أخبار عاجلة

مؤيدو الأسد.. ضحايا أم مذنبون؟

ياسر العيسى

صحفي سوري
عرض مقالات الكاتب

مع التآكل المتزايد الذي يشهده نظام الأسد، والذي وصل إلى بنيته الاقتصادية، بعد تآكل كبير في ركنيه الآخرين، الجيش والأمن، ناهيك عن ركن الخوف الذي يحاول إعادته إلى نفوس السوريين – دون جدوى – وصل الحديث اليوم إلى الركن الأساس للنظام، مع تداول إمكانية التخلص من بشار الأسد من قبل مُنقذيه ، خاصة الروس منهم.

ما نرغب طرحه هنا، ليس مدى مصداقية هذه النية، أو من وجودها أو عدم وجودها أصلاً، بقدر الإشارة إلى العديد من النقاط، قبل الولوج إلى النقطة الأهم.

النقطة الأولى في معرض الحديث الجاري عن سورية اليوم، تتعلق بالتساؤل عن أسباب استمرار توصيف العلاقة ما بين الأسد وروسيا وإيران وغيرهما من الداعمين له بـ”الحلفاء”، مع أنه وفق ما تبين للجميع – حتى لمطلقي هذا التوصيف – أن الأسد عميل لهؤلاء، وليس “حليف” يتساوى معهم في المصالح واتخاذ القرار، وبالتالي لا يستحق لقب “حليف”، وهو يمارس ويؤدي أدوار العميل.

النقطة الثانية، هي إصرار الكثير من المتابعين للشأن السوري، على اعتبار أن التخلص من الأسد، لا يعني أبداً انهيار النظام، وهو ما أعتقد أنه يحمل مغالطة تجافي الواقع والتاريخ القريب.

نظام الأسد قائم على شكل الهرم المقلوب الذي يرتكز على الحجرة الواحدة في الأسفل، المتمثلة اليوم في الأسد الابن ومن قبله الأسد الأب، وإزالتها تعني سقوط هذه الهرم (النظام) بشكل تلقائي، أو على الأقل تفتته، مع عدم القدرة على تجميع واسترجاع وتوحيد بنيته وجيوبه وزواياه. دون نكران أن تأثيرات ما زرعه تحتاج سنوات، وربما لعقود للخلاص منها والحد من تأثيرها.

وفي هذا الإطار، نتساءل: إذا كان إزاحة الأسد لا تعني أبداً انهيار أو شبه انهيار للنظام، لماذا لم يوفر حُماته (إيران وروسيا)  الجند والمال والعتاد والوقت؟

الجواب اعتقد أنه بسيط، لم يفعلوا ذلك، لأنهم يعلمون علم اليقين بأن ذهاب الأسد يعني انهيار النظام، بغض النظر عن أسلوب وطريقة هذا الانهيار، وبالتالي “مغالطة” عدم ارتباط رحيل الأسد بانهيار النظام، تعادل كذبة “عدم وجود بديل للأسد” في حكم سورية، التي يرددها الكثير من أهل الغرب والشرق، ممن برروا خذلانهم للسوريين، رافضين الإقرار بأن القضية السورية ليست مرتبطة بدستور وقانون ومجلس شعب وحكومة ووزراء وجيش وشرطة، كون جميعها تفاصيل، إذا بقي الأسد مكانه.

مؤيدو الأسد، هي النقطة الثالثة القديمة الجديدة، ومصير هؤلاء إذا ما تم رحيل الأسد وإسقاط نظامه فعلاُ، كان محور حديث سوريين مؤخراً، ومنهم من طرح بأن هؤلاء “مذنبون” يجب أن يحاسبوا على مواقفهم الداعمة للأسد وجرائمه،  ومنهم من يرى بأنهم “ضحايا”، وينظر إليهم نظرة استعطاف وتبرير لمواقفهم، خاصة بعد الأزمة الاقتصادية التي يعيشها “أغلبهم” في الداخل الآن، أسوة ببقية السوريين المتواجدين في مناطق سيطرة النظام.

ذكرت هنا وجود “أغلبهم” في الداخل السوري، للتأكيد على حقيقة أن تأييد الأسد “تطوعاً”، لا علاقة له بمدينة سورية دون أخرى، ولا يرتبط بمكان جغرافي (داخل سوريا أو خارجها)، أو بمستوى ثقافي (أمي – جامعي – متعلم)، ولا بغنى أو فقر، ولا بفئة عمرية دون أخرى، ولا علاقة له بظرف دون ظرف آخر.

كثير من السوريين يرون بأن هؤلاء سيندمون على مواقفهم المؤيدة، و”سيلومون أنفسهم” على هذا الموقف عاجلاً وليس آجلاً، وكان من المعبرين عن هذا الموقف، الفنان جمال سليمان في آخر لقاءاته مع تلفزيون “القاهرة والناس” عندما قال: “أنا أخشى أن الناس الذين ساندوا النظام كل هذه السنوات بعد أشهر سيكونوا نادمين على فعلتهم”.

ربما للاقتراب أكثر من الإجابة على سؤال هؤلاء مذنبون أم ضحايا؟ لابد من التفريق بين المؤيد خوفاً، والمؤيد “مُكرهاً”، والمؤيد مصلحة، والمؤيد خشية من “وهم” فقدان الأمان، أو المؤيد “تعباً” من ظروفه التي يعيشها عقب انطلاق الثورة، والمؤيد حباُ.

الأخير أعتقد أنه من أسوأ أنواع المؤيدين، والفرق شاسع ما بينه وبين أقرانه الآخرين، وهو الذي تطرف في تأييده (الأسد أو نحرق البلد)، ظناً منه أنه سيكون بعيداً عن نيران هذا الحريق، لكن جاء الوقت الذي اكتوى فيه بناره، لنراه اليوم متذمراً صارخاُ من ألم بقاء الأسد واحتراق البلد بآن واحد. 

الإجابة على سؤال إن كان “المنحبكجية” مذنبون أم ضحايا؟ ربما كان من الأسئلة الإشكالية التي طرحت سابقاً من قبل أدباء ومفكرين وفلاسفة، لكون هذا النمط من البشر لم يكن حكراً على أتباع الأسد، وإنما تواجدوا في أزمنة وأمكنة أخرى، وإن بأسماء مختلفة.

يقول المفكر الفرنسي “إيتيان دو لا بويسي” في كتابه ” العبودية الطوعية”: “عندما يتعرض بلد ما لقمع طويل تنشأ أجيال من الناس لا تحتاج إلى الحرية و تتواءم مع الاستبداد، ويظهر فيه ما يمكن أن نسميه المواطن المستقر”.

ولا نعلم هنا إن كان “بواسييه” يبرر لـ”المواطن المستقر” هذه العبودية أم يفسرها، أم يلوم فاعلها فقط؟

مشكلة الفئة التي نتحدث عنها في هذا المقال، أنهم على يقين بعدم صوابية الدعاية والصورة التي رسمها الأسد ونظامه، وهو ما أثبتته لهم سنوات الحرب التي شنها على السوريين، لكن مع ذلك ما زالوا مصرين على تبنيها، وربما يدلل ذلك على أنهم عبر الصورة الوهمية والبروباغندا التي رسمها النظام لنفسه، لم يكن الهدف منها خداع من يوالونه – كما كنا نظن – بقدر مساعدتهم على خداع أنفسهم.

رغم أن ما نشهد نتائجه اليوم في الداخل السوري، كان نتيجة حتمية لما فعله الأسد ونظامه، لم يكف المؤيد على اتهام الآخرين بكل شيء، وتبرئة أنفسهم مما حصل، ناهيك عن الأمر الأهم، وهو استمرارهم في تشريعهم لجرائم النظام، بعد أن صفقوا لها وشجعوها وحرضوا عليها في وقت سابق، ولعل هذا يصّعب من مهمة وصفهم بـ”الضحايا”، وإبعادهم عن توصيف “المذنبين”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

الأوهام لا تصنع أوطانًا!

د. محمود سليمان أكاديمي سوري، دكتوراة في القانون الدستوري. عندما قام غالبية الشعب …