أخبار عاجلة

بعد أن ظن الكثيرون أنها تراث.. كاتب الأغنية الحورانية الشهيرة من مفرق جاسم للصنمين، يكشف سرّ كتابتها بعد أربعين سنة…

د. نور الدين اللباد

شاعر ودبلوماسي سوري سابق
عرض مقالات الكاتب

أولا ً : أنا نورالدين ابراهيم اللباد من أهالي مدينة الصنمين محافظة درعا الأبية وأرض حوران العطاء والكرم… وزير مفوّض دبلوماسي منشق عن نظام القتل والإجرام الذي ارتكب أول مجزرة له بهذه المدينة بتاريخ 25/3/2011 أي بعد اسبوع من اندلاع الثورة المباركة .
إضافة لعملي لمدة ربع قرن في السلك الدبلوماسي كان لي اهتمامات واسعة في الأدب والشعر والترجمة حيث أصدرت قبل 20 عاماً ديواني شعر اثنين وقمت بترجمة خمسة كتب عن الفرنسية ونشرت العديد من القصائد في صحف محلية وعربية وكان لي اهتمام بالشعر المحكي النبطي وأغاني التراث الحوراني على وجه الخصوص.

ثانياً : فيما يتعلق بالأغنية المذكورة لا تعترف الذاكرة الجمعية لأي شخص مفرد بكتابة أية أغنية فالأغاني ملك مشاع للناس كل الناس حتى الذين لاينتمون لنفس المنطقة ولم يجمع مؤرخو التراث يوما أن فلانا من الناس قد كتب كلمات هذه الأغنية أو تلك حيث هناك لحن جاهز عمره مئات السنين وعليه تنسج الشعوب أغانيها كالدلعونة والمولية والجفرا وزريف الطول وغزيّل وغيرها.

ثالثاً: عندما يكون هناك اسم معين لقرية أو مدينة أو شخص في أغنية ما فلابد أن يكون هناك حدث ما .
هناك طريق اسفلتي معبد شقه الفرنسيون موازيا لسكة خط الحديد الحجازي يمتد من دمشق إلى درعا ويمر بعدة مدن وقرى ومنها الصنمين التي تقع في الوسط تماماً بين دمشق ودرعا ، بعد الصنمين ب5 كم هناك قرية (القنية)
وبأولها هناك شاخصة زرقاء لطريق فرعية تذهب باتجاه الغرب مكتوب عليها (انخل- جاسم) .لا أحد من أهالي حوران يطلق على مفترق الطرق هذا مفرق جاسم إلا أهل الصنمين فالأوْلى والأصح أن يطلق عليه ( مفرق انخل) لأن مدينة انخل قبل مدينة جاسم ، لكنها عملية ( تنمّر )في التسمية على أهلنا في انخل من أهلنا في الصنمين بسبب الخلافات التاريخية على الأرض الزراعية المتشاطئة للمدينتين على وادي أبو الصوف
لذلك فإن أهلنا في انخل لايقولون ( مفرق جاسم) بل (مفرق انخل) وهو الأصح.

ثالثا ً: كاتب الكلمات يجب أن يكون حصرا ً من الصنمين لأنه كما قلت سابقاً لا أحد من الحوارنة يقول فرق جاسم إلا أهل الصنمين.

رابعاً : نعود للأغنية موضوع المنشور .لقد كانت مجموعة من الشباب بصدد تشكيل فرقة موسيقية تهتم بالتراث وتحاول التجديد واشتهرت بكل حوران لكنها لم تلق الشهرة على مستوى القطر لأسباب معظمكم يعرفها على رأسها ابن الصنمين الأستاذ الفنان درغام السويداني واحد من أجمل الأصوات في سورية و عازف الكمان الرائع الأستاذ صبري اللباد وعازف العود الأستاذ علاء اللباد وعلى الإيقاع الفنان المبدع محمد جبر الذي يجعل واحدة كفيفي عبده ترتعش رقصا وجاء مؤخرا ً الفنان الكفيف الرائع علي العصمان أبو عصام ( رحمه الله) وكانت هذه الفرقة تحيي حفلات الأعراس في كل قرى حوران منذ العام 1978 إلى أن دخلت موضة الموالد في منتصف التسعينات. لم أكن عضوا في الفرقة إنما كنت أذهب معهم حيث كانت لي فقرة شعرية باللهجة العامية يقدموني فيها على أني شاعر وقد كتبت للأستاذ درغام أغاني قام بتلحينها الأستاذ صبري .

في العام 1982 كنت طالبا في سنتي الثانية في الجامعة وبذلك الصيف كان هناك عرس وفرح في قرية ( القنية) وبمنزل على مفرق جاسم أظنه لآل السعدي وكان درغام يغني الدلعونة فكتبت على ورقة صغيرة :

من مفرق جاسم للصنمين
حاجة تهلّي الدمع ياعيني
على وليفاً كان مسلّيني
واصبحت مفارق سود العيونا

حاجة تهلّي الدمعة السخية
واتهموك ِ وانتِ بريّة
والله لخطفك على (القنيّة)
وهَلي مع هَلِك يتذابحونا

من باب دارك بطلت المرقة
وابقي سبّيني ان شفتيني مارق
ما احلى المحبة ومَصعب الفرقة
الله يعينو القلب اللّي مفارق

أعطيته الورقة فقال ( ولك نور من وين جبتها هاي ) وعندما غنّاها وأعادها مرارا وتكرارا ضج جمهور العرس بشكل كبير .

لقد غنّاها درغام على لحن يسمى ( الدركش الحوراني وهو مزيج بين مقامي الرست والبيات) وعليه لحن الدلعونة الحورانية في حالتي القرار المنخفض والبطيئ والجواب العالي والسريع ولمن يعرف بالمقامات الموسيقية أن يدلي بتعليقه .انتشرت هذه الأغنية كالنار في الهشيم وقد كُتب على منوالها آلاف الأغاني فإنك تستطيع أن تنسج عليها كل أغاني الدلعونة في الوطن العربي من لبنان إلى فلسطين والأردن خصوصا الذين يغنون هذا النوع.
لم نكن مهتمين بمن كتب أو لحن لأننا لم نكن نعرف ماهي الملكية الفكرية أو قوانينها .
ليس مهماً ما قيل أو ما أُلحق بالأغنية فكما قلت كل أغاني الدلعونة تُغنى لكن المهم هو اللازمة الأولى التي تتكرر وهي من ( مفرق جاسم للصنمين ) والذي دفعني لإثارة الموضوع أنني قرأت الكثير من القصص المؤلفة حولها فمثلا أحدهم قال أن فتاة كانت بحاجة لطبيب فأخذوها من جاسم إلى( خبب ) فما الذي ربط مفرق جاسم إذا كانت هي بجاسم وما دخل الصنمين. وقصة أخرى أن بدويّا ً على فرسه كانت حبيبته بعيدة عنه غنى لها هذه الأغنية وقصص أخرى ليس بها ترابط مع موضوع لازمة هذه الأغنية .وعندما كتبتها لا أدري كيف ولكن بذاكرتي أن هذا الموقع اسمه مفرق جاسم كوني ابن الصنمين ولست من انخل لأني سأقول مفرق انخل ولست من جاسم لأن مفرقها وليس هي مركز الرحلة إنما من مفرق طريقها إلى المقصد ألا وهي الصنمين فالحادثة تكون في هذه الكيلومترات الخمسة .فالقصة ليست قصة غرام إنما كلام غنائي يجب أن يدخل فيه وصف الحالة الفيزيائية والنفسية.لكن كما قلت أن الذاكرة الجمعية للشعوب تنسج من الخيال ما هو واقع حتى يصبح حدثاً تجمع عليه أغلبية الناس وخاصة إذا كان يحاكي تراثهم.
في العام 2001 كنت قائماً بأعمال السفارة السورية في بغداد وجاءت فرقة تراث حورانية لإحياء حفلاتها في العراق ولاقت نجاحاً كبيرا وقد بدأت الحفل على أكبر مسرح في بغداد بهذه الأغنية التي أعجبت العراقيين كثيرا صعدت للمسرح وقلت للأستاذ غازي العماري وهو رئيس الفرقة أتعلم أن هذه الأغنية لي وحكيت له القصة فقال يارجل حرام عليك أنت ودرغام يجب أن تُسجل، قلت له أن درغام سجلها في التلفزيون والإذاعة عام 1983 على أنها من التراث الحوراني فقال هذا أكبر خطأ وإذا الأستاذ غازي متابع على الفيسبوك يستطيع أن يدلي بدلوه.لم أتابع الموضوع حينها بحكم عملي كما قلت ووجودي الدائم خارج البلاد.
على كل حال أعضاء الفرقة مازالوا كلهم عدا الأستاذ علي العصمان رحمه الله وسيقومون غدا بإعادة تسجيلها وبصوت درغام وبلحنها الأساسي إضافة لأغاني أخرى .
هذه قصة هذه الأغنية الصدفة والتي لو كنت أعي أنها ستلاقي هذا الزخم من الاهتمام وأصبح يغنيها كل من هب ودب وتشويهها بألحان لاتناسبها لكان هناك أمر آخر .

تعليق واحد

  1. مهندس صالح الخالدي ...... الاردن

    بل هي تراث لبلاد الشام وهذا متم بالأردن ١٩٨٥ قبل هذا التشويه وانا شخصيا كنا نردد الاغنية بصيغ مختلفه وأثناءحصاد مواسم الزراعة بالرياض وخاصة م سم الحصان للقمحمن نهر الاردن للصنمين – الاغنية عام 1985
    YouTube · Abdallah Al Himed
    ١٨‏/١٠‏/٢٠١٧

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

كتاب المرأة الجزائرية في الثورة التحريرية (حقائق وشهادات) للأديبة عائشة بنور

الكاتب الدكتور حسين علي غالب| ساهمت المرأة الجزائرية عبر مسیرتھا التاريخية في البناء الحضاري للدولة …