أخبار عاجلة
الرئيسية / بحوث ودراسات / أوروبا ومذابح القرن العشرين.. مراجعات في المسألة الأرمنية (2)

أوروبا ومذابح القرن العشرين.. مراجعات في المسألة الأرمنية (2)

معاذ السرّاج

باحث في تاريخ سورية المعاصر وشؤون الحركات الإسلامية
عرض مقالات الكاتب

لمحة تاريخ العلاقة بين العثمانيين والأرمن 

إن ظهور الامبراطوريات العظمى واضمحلالها من المسائل التي تحتاج لدراسات موضوعية بعيدا عن العواطف والتخيلات والأحكام المسبقة, ولا ينبغي أن يخضع تدوين التاريخ لعقلية تدفع إلى تعميم الإخفاقات والأخطاء, وتوجيه اللوم إلى التاريخ برمته, في جميع نقائص المجتمعات وجوانب القصور فيها, نتيجة حوادث طارئة أو مسائل ظرفية, كأن يكون سوء الحكام المتأخرين الذين انهارت الدولة على أيديهم, كما هو الحال في الحكم العثماني في مرحلته الأخيرة بحيث يصبح اتهاما لحضارة امتدت نحو سبعة قرون.

وفي إطار استخلاص العبر والدروس, فإن وقائع التاريخ يجب أن تناقش بعيدا عن الإثارة والتوظيف السياسي. ومن أجل تكوين صورة متوازنة وواقعية, في سياق المنحى الإيجابي الذي نتوخاه في هذه الدراسة, يجب أن تُعطى الفرصة لوصف التعايش السلمي الطويل بين المسلمين والمسيحيين, وعلى نحو أكثر تخصيصا, بين الأرمن والأتراك, خلال حقبة التاريخ المشترك بينهما, على أنه لم يكن وديا فحسب, بل أخويا أيضا, الأمر الذي ينبغي سنحاول إلقاء الضوء عليه في هذه الورقة.

وفي هذه المقدمة سنرى أن الإسلام, وكما تؤكد شهادة الكثير من المؤرخين, كان سابقا لزمانه بقرون كثيرة, عندما أتاح للأقوام المنضوين تحت سلطانه أن يحافظوا على معتقداتهم وتقاليدهم وتراث حياتهم, في زمن كانت المبادئ السائدة فيه تقضي بإكراه الرعايا على اعتناق دين ملوكهم. وعندما كانت الدولة الإسلامية في عز انتصارها وقوتها وغناها, أبدت الكثير من التسامح والملاينة والمسايرة مع السكان المحليين على اختلاف مذاهبهم ودياناتهم, وأحدثت لأول مرة, نظام تعدد الأديان في الدولة الواحدة, وهو “نظام أهل الذمة”, ما جعل المسيحيين, في أحد النماذج التاريخية, يجدون في دولة الإسلام متسعا لم يكن متاحا لهم في الدولة البيزنطية.

“لا شك أن هذه الفكرة كانت ابتكارا عبقريا”, كما يقول الدكتور إدمون ربّاط, “وذلك لأنه للمرة الأولى في التاريخ, انطلقت دولة, هي دينية في مبدئها, ودينية في سبب وجودها, ودينية في هدفها, ألا وهو نشر الإسلام من طريق الجهاد بأشكاله المختلفة, من عسكرية ومُثُلية وتبشيرية, إلى الإقرار في الوقت ذاته بأن من حق الشعوب الخاضعة لسلطانهم أن تحافظ على معتقداتها وتقاليدها وتراث حياتها, وذلك زمن كان يقضي المبدأ السائد فيه بإكراه الرعايا على اعتناق دين ملوكهم”.

ولا ريب أن هذا التسامح وحرية الاختلاط والانفتاح بين فئات المجتمعات الإسلامية, أكسبها ميزة التنوع والتعدد, والتحول التدريجي إلى التجانس والتماثل, الذي تظهر معالمه في اللغة والثقافة والتقاليد والعادات والعلاقات الاجتماعية. وظل هذا الحال سائدا خلال معظم أطوار الحضارة الإسلامية ودولها المختلفة, من عصر النبوة إلى الدولة الأموية والعباسية, ودولة الإسلام في الأندلس, والدولة العثمانية وغيرها من الممالك والإمارات..

تحدث المستشرق ماسينيون عن قدرة الإسلام على التأليف بين الشعوب فقال: “للإسلام ماض بديع من تعاون الشعوب وتفاهمها, وليس من مجتمع آخر له مثل ما للإسلام, ماض كله توفيق في جمع كلمة هذه الشعوب الكثيرة المتباينة على بساط المساواة في الحقوق والواجبات. ولقد برهنت الطوائف الإسلامية الكبرى, في إفريقيا والهند والهند الشرقية, والجماعات الإسلامية في الصين واليابان, على أن الإسلام يستطيع أن يوفق بين العناصر التي لا سبيل إلى التوفيق بينها”.

ولا عجب أن ترى في معظم الحواضر الإسلامية, وحتى المدن الصغيرة والرياف, أن المساجد والكنائس تقف جنبا إلى جنب, كما هو حال معظم المدن الإسلامية القديمة, وأن المسلمين والمسيحيين واليهود وغيرهم من الملل الأخرى, يعيشون في أحياء متجاورة ومتداخلة, بل إن بعض الطوائف المغرقة في القدم احتفظت بوجودها وثقافتها ولغتها في ظل دول الإسلام, الأمر الذي لا تكاد تجد له نظيرا في معظم الإمبراطوريات والحقب التاريخية.

في الفقرة التالية, سنتناول هذه الموضوع باختصار في إطار الدولة العثمانية, كواحدة من الدول الإسلامية الكثيرة التي تمثّلت المبادئ الإسلامية وطبقتها في مختلف أدوارها.

  • المسيحيون في الدولة العثمانية:

كتب المؤرخ توماس أرنولد: “باشر العثمانيون السلطة على الرعايا المسيحيين منذ الأيام الأولى التي قاموا فيها بتوسيع مملكتهم في آسيا الصغرى. ولم تكد حاضرة الإمبراطورية الشرقية القديمة تسقط في أيدي العثمانيين سنة 1453م, حتى توطدت العلاقة بين الحكومة الإسلامية والكنيسة المسيحية, بصفة قاطعة وعلى أساس ثابت. ومن أولى الخطوات التي اتخذها محمد الثاني بعد سقوط القسطنطينية وإعادة إقرار النظام فيها, أن يضمن ولاء المسيحيين, بأن أعلن نفسه حامي الكنيسة الإغريقية, فحرّم اضطهاد المسيحيين تحريما قاطعا, ومنح البطريق الجديد مرسوما يضمن له ولأتباعه ولمرؤوسيه من الأساقفة حق التمتع بالامتيازات القديمة والموارد والهبات التي كانوا يتمتعون بها في العهد السابق”. “الإسلام وأهل الذمة” – علي حسني الخربوطلي

وكان من أثر ذلك أن الإغريق, ولو أنهم كانوا يفوقون الأتراك عددا, في كل الولايات الأوربية التابعة للدولة, قد جعلهم التسامح الديني الذي رُخص لهم, وما تمتعوا به من حماية لحياتهم وأموالهم, أن يؤثروا سيادة السلطان على أية سلطة مسيحية.

ولقد كان لسياسة السلاطين الأوائل أكبر الأثر في ترسيخ الدعائم الأخلاقية للدولة وتركت أثرا كبيرا لقرون لاحقة. فقد قرروا مبدأ حرية الأديان في عصر كان التعصب سمته الطاغية, ولم تمنعهم من ذلك قوتهم ولا رهبتهم في قلوب أعدائهم.

ومن المعلوم أن محمد الفاتح أمر الروم الذين تشتتوا على إثر الفتح بالعودة إلى ديارهم ووعدهم بحرية الدين والاحتفاظ بأموالهم وممتلكاتهم. ومنح البطريرك كل الحقوق التي تمتع بها أسلافه.

وباستثناء أياصوفيا فقد احتفظ الروم بكنائسهم كافة وبحرية دينهم, واستقلالهم الإداري, ومحاكمهم الخاصة, وانطبق هذا الأمر على سائر العناصر المستوطنة في الامبراطورية ومنها الجنويون. وسنرى لاحقا أنهم سيسمحون ببