أخبار عاجلة

“الإمام الثاني عشر”: عقيدة “المخلِّص” في الصِّراع الصُّهيوني-الصَّفوي على حُكم العالم 1 من 4

د. محمد عبد المحسن مصطفى عبد الرحمن

أكاديمي مصري.
عرض مقالات الكاتب

يعتنق الأمريكي جويل روزنبرغ، الكاتب والمفكِّر والمستشرق يهودي الأصل والدَّاعم لدولة إسرائيل فكريًّا وماديًّا، عقيدة الصهيونيَّة المسيحيَّة، وله العديد من الكتابات الدَّاعية إلى نشر الفكر المسيحي في العالم الإسلام من خلال حملات التنصير الحديثة. أوضح تناوُل رواية The Last Jihad-الجهاد الأخير (2002م) في المقال آنف الذِّكر مدى إيمان روزنبرغ بنبوءات الكتاب المقدَّس، وتكريسه مساره في الكتابة للحديث عن المستقبل في ضوء تلك النبوءات، ومن بين الموضوعات التي يمنحها تركيزه تصنيف بعض العقائد الإسلاميَّة بوصفها داعية إلى العُنف والتطرُّف، ولعلَّ من بينها عقيدة الإيمان بظهور إمام من آل بيت النبيِّ (ﷺ) يعيد الخلافة الإسلاميَّة، يصلح ما أفسده الحُكم الجبري، وينشر العدل، ويُعرف بالإمام المهدي. وبرغم اشتراك أهل السُّنَّة والشِّيعة في عقيدة المهدي، فهناك اختلاف كبير بين وصف هذا الإمام لدى كلِّ فرقة من الفرقتين.

ومن المثير للانتباه أنَّ هناك العديد من التشابهات في وصف الإمام المهدي المنحدر من سلالة آل مُحمَّد عند الشِّيعة، ووصف المخلِّص وريث مُلك آل داول الأبدي عند أهل الكتاب، من اليهود والمسيحيِّين. نذكر من تلك التشابهات أنَّ المهدي ومخلِّص بني إسرائيل يُحكم ألف عام، ويُظهر أنصاره ومؤيِّدوه على سائر الأمم، التي يقضي عليها، ليسيطر على العالم بأسره. ومن تلك التشابهات كذلك ما أورده الإمام الشِّيعي الاثنا عشري ثقة الإسلام الكليني في كتابه الكافي، الذي يُعد من أصحِّ مراجع الشِّيعة، حيث قال” “إذا قام قائم آل محمد عليه السلام حَكَم بحُكْم داود وسليمان لا يسأل بينة”، وتجدر الإشارة هنا إلى أنَّ فرقة الإماميَّة الاثني عشريَّة الشِّيعيَّة تعتقد أنَّ أئمَّة آل البيت النبوي 12 إمامًا، أُسند إليهم إمامة المسلمين عبر تاريخ الأمَّة، انطلاقًا من حديث النبيِّ (ﷺ)، الوارد في صحيحي البخاري ومسلم بأكثر من صيغة، عن جابر بن سمرة أنَّه قال “سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ، يَقُولُ: يَكُونُ اثْنَا عَشَرَ أَمِيرًا، فَقَالَ كَلِمَةً لَمْ أَسْمَعْهَا، فَقَالَ أَبِي: إِنَّهُ قَالَ: كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ”. يعتقد معتنقو عقيدة الإماميَّة الاثني عشريَّة بأنَّ 11 إمامًا ظهروا، على رأسهم النبيُّ مُحمَّد (ﷺ)، ولم يبقَ إلا الإمام الثاني عشر، وهو محمَّد بن الحسن العسكري بن علي الهادي بن محمد الجواد بن علي الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب.

The Twelfth Imam-الإمام الثاني عشر

 ويبدو أنَّ روزنبرغ اتَّبع استراتيجيَّة نشر رهاب الإسلام في نقده عقيدة الإمام الثاني عشر من آل بيت النبيِّ، من خلال تناوُلها في رواية تحمل الاسم ذاته، The Twelfth Imam-الإمام الثاني عشر (2010م)، مع استعراض الاستخدام المفرط للعنف على يد ملالي إيران، في أعقاب ما يُعرف بـ “الثورة الإسلاميَّة” لعام 1979 ميلاديًّا، بأن جعل خلفيَّة الأحداث صراع جهاز المخابرات الأمريكي مع الجهاديِّين من مسلمي الشِّيعة، الموطِّئين لدولة الإمام الثاني عشر العالميَّة، والمناوئين لأمريكا، بوصفها الشيطان الأكبر، وإسرائيل، باعتبارها ربيبته. تبدأ أحداث الرواية في عام الثورة ذاته، بحادثة واقعيَّة، هي اقتحام السَّفارة الأمريكيَّة في طهران في 4 نوفمبر من عام 1979 ميلاديًّا، واتِّخاذ 52 من الدبلوماسيِّين والمواطنين الأمريكيِّين رهائن لمَّدة 444 يومًا، أي حتَّى 20 يناير من عام 1981 ميلاديًّا. يدمج روزنبرغ الواقع بالخيال، برسم شخصيَّات الرواية وكأنَّهم أشخاص حقيقيُّون، شهدوا الواقعة المدويَّة وشاركوا في أحداثها.

تدور أحداث الإمام الثاني عشر (2010م) حول محاولة تشارلي هاربر، وهو موظَّف بالسِّلك الدِّبلوماسي الأمريكي كان خارج مبنى السَّفارة وقت الاقتحام، وزوجته كلير، الإفلات من قبضة مثيري الشَّغب الشِّيعة، بمساعدة طبيب القلب الإيراني محمَّد شيرازي، وزوجته نسرين، وهي مترجمة لدى السَّفارة الكنديَّة. تتطوَّر الأحداث بنجاح الزَّوجين الإيرانيِّين في تهريب تشارلي هاربر وزوجته إلى الولايات المتَّحدة، ويتبعهما شيرازي وزوجته، ليؤسِّسا حياة جديدة هناك، وتتصاعد الأحداث ليصبح ابنهما، ديفيد، أو داود، الشخصيَّة المحوريَّة في الرواية. ينضم ديفيد إلى وكالة المخابرات المركزيَّة الأمريكيَّة (CIA)، ويتولَّى مهمَّة إيقاف كارثة محقَّقة، هي محاولة إيران شنِّ هجوم نووي على إسرائيل، الأمر الذي كاد يفجِّر صراعًا عالميًّا. تنشأ في خلفيَّة تلك الأحداث رابطة عاطفيَّة بين ديفيد، ابن الزَّوجين الإيرانيِّين، ومارسيل، ابنة تشارلي هاربر وزوجته كلير؛ غير أنَّ الاختلافات الثقافيَّة والعقائديَّة بين العائلتين، مع محاولة كلِّ عائلة التفاهم مع الأخرى، تشكِّل تحديًا لاستمرار تلك الرَّابطة. والقسم التالي من هذه الدراسة الموجزة عن رواية The Twelfth Imam-الإمام الثاني عشر يشير إلى مقتطفات من نصِّها الأصلي، مأخوذ عن نسخة لدار نشْر تينديل (Tyndale House Publishers) لعام 2010 ميلاديًّا.

استعراض لأهمَّ ما تتضمَّنه الرواية

 تبدأ أحداث رواية الإمام الثاني عشر (2010م) يوم م نوفمبر من عام 1979 ميلاديًّا، من أمام السَّفارة الأمريكيَّة في طهران، حيث كان يقف تشارلي هاربر، الموظَّف بالسِّلك الدِّبلوماسي الأمريكي، دون سعي لإنقاذ المحتجَزين بالدَّاخل. أحاط بتشارلي جمعٌ من آلاف الشباب الملتحين الثَّائرين، ممَّن اعتزموا على تدمير السَّفارة، اعتراضًا منهم على الموقف الأمريكي من الثَّورة الإسلاميَّة، وإيوائها الشَّاه محمَّد رضا بهلوي، الذي لجأ إلى أمريكا في أعقاب الإطاحة به، في فبراير من عام 1979 ميلاديًّا. كانت تلك هي المهمَّة الأولى لهاربر، ابن السادسة والعشرين، بعد التحاقه بالخارجيَّة الأمريكيَّة، ولم يمر على شغله تلك المهمَّة أكثر من شهرين، وكانت بصحبته زوجته، التي ارتبط به قبل عام واحد. يسعى روزنبرغ من خلال هذا التقديم لتلك الشخصيَّة المحوريَّة الإشارة إلى صدمة الدِّبلوماسي الأمريكي الشَّاب من العنف الشِّيعي، ومحنته في وسط مجموعة من الهمج هدَّدوا سلامة مواطنيه وأساؤوا إلى هيبة بلاده. أراد الروائي كذلك بلورة إعجاب هاربر بجمال الطبيعة في إيران، وبتاريخها الحافل وحضارتها المتميِّزة السابقة على الثَّورة الإسلاميَّة، في إشارة ضمنيَّة إلى أنَّ صعود التيَّار الإسلامي إلى الحُكم هو مكمَن العلِّة وسبب الأزمة. كان هاربر يشعر بحالة من الاغتراب في المجتمع الإيراني، وكان هدفه، على حدِّ قول الروائي، فهْم طبيعة الاضطراب الاجتماعي والثقافي في إيران في أعقاب الثَّورة لمساعدة واشنطن على تكوين صورة سليمة عن المشهد الإيراني.

يعود تشارلي هاربر إلى منزله بأعجوبة، ويهرع إلى زوجته الحبلى في طفلها الأوَّل، ثمَّ يجلس للاستماع إلى إذاعة طهران، وكان البث لبرنامج مباشر، يتلقَّى الاتصالات الجماهيريَّة. فوجئ هاربر بأنَّ من بين المكالمات اتصال من امرأة زعمت أنَّ لديها معلومات عن انتفاضة الطلَّاب في الشوارع، لتقول المرأة، التي تعرِّف نفسها بأنَّها طالبة من أتباع خطِّ الإمام، أو نهجه السياسي، أنَّها تتحدَّث من داخل السَّفارة الأمريكيَّة، “وكر التجسُّس”، حيث احتلَّت مع أقرانها كافَّة مباني السَّفارة، بل ووصلوا إلى مكتب السَّفير ذاته (ص21). توضح المتَّصلة أنَّ لديها بيانًا لتقرأه، وتستشهد بعد البسملة بما ورد في خطاب لروح الله الخميني، اعتبر فيه أنَّ من الحتمي أن تمتدَّ يد الطلَّاب بالبطش ضدَّ أهداف إسرائيليَّة وأمريكيَّة، حتَّى تضطر أمريكا إلى إعادة الشَّاه المخلوع المجرم. تضيف المتَّصلة “نحن، الطلَّاب المسلمين، أتباع الإمام الخميني، احتلَّينا سفارة التجسُّس الأمريكيَّة، اعتراضًا على مكائد ممثلي الإمبرياليَّة والصهيونيَّة. نعلن للعالم اعتراضنا على أمريكا لمنحها حقَّ اللجوء للشَّاه واستغلاله، بينما يديها ملطَّخة بدماء الآلاف من أبناء هذا البلد…” (ص23).

