وان. وكان الجنرال أنترانيك اوزانيان الذي قاد القوة الأرمنية في الجيش البلغاري ضد الأتراك في حرب البلقان, قد انضم مع رجاله إلى القوات الروسية في وان, كما كانت وحدات مسلحة مماثلة, بقيادة هاماسازاسب وكيري على استعداد للتحرك إلى أرضروم.

وقد ورد في مذكرة قُدمت من قبل ممثلي الأرمن إلى مؤتمر باريس سنة 1919 إقرار واعتراف بأنه: “.. قاتل الأرمن المتطوعون على الجبهات كافة.. ففي الفيلق الفرنسي الأجنبي, قاتلوا في سوريا وفي فلسطين.. وشكلوا أكبر عنصر.. أكثر من نصف مجمل الكتبة الفرنسية”.. وقد أدوا دورا أساسيا في النصر المظفر للجنرال اللنبي.. وفي القوقاز حيث إنه بالإضافة إلى أكثر من 150 ألف رجل أرمني, كانوا قد خدموا الجيش الروسي, فإن جيشا قوامه 50 ألفا, وآلاف من المتطوعين, حاربوا بقيادة القائد الأعلى الجنرال بانزار بيكيان. وهناك مصادر أرمنية قدمت أرقاما أكبر, وذكرت أن أكثر من 200 ألف أرمني شاركوا في الحرب العالمية الأولى. 

ولاشك أن هذه الأعداد الكبيرة من الأرمن الذين قاتلوا بشراسة, في الحرب, سواء في جبهة القفقاس, وعلى التراب العثماني شرقي المتوسط, وجنوبي الأناضول, وسيناء وفلسطين وسوريا, وحتى في اليونان, تناقض القول المكرر بأن الأرمن كانوا “مجرد جماعات من المواطنين الهادئين, المهذبين غير العدوانيين, وغير العنيفين, والمسالمين, والمحبين للسلام, والمساكين القليلي العدد, الذين لا حول لهم ولا قوة, ولا يتمتعون بحماية, وغير مسلحين, وضعفاء, تألفوا في الغالب من رجال مسنين ونساء وأطفال” كما يقول تورك قايا. الذي يضيف أيضا:

“فإذا كان الدعم الأرمني للقوات الروسية هو بتلك القيمة, بحيث إنه يحدد نتيجة الحرب نفسها, وهو ما تؤكده كثير من المصادر الأرمنية, فإن مشاركتهم لا تقتصر على مجرد الدفاع عن النفس”.

والأمر المؤكد هنا, لاشك أن مفارقة واضحة كل الوضوح, تظهر في وصف الأرمن من خلال الحرب, تارة بالضعف والمسكنة وأنهم ضحايا أبرياء, وتارة أخرى كقوة كبيرة وفاعلة, إلى درجة تضمن النصر للحلفاء من الروس والبريطانيين والفرنسيين.

  • ماذا فعل الأمريكان برعاياهم اليابانيين في الحرب العالمية الثانية:

في هذا السياق, يورد الدكتور تورك قايا, ما فعله الأمريكيون تجاه رعاياهم اليابانيين, في الحرب العالمية الثانية, كمثال على تصرف الدول أثناء الحروب. فعندما قصفت اليابان ميناء بيرل هاربر في 7 كانون الأول 1941, وأوقعت خسائر كبية بين القوات الأمريكية, “استشاط الأمريكيون غضبا.. وصبوا جام غضبهم على المواطنين الأمريكيين من أصول يابانية, الذين يعيشون بين ظهرانيهم في الولايات المتحدة الأمريكية. مع أن معظم اليابانيين لم يكن من الممكن لهم تهديد دولة بذلك الحجم والقوة. أو رفع إصبع ضد حكومة بلاده.

“عندما تم ترحيل المواطنين الأمريكيين من أصول يابانية, إلى مكان آخر للاعتبارات العسكرية, وذلك في بداية دخول الولايات المتحدة للحرب العالمية الثانية, لم تكن هنالك أدلة على حالات “تجسس أو تخريب”..”

“لكن الصدمة التي تلت بيرل هاربر حولت كثيرا من البيض إلى عنصريين حقيقيين, إذ ساد لدى الغالبية العظمى منهم تعبير أن “الياباني يبقى يابانيا”..”

وهكذا, وبين أيار 1942 وكانون الثاني 1946, أُخذ حوالي 120 ألف ياباني – أمريكي من بيوتهم, ووضعوا في معسكرات اعتقال – بعضهم لسنوات – نتيجة تهديدهم المفترض للأمن القومي الأمريكي.

وقد حظيت هذه السياسة الرسمية, بتأييد كل من قاضي القضاة أيرل وارين (حاكم ولاية كاليفورنيا), وويليام راندولف هيرست (ناشر أمريكي كان لديه, في قمة ثرائه, 28 صحيفة كبرى, و18 مجلة. ومحطات راديو, وشركات أفلام, وقنوات إخبارية), وولتر ليمان (أحد أرفع كتاب الأعمدة السياسية في العالم ومؤلف الرأي العام, وربما يُعد عمله هذا الأكثر تأثيرا).. ويضيف تورك قايا أن أستاذ القانون في جامعة ستانفورد (تشارلز فيرمان كاتب قانون الحكم العسكري والأحوال الطارئة القومية..), أوضح حينها أنه كان هنالك ما يكفي من عدم الولاء “الكامن إن لم يكن نشطا”, بين الجالية اليابانية, ما يجعل من المناسب “إخلاء الجميع”..

عندما دخل العثمانيون الحرب العالمية الأولى, كانوا في وضع صعب للغاية, فقد كانوا يقاتلون على عدة جبهات, ضد الرومانيين والروس في كونستانزا, والقوات البحرية الإنكليزية والفرنسية على مدخل مضيق الدردنيل, في وقت كانت القوات الإنكليزية التي حصلت على تعزيزات من دول الكومنولث, موجودة أصلا في شبه جزيرة سيناء, وفلسطين, والبصرة التي كانت جميعها في تلك الفترة أراض عثمانية, وقد كانت القوات التركية في وضع حرج, ولاسيما بوجه الأعداء الروس, الذين كانوا يفوقونها عددا وعتادا.. وفي ظل هذه الظروف كان الروس يجندون المزيد من المتطوعين الأرمن, في مجموعات كانت ترافق الجيوش النظامية, وتعمل على قطع طرق إمداد الجيش العثماني, ومهاجمة الوحدات النظامية, والإغارة على القرى والبلدات المسلمة. وكان الهدف, هو إضعاف القوات الحكومية, وإجبار السكان المدنيين على الهرب من شرقي الأناضول.

“ليس من الصعب فهم أن ما يصفه الأرمن ب”خدمة” أعداء العثمانيين, هو في الوقت نفسه بالنسبة للأتراك, خيانة تؤدي إلى فصل الأراضي وخسارتها, وعلى الأرجح للحرب”.

بهذه العبارة يعلق البروفيسور تورك قايا على موقف الأرمن في الحرب العالمية الأولى, والتي تدخلوا فيها لصالح الحلفاء “أعداء الدولة العثماني”..

وهناك مصادر غربية موثوقة تقر وتصادق على مشاركتهم تلك, وهناك رسالة شكر خاصة من القيصر الروسي نيكولاس الثاني, (موجهة في 21 نيسان 1915), إلى الأرمن كافة, يعبر لهم فيها عن شكره على خدماتهم في تحقيق الأهداف العسكرية للجيش الروسي, خلال الحرب. وكثيرا ما أشاد قادة القيصر العسكريون, والشخصيات العامة والصحافة بهذه الخدمات الأرمنية بعبارات براقة.

والواقع أن هجمات العنف, والاغتيالات والقتل الجماعي للمسلمين في شرقي الأناضول, والمشاركة الصريحة في الحرب العالمية الأولى, من قبل الكتائب الأرمنية الثقيلة, باتت اليوم حقائق معترفا بها, وفي بعض الأحيان يُعلن عنها بفخر, في كتب ومقالات من تأليف الأرمن أنفسهم. كما أن بعض المصادر الأرمنية تشير بتطرف, إلى أن لجوءها إلى السلاح كان العامل الحاسم في كسب الحرب من قبل أعداء الدولة العثمانية.

  • التمرد العنيف في إقليم وان والموقف الحاسم:

تذكر العديد من المصادر أن الأتراك الاتحاديين, كانوا قد حصلوا على وعود من الأرمن بأنهم سيقفون إلى جانب الدولة العثمانية, في حال قررت خوض الحرب ضد روسيا, وقبل دخول الحرب العالمية الأولى, أرسلت حكومة التركية ممثلين إلى الكونغرس الأرمني في أرضروم, لإقناع الأرمن العثمانيين بالتعاون في حالة فتح جبهة القوقاز. لكن المصادر العثمانية, تذكر أن الأرمن لم ينفذوا وعودهم, بل وعلى العكس من ذلك, فقد وقفوا بجانب الروس وانخرطوا في مجموعات مقاتلة ضد الجيش العثماني.

وهكذا ففي 24 ديسمبر من عام 1914، نفذ وزير الحرب أنور باشا خطة للمواجهة الجيش الروسي في “صاري قاميش”, من أجل استعادة الأراضي التي أخذها الروس في حرب من 1877-1878. لكن الجيش التركي خسر المعركة وتعرض لهزيمة ساحقة, ودمرت معظم قواته, وكان أنور باشا يلقي باللوم في الهزيمة على الأرمن.

ولم تمض سوى أشهر قليلة حتى وقعت ثورة الأرمن في مدينة وان (15 نيسان 1915), ومع نهاية شهر نيسان كان الجيش الروسي يجتاح المنطقة ويدخل مدينة وان, مما زاد حنق القادة الأتراك أكثر فأكثر, خاصة في ضوء المعلومات الواردة عن المذابح والانتهاكات التي حصلت أثناء ذلك.

وفي الواقع فإن حقيقة التمرد المسلح في إقليم (فان), تُعد النقطة الحاسمة في الجدال الدائر حول المسألة الأرمنية, كما يرى العديد من الباحثين. وأن تقدم الجيوش الروسية الغازية, والمجموعات الأرمنية المرافقة لها, من القوقاز جنوبا باتجاه إقليم وان, واجتياح المدن والأرياف في طريقها, كان نقطة الافتراق النهائية بين الأتراك الاتحاديين والأرمن, والدافع المباشر لإصدار قرار الترحيل الذي كان موجها في البداية, للأرمن في إقليم وان وحدهم.

يقول المؤرخ الأمريكي جستن مكارثي أنه عندما سقطت المدينة بأيدي الأرمن وفر من تبقى من المدافعين عنها, وفر معظم سكانها, كانت المدينة في غالبها مدمرة ومهدمة, وباستثناء الشيوخ والأطفال فإن المسلمين الذكور وغالبية النساء الذين بقوا في المدينة قتلوا.

وعندما استعادت القوات العثماني المدينة نهائيا في 18 نيسان 1918, كانت مدمرة تماما. وهو ما أفادت به البعثة الأمريكية لاحقا في عام 1919, لتقدير الأوضاع هناك, من أن “الخراب والدمار يهيمن على المنطقة, ولم يتبق في وان وما حولها أي بيوت صالحة للسكن”.

وفي كتابه “تاريخ الدولة العثمانية ج2”, يلخص المؤرخ روبير مانتيران الموقف بين الأرمن والعثمانيين الأتراك فيقول: “يحشد الأرمن شهاداتهم ومؤلفاتهم التاريخية, حول فكرة مؤداها أنهم تعرضوا لحرب إبادة كاملة ومقصودة, من قبل الاتحاديين الأتراك, الممسكين بزمام السلطة في استانبول, جرى التخطيط لها بشكل منهجي, بهدف إقامة دولة طورانية عظمى, خالية من أية أعراق أخرى.

في حين أن موقف الأتراك, يذهب إلى أن الحكومة في استانبول لم تسع قط إلى إبادة الأرمن, وأنها وجدت نفسها, ببساطة, مضطرة إلى ترحيلهم, تمشيا مع ممارسة سارية في زمن الحرب.

وتؤكد الوثائق العثمانية, الاضطرابات التي حصلت داخل مدينة فان, في منتصف نيسان 1915, كان مخططا لها بالتنسيق مع الروس, قبل ذلك بكثير.. وتدلل على ذلك بأن “تسليح الثوار الأرمن وحفر الأنفاق تحت أسوار المدينة, وبين البيوت يشهد بأن التحضير لهذا الصراع جرى قبل مدة طويلة”..

وينقل مانتيران عن الأتراك قولهم, بأنهم “لم يسعوا إلى إبادة الأرمن قط,  وأن الترحيلات باتت ضرورية أكثر, بالنظر إلى أن الأرمن قد شكلوا ميلشيات في خدمة العدو, وأنهم استفادوا من تغلغل الروس في شرقي الأناضول لكي ينظموا عام 1915, مذبحة بحق السكان المسلمين في إقليم فان, والأقاليم المجاورة”. انتهى الاقتباس

ويقول الأستاذ ترك قايا: “كان التفوق الأرمني في (وان), مع عدم وجود أي أثر للسلطات العثمانية الرسمية هناك أمرا لا نقاش فيه, في 20 نيسان 1915. أي قبل صدور أوامر الترحيل. وقد كانت هذه الحقيقة واضحة جدا في أعين الأتراك, ويجب أن تكون بنفس الوضوح للأطراف الأخرى العادلة والمحايدة”..

“لم يكن الجنود الأتراك فقط, هم من دخل المدينة بعد 3 آب 1915, بل كان هناك عدد من الضباط الروس الذين صُعقوا عندما شاهدوا الجرائم والخراب الذي ارتكبه الأرمن..”

وعلى أية حال فإن الأتراك لا ينفون قرار ترحيل الأرمن, ويعترفون بتداعياته الإنسانية الكبيرة, يشككون في المبالغة بأعداد الضحايا, ويرون أنه كانت لهم مبرراتهم في ذلك القرار, الذي جاء بالأساس ردا على التمرد وسفك الدم في (وان), واحتلالها المشترك, من قبل المهاجمين الروس والأرمن,.

وفي حيثيات قرار “الترحيل”, تقول المصادر التركية بأن أنور باشا رئيس الوزراء في قراره (2 أيار 1915), اعتمد على بديلين: إما نقل السكان الأرمن ممن تبقوا في المدينة والقرى المحيطة, إلى القوقاز الذي فر سكانه المسلمون المطرودون بالقوة كذلك, أو إرسالهم إلى الأناضول والمناطق الجنوبية.. وحيث إن المناطق الشمالية الشرقية كانت تشهد حروبا طاحنة مع الروس, فقد كان الخيار الثاني هو المتاح..

وهكذا وفي 26 بدأ ترحيل الأرمن عن فان وبتليس وأرضروم ومناطق في الزاوية الجنوبية من الشرقية للأناضول, وإعادة توطينهم جنوب ديار بكر وفي مناطق مختلفة من مرعش ومرسين وأضنة واسكندرون وأنطاكية, وفي شرق سورية حول دير الزور.. بحيث لا يشكلون أكثر من 10 % من السكان المحليين.

على أن مسألة الترحيل هذه ستتسع لتشمل أرمن كيليكيا, وأرمن الأناضول الغربية, وستحدث خلالها أعمال سلب ونهب وتعذيب ومذابح, حسب اختلاف الروايات, تلحق بقوافل المرحلين باتجاه سوريا وبلاد الرافدين. وبطبيعة الحال ستتضارب الأرقام حول أعداد الضحايا, الذين قضوا في تلك الأحداث, وأعداد الذين وصلوا إلى وجهاتهم, وتدخل فيها الكثير من المبالغات والمغالطات إلى الحد الذي يستحيل معه الجزم بشيء.

في الورقة التالية (5), سنتناول تداعيات قرار الترحيل وتشكل المسألة الأرمنية بوضعها الراهن, ووجهات النظر والتحليلات المختلفة بشأنها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

الملابسات الحقيقيَّة للفتنة الكبرى بين الحقيقة وافتراء “حروب الرُّحماء” 2 من 9

د. محمد عبد المحسن مصطفى عبد الرحمن أكاديمي مصري. الرَّد على فرية تعدُّد …