أخبار عاجلة

العرب مدعاة للشفقة

د. زهير حنيضل

كاتب سوري
عرض مقالات الكاتب

حيثما وليت وجهك أو فكرك أو بصيرتك ستجد من يتحدث عن العرب كشعب مدعاة للشفقة، فالعرب شرذمة متفرقة، غوغائيون متقاتلون متناحرون فيما بينهم، همجيون لا يحترمون حقوق الإنسان لا في سلم ولا في حرب، هم قطعان من البشر يتم سوقهم حيثما شاء الحاكم، يصفقون يسبحون بحمده رغم كل ما يفعله بهم من تنكيل وتحقير، ورغم كل ما يمارسه عليهم من ظلم واستبداد، وحتى حينما ثاروا تناحروا فيما بينهم فخربوا بلدانهم وكانوا سبباً في تدخل الدول في شؤونهم وصولاً للوصاية عليهم.

هذا الوصف -أعلاه- ستجده في كل مكان من الشبكة العنكبوتية، حتى أنه بدأ يتغلغل على هيئة حقائق مسلم بها إلى نفوس العرب المستضعفين في أوطانهم ودول اللجوء ومخيمات الذل التي لا يمكن وصفها سوى بأنها عار على الإنسانية.

نسي أو تناسى أصحاب هذا النهج التحقيري للعرب، أن العرب ومنذ 100 سنة -على أقل تقدير- لم يعرفوا الاستقلال في الحكم والديموقراطية في القرار، بل انتقلوا من احتلال لآخر، وحين نالوا استقلالهم، كان ذلك الاستقلال عبارة عن وصابة غربية عبر حكام تم تعيينهم ليكونوا أولياء أمر على الشعوب، في حين أن ولاءهم هو لمن انتدبهم لتلك المهمة.

نسي أو تناسى أصحاب هذا النهج التحقيري للعرب، أن العربي وبمجرد تحرره من عباءة الحاكم الظالم قدم للعالم مثالاً في التطور والإبداع، فالأسماء العربية المبدعة تغزو عواصم العالم من أقصاها إلى أقصاها، ما بين مفكرين ورجال أعمال ومهندسين وأطباء ورجال قانون وفنانين وحتى رياضيين.

نسي وتناسي أصحاب هذا المنهج التحقيري للعرب، أن الصهيونية وعلى مدى 100 عام سخرت كل قواتها الاقتصادية والسياسية والإعلامية والفكرية والعسكرية للسيطرة على الوطن العربي ومنعه من التحرر الفعلي، وحتى حين قام العرب بثوراتهم في مطلع 2011 سارع العالم لاحتواء تلك الثورات وتخريبها وتحوير مسارها وتوجيهها لتكون مرحلة أخرى من مراحل ترسيخ سيطرة الصهيونية العالمية على الوطن العربي ومقدراته.

إن هذا النهج الذي يسعى لترسيخ فكرة تأخر العربي عن سواه من الشعوب ودونيته تجاه تلك الشعوب، لا يمكن توصيفه إلا ضمن النهج الذي يريد تهيئة العربي لقبول ولاية الآخرين عليه بحجة أنه لا يستطيع تدبر أموره بمفردة كالقاصر الذي يحتاج للوصاية لئلا يضيع في زحام الحياة!

بات العربي متهما بعروبته، وفي وطنه وعلى أرضه التاريخية بات العربي غريباً مطالباً بمراعاة الأقليات لترضى عنه ولتقبل بالتعايش معه مع عدم نسيان أن الشرط الأساسي للتعايش مع العرب على الأرض العربية هو إلغاء العروبة كانتماء جغرافي تاريخي قومي، والقبول بأن يكون العرب مكوناً مطالباً دوماً بإثبات حسن النية عبر السماح للأقليات بالحكم لأن حكم الأقليات هو السبيل الوحيد لضمان أمنها وحقوقها في أرض العرب!

نظرة إلى تركيا الجارة للعرب التي لا تملك النفط، والتي حين توفرت لها شروط النهضة، رأينا كيف انتقلت من دولة يقف مواطنوها في رتل طويل بانتظار رغيف الخبز، ويخاطر المواطن بنفسه عبر الحدود ليجلب بضع كيلوغرامات من الشاي أو السكر ليبيعها وليعيش من الربح الذي يجنبه من عملية التهريب البسيطة تلك، إلى دولة تصنع احتياجاتها وتصدر الفائض ودخلت مجموعة الدول ال 20 الاقتصادية الكبرى و انتقلت من مرحلة الولاء للغرب إلى مرحلة الندية و لعب الدور الإقليمي المهم الذي حصنها داخليا و خارجيا و منحها فرصة التفرغ للعمل على بناء الإنسان، وتم كل ذلك خلال أقل من ربع قرن، ما بين مرحلة التحضير والمخاض ومرحلة البناء والعمل الحقيقي، فانعكس ذلك ازدهاراً على البلاد و قيمة للمواطن، الذي بات يدرك أنه أساس المجتمع، و أنه صاحب القرار عبر صناديق الانتخاب في تحديد من يمثله في مؤسسات الدولة.

والوطن العربي، يعوم على ثروات تكتنزها الأرض، ويسكنه شباب لا يحتاج سوى لمن يأخذ بيده في ظل ظروف مناسبة ليشكل لوحة الإبداع في أبهى صورها، فتخيلوا معي لو كفت الصهيونية العالمية أذرعها عن العرب وكان لهم أن يبنوا الوطن العربي بما يمتلكه من مقومات بشرية وجغرافية!

لا يسعني -حين الحديث عمن يستحقر العرب- إلا أن أستذكر اليهود الذين كانوا أكثر الناس معرفة ببشرى الرسالة النبوية الأخيرة، وكانوا ينتظرون الرسول على أحر من الجمر، ليكفروا به وليتعنتوا ولينسجوا من الكذب ما لم يخطر ببال بشر إرضاء لكبرهم ورفضهم لأن يكون الرسول عربياً قرشياً هاشميا!

كعربي كرمني الله بالإسلام مظلة تحمي العروبة وتبقيها على جادة الحق في خدمة الإسلام ورفعته، فأنا أحترم كل قوميات العالم ولا أزدري أياً منها، تطبيقاً لقول رسولنا الكريم عليه أفضل الصلوات وأتم التسليم:

“لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى “.

وأفتخر بعروبتي، وأختم مقالي بعبارة شهيرة للشهيد الراحل ياسر عرفات، أوجهها للحاقدين على العروبة:

“الي عاجبو عاجبو, و الي مش عاجبو يشرب من بحر غزة”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

السوريون.. واضطراب ما بعد الصدمة!

زهير سالم مدير مركز الشرق العربي يعيش كثير من السوريين وأنا واحد …