يقرِّر تشارلي هاربر مغادرة إيران فورًا، خشية وصول مثيري الشَّغب إليه، بعد استيلائهم على ملفَّات السَّفارة، ومعرفتهم هويَّته، التي قد تدفعهم إلى التواصل معه لإجباره على الإدلاء بمعلومات هامَّة، بينما تعارِض زوجته الفكرة في البداية؛ لتعلُّقها بإيران. يواجه الزوجان معضلة كبيرة، وهي صعوبة الخروج من البلاد بجوازات سفر دبلوماسيَّة أمريكيَّة. يتعرَّض الزوجان أثناء هروبهما إلى اعتداء من الطلَّاب المتجمهرين، ويصل الأمر إلى إطلاق النار، وإلى احتراق السيَّارة بسبب انفجار خزَّان الوقود من شدَّة الحرارة. ينجو تشارلي هاربر بأعجوبة، حاملًا زوجته، قبل وصول النيران إلى المقعد الأمامي، ولكن خطر التعرُّض لانكشاف هويَّتهما والبطش بهما على يد رجال الخميني كان لم يزل قائمًا، لدرجة أنَّ هاربر خشي إلحاق زوجته بأي مشفى عند تعرُّضها للإجهاض. يرسم روزنبرغ مشهدًا مأساويًّا، يصارع فيه هاربر الخطر المحدق الذي يهدِّد حياة زوجته، لدرجة أنَّه بدأ يلعن إيران والخميني، بعد أن “ولَّى الشعور بالسعادة لوجوده في بلد غريب”، وصارت البلد في عينيه مدينة أشباح تطارده لقتله، واحترق الأمل في مدِّ جسور صداقة بين أمم العالم مع احتراق السيَّارة التي منحته الدولة إيَّاها (ص34). يتردَّد هاربر في اللجوء إلى الطبيب محمَّد شيرازي، الشِّيعي، معتقدًا أنَّه صار بالضرورة د عدوًّا له في ظلِّ الوضع الجديد، لكنَّ اهتمام شيرازي الشديد بحالة زوجة هاربر يثبت خلاف ذلك. ومن الملفت أنَّ الدكتور شيرازي يشارك هاربر الشُّعور بالاغتراب في بلده، التي يقول عنها “ليست إيران التي كبرتُ فيها، لم أعد حتَّى أعرف المكان بالمرَّة” (ص39). يساعد شيرازي الزوجين الأمريكيَّين في الاحتماء بمبنى السَّفارة الكنديَّة في طهران، بمعاونة زوجته التي تعمل مترجِمة لدى السَّفارة وأبلغته بتوافد مواطنين أمريكيِّين إليها.

يواصل روزنبرغ وصْف حالة التهديد التي عاش فيها تشارلي هاربر وزوجته المريضة، وبصحبتهما الدكتور شيرازي وزوجته، اللذان ظلَّا معهما داخل مبنى السَّفارة الكنديَّة. يدرس السَّفير الكندي إمكانيَّة تهريب الزوجين الأمريكيَّين، ليبادر هاربر بالإلحاح على السَّفير أن يبذل قصارى جهده لتهريب شيرازي وزوجته معهما، خشية تعرُّضهما للبطش على يد رجال الخميني لتعاونهما مع مواطنين أمريكيَّين، وتعبيرًا عن امتنانه لإنقاذ الزوجين الإيرانيَّين حياته وزوجته.

موت الخميني يأذن بمرحلة جديدة في تاريخ ملالي إيران

تنتقل الأحداث إلى مرحلة جديدة من تاريخ الثَّورة الإسلاميَّة في إيران، بعد مرور 10 سنوات على اندلاعها، وينتقل المشهد تحديدًا إلى يوم 3 يونيو من عام 1989 ميلاديًّا، يوم وفاة روح الله الخميني، أحد كبار مرجعيَّات الفرقة الإماميَّة الاثني عشريَّة الشِّيعيَّة، ولاحقًا المرشد الأعلى للثَّورة الإسلاميَّة، وهو منصب استُحدث في الدُّستور الإيراني ينصُّ على نيابة المخوَّل بهذا المنصب عن الإمام المهدي في زمن الغيبة. من الثابت أنَّ بعد وفاة الخميني، تقلَّد منصب المرشد الأعلى والنائب الأكبر للإمام الغائب علي خامنئي، ثالث رؤساء الجمهوريَّة الإسلاميَّة الإيرانيَّة (1981-1989م)، الذي ترك الرئاسة لأجل منصب الإرشاد والنيابة العامَّة. تفاديًا للنقد المباشر لشخص خامنئي، ما قد يثير أزمات قضائيَّة واتِّهامات بالسبِّ أو التشهير، يستعيض روزنبرغ عن اسم علي خامنئي بـ “حميد الحسيني” في تناوُله لشخصيَّة المرشد الأعلى الإيراني التي خَلَفَت الخميني. أوَّل ما يوصف به حميد الحسيني هو الإخلاص الشديد للخميني، الذي لم يفارقه على مدار 3 عقود. يُصاب الحسيني بحالة من الأسى على حال المرشد الأعلى، الذي فتك السرطان بصحَّته، ويشعر بالقلق على مستقبل الثَّورة الإسلاميَّة؛ “فقد أنجز الاثنان معًا الكثير، ولم تكتمل مهمَّتهما بعد، وما كانت لتنتهي حينها” (ص44).

يتذكَّر الحسيني لقاءه الأوَّل بالخميني، ليعود إلى عام 1963 ميلاديًّا، حينما بدأ نجم المرجع المعمَّم في الصعود، وبدأت الجماهير تلتفُّ حوله، خاصَّة مع نقده اللاذع للشَّاه محمَّد رضا بهلوي، الذي كان الخميني يصفه بـ “الخسيس البائس”، المتحالف مع عملاء إسرائيل (ص45). أصيب الحسيني بالصدمة في لقائه الأوَّل بالخميني، حينما قال الأخير أنَّ الشَّاه يومًا ما سيسقط وسيُجبر على مغادرة البلاد. يسترجع الحسيني كذلك أن تلك الخُطبة للخميني أشعلت نيران غضب السُّلطة ضدَّه، ليُلقى القبض عليه وعلى كلِّ من حضر إلقاء خطبته تلك، ومن بينهم الحسيني، ممَّا أسفر عن انتفاضات شعبيَّة في شتَّى أنحاء إيران، خاصَّة في طهران، العاصمة السياسيَّة، وقُم، “العاصمة الدِّينيَّة”، التي تأوي أهمَّ الحوزات العلميَّة الشِّيعيَّة (ص45). ظلَّ الحسيني بصحبة الخميني في سجنه لمدَّة 10 أشهر، وكانت تلك المرَّة الأولى في حياة الخميني ليتعرَّض للتعذيب والسَّجن، لكنَّ ذلك جعل من الخميني “رمزًا وطنيًّا لتعذيب الشَّاه للمسلمين الأتقياء”، وأصبح بمرور الوقت “زعيمًا للمعارضة الإسلاميَّة السياسيَّة للشَّاه، وهو دور كان يلائمه تمامًا” (ص46).

أُفرج عن الخميني ورفاقه في أبريل من عام 1964 ميلاديًّا، وأقيمت الاحتفالات فرحًا بذلك، لكنَّه لم يكن يعبأ بذلك؛ كان الخميني “يريد ثورةً” (ص46). كان الحسيني إلى جانب مولاه الخميني حينما ألقى خطبةً في أكتوبر 1964 ميلاديًّا “اتَّهم فيها الشَّاه وحكومته العلمانيَّة بالخيانة، وحثَّ المسلمين الشِّيعة في كافَّة أنحاء إيران على نُصرة الإسلام من خلال الهجوم على النظام الكافر المرتد” (ص46). أعيد القبض على الخميني ومعه الحسيني في نوفمبر من العام ذاته، ولكنَّ النفي كان العقوبة الجديدة، حيث أُرسل الزعيم الدِّيني المفوَّه، ومعه رفيقه المخلص، الحسيني، إلى تركيا، التي كانت قد طبَّقت نظامًا علمانيًّا قبل ذلك بعقود، وتخلَّت عن الصبغة الإسلاميَّة شكلًا ومضمونًا؛ على ذلك، كان من الصعب على الخميني وجماعته التخطيط لخطوتهم المقبلة من هناك، لتكون العراق وجهتهم الأصح، حيث توجَّهت إليها الجماعة في أكتوبر من عام 1965 ميلاديًّا.

تذكَّر الحسيني موت مصطفى، ابن الخميني الذي رافق الجماعة في العراق، في خريف عام 1977 ميلاديًّا، وكيف لم يقتنع هو وقتها بأنَّ الموت كان بسبب أزمة قلبيَّة، متيقِّنًا بأنَّ السافاك (SAVAK)، البوليس السرِّي للشَّاه، كان وراء موته. وتساور الشكوك ذاتها الحسيني بخصوص مرض الخميني، الذي لم يقتنع بأنَّه السَّرطان، معتقدًا أنَّ “وكالة المخابرات الأمريكيَّة، أو الموساد الإسرائيلي، سمَّمته” (ص47). لم يكن لدى الحسيني دليلٌ على أنَّ المخابرات الأمريكيَّة والإسرائيليَّة كانتا وراء مرض مولاه، لكن “لم يكن لديه شكٌّ في أنَّ الشَّيطان الأكبر والشَّيطان الأصغر كانا وراء موت الخميني، وتوعَّد في صمت بأن يجعلهما يدفعان الثَّمن” (ص47). ومع عجز الأطبَّاء عن إسعاف الخميني الذي أوشك على الموت، استقبل الحسيني القبلة ليدعو الله ألَّا ينهي حياة مولاه قبل إتمام مهمَّة الإعداد لظهور مخلِّص الشِّيعة، “صاحب الزَّمان” الذي “طال انتظاره”، والذي بدونه “لا يمكن أبدًا إحراز نصر”، مبتهلًا أن يجعله الله من “ممهِّدي الطَّريق لظهور المهدي” (ص48).

تنشئة جيل من المتطرِّفين فكريًا لاستقبال المهدي

ينتشر خبر وفاة الخميني، ليصل إلى سمْع الطِّفل نجَّار مالك، والذي يصبح لاحقًا عالم فيزياء يتبع منظَّمة الطاقة الذريَّة الإيرانيَّة، المقيم وقتها في مدينة سامرَّاء العراقيَّة، التي يُعتقد أنَّ الإمام محمَّد بن الحسن العسكري قد احتمى بسرداب هناك من بطش خلفاء بني العبَّاس. نشأ نجَّار في سامرَّاء بعد أن عني عمَّاه بتربيته بعد وفاة أبويه في حادث، وكانت نشأته متزمِّتة؛ حيث لم يُسمح له بمشاهدة وسائل الإعلام، أو الاطِّلاع على شيء سوى كُتُب الدراسة، ولم يعرف سوى طريقي المسجد والمدرسة. أصيب نجَّار بصدمة من الخبر، الذي لم يصدِّقه مثل كثيرين من أهل المدينة المقدَّسة لدى الشِّيعة، ممَّن اعتقدوا أنَّها شائعة نشرها الصهاينة أو أهلُّ السُّنَّة؛ ذلك لأنَّهم اعتقدوا أنَّه “لم يكن ليموت ببساطة، ألم يكن المهدي الذي طال انتظاره؟ ألم يكن الإمام الثَّاني عشر، الإمام الغائب؟ ألم يكن من المفترض أن يؤسِّس العدالة والسَّلام؟ كيف يمكن أن يموت إذن، إذا كان، حقًّا، منقذ العالم الإسلامي والبشريَّة جمعاء” (ص49).

اعتاد نجَّار على الاستماع إلى خُطب الخميني، وتأثَّر بدعوته إلى الجهاد، استنادًا إلى الآية 218 في سورة البقرة “إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ”، وعرف من خطبه كذلك أنَّ اليهود والنَّصارى هم المغضوب عليهم والملعونين، وأنَّ من الواجب “أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ” (سورة المائدة: الآية 33)، وتلقَّى كذلك أمر الخميني أن “اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ” (سورة التَّوبة: الآية 5). يرسم روزنبرغ صورة قاتمة عن نشأة نجَّار على أفكار تبدو متطرِّفة، ويقصد من وراء ذلك الإشارة ضمنيًّا إلى عقائد إسلاميَّة تحرِّض على الكراهيَّة ضدَّ غير المسلمين، وبخاصَّة اليهود والنَّصارى. يجتزئ الروائي النصوص القرآنيَّة، ليأخذ منها ما يبدو مسيئًا لأهل الكتاب، مثل قوله تعالى “قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ (59) قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَلكَ مَثُوبَةً عِندَ اللَّهِ مَن لَّعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولئِكَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضَلُّ عَن سَوَاءِ السَّبِيلِ (60)” (سورة المائدة: آيتان 59-60)، برغم أنَّ التوبيخ في هاتين الآتين بسبب عدم اتِّباع أهل الكتاب للنبيِّ مُحمَّد (ﷺ)، الذي أرسله الله للنَّاس كافَّة، بالهدى ودين الحقِّ، بكتاب نسَخَ ما جاء به مَن قبله من الأنبياء.

بدأ نجَّار يتساءل عن هويَّة الإمام الثَّاني عشر، ويسأل نفسه كيف يموت الخميني قبل تأسيس إمبراطوريَّة عالميَّة تقوم على العدل والمساواة. تأكَّد خبر وفاة الخميني عبر إذاعة طهران، التي أعلنت وفاة المرشد الأعلى للثورة الإسلاميَّة بعد إصابته بنزيف داخلي عن عُمر 88 عامًا، لتعيد إذاعة خطاب سابق للخميني يعود لعام 1980 ميلاديًّا، حضَّ فيه على ضرورة “تصدير الثَّورة إلى شتَّى أنحاء العالم”، وهنا يسأل نجَّار نفسه “إذا كان الخميني قد مات حقًّا، فمن سيقود الثَّورة؟ ومن هو المسيَّا الحقيقي إذن، ومتى سيظهر؟” (ص51). من بين سمات شخصيَّة نجَّار فهمه السطحي للقرآن الكريم، وخشيته من عقاب الآخرة، الذي جعله يترفَّع عن ردِّ الأذى للمعتدين، وينسب كلَّ حدث إلى القضاء الإلهي بالإثابة أو إنزال العقاب، لدرجة أنَّه اعتقد أنَّ وفاة أبويه في حادث كان عقابًا إلهيًّا على إثم اقترفاه.

يفاجأ نجَّار حميد مالك بطفل غريب يعرف تاريخ حياة أبويه الرَّاحلين بالتفصيل، يعيد على سمعه كيف نشأت أمُّه على حفظ القرآن الكريم وتشرَّبت عقيدة غيبة الإمام منذ صغرها، وكذلك كيف عانى أبوه في مساره المهني في تجارة السجَّاد الفارسي. يعتقد الغريب أنَّ نجَّار وقع عليه الاختيار الإلهي ليكون عالمًا وأحد الممهِّدين لظهور الإمام الموعود. يعد الطفل الغريب نجَّار بالفوز بنعيم الجنَّة الأبدي، شريطة أن يتَّبع الله وينذر حياته للإعداد لظهور الإمام الغائب، وبعد ذلك يختفي الطفل الغريب دون الكشف عن هويَّته.

مرور 12 عامًا ونشأة جيل إيراني جديد من المهاجرين إلى الغرب

يعاود الدكتور محمَّد شيرازي الظهور، بعد أن انتقلت الأحداث إلى عام 2001 ميلاديًّا، بعد أن كان آخر ما عُرف عنه إصرار الأمريكي تشارلي هاربر على اصطحابه وزوجته إلى أمريكا، عرافانًا منه بجميلها في إنقاذه وزوجته من الهلاك على يد أتباع الخميني. أنجب شيرازي ثلاثة أبناء من الذُّكور، أصغرهم ديفيد/داود، وهو بطل الأحداث، الذي كان يبدو “فارسيًّا في نظر أبويه، لكنَّه أراد أن يكون طفلًا أمريكيًّا عاديًّا”، على اعتبار أنَّه أمريكي المولد، ومن الواضح أنَّه أراد منذ صغره التحرُّر من أصوله الفارسيَّة، والتماهي مع المجتمع الأمريكي الذي مارَس عليه التأثير الأكبر (ص61). على ذلك، ديفيد “لم يكن يريد التفكير في نفسه بوصفه إيرانيًّا أو مسلمًا؛ فالولايات المتَّحدة وُلد، وعلى أرضها نشأ، وصار يحلم بالأحمر والأبيض والأزرق. كلَّ ما أراده هو التواؤم مع المجتمع، والتفوُّق مثل أخويه”، ساعيًا إلى التغلُّب على ما تفوَّقا عنه فيه، من تميُّز في الشَّكل وتقدُّم في الدراسة (ص62). تربَّى ديفيد وشقيقاه الأكبر سنًّا على سماع قصَّة نجاة أبويهم من طهران في الأشهر الأولى للثَّورة الإسلاميَّة، وعن هروبهما على متن طائرة إلى جينيف في سويسرا، ومنها إلى تورونتو الكنديَّة، ثمَّ إلى ولاية نيويورك، حيث استقرَّا في مدينة سيراكيوز شمالي الولاية، المعروفة بجوِّها قارس البرودة. تسافر الأسرة فر حلة مع أسرة تشارلي هاربر، وتنشأ رابطة ودٍّ بين ديفيد ومارسيل، ابنة تشارلي.

يكشف ديفيد في حوار له مع مارسيل عن موقفه من الإسلام، حيث يردُّ على سؤالها “ألستَ مسلمًا؟” بقوله “أخمِّن ذلك…أنا مسلم، شيعي في الحقيقة…نوع المسلمين في إيران” (ص106). وبسؤاله عمَّا إذا كان يؤمن بالله، يقول ديفيد “لا أعلم فيما أعتقد…لأنَّ أبي مُلحد (atheist) وأمِّي لا تهتمُّ بالدِّين (agnostic)”، مضيفًا أنَّ أبويه أعادا النظَّر في اعتناقهما الإسلام بعدما شهداه من تجاوزات للثَّورة الإسلاميَّة في حقِّ الشَّعب، حيث لم يستطع الزَّوجان، دكتور شيرازي وزوجته نسرين، الإيمان بإله “يأمر بقتل وتقطيع أوصال وتعذيب الكثيرين من الأبرياء” (ص107). تسأل مارسيل ديفيد إذا ما كان يؤمن بالمسيح، فيردُّ بالإيجاب، مشيرًا إلى إيمانه بنبوَّته التي يقرُّ بها الإسلام. وبرغم إيمانه بوجود إله، لا يؤمن ديفيد باستجابة الدُّعاء. ينتقد ديفيد أسلوب نظام ملالي الشِّيعة في السيطرة على مقاليد الأمور في إيران، مشيرًا إلى عمليَّات الاغتيال التي ينفِّذها البوليس السرِّي ضدَّ المنشقِّين والمعارضين.

آخر سنوات نظام صدَّام حسين في العراق: عنف مفرط رغم صرامة النظام الأمني

يتعرَّض نجَّار مالك إلى محاولة قتل على يد مجهول بعد أن شاهد ذلك الشخص، ضمن جماعة من الملثَّمين، يقتلون أمًّا وطفلتها بعد خطفهما. ينجو نجَّار من محاولة القتل، ويُنقل إلى مشفى من أثر الصَّدمة، ويُستجوب على يد مخابرات النظام الحاكم، وهو أحد الأجهزة الاستخباراتيَّة التابعة لنظام صدَّام حسين، والبالغ عددها 13 جهازًا، على حدِّ قول الروائي. لم يستطع نجَّار تحديد هويَّة مَن حاول قتله، ليخرج من المشفى ويجد أقاربه في انتظاره. وبرغم ما أُحيط به الشَّاب من اهتمام ممَّن بقي من أهله، فقد كان يشعر بـ “الحزن. الوحدة. الفقر. اليأس”، ثم بدأ يتساءل “هل تلك هي مِنح الله لأبنائه؟” (ص83). من جديد، يصادف نجَّار شخصًا غريبًا في الشارع، ويبشِّره بأنَّه “سيخدم الإمام الموعود”، لكن الوقت “لم يحن بعد”، ليمضي الشَّاب دون أن يفهم المقصود (ص86).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

المؤسسية في الإسلام

د. عطية عدلان مدير مركز (محكمات) للبحوث والدراسات – اسطنبول كثيراً ما نُرَدّد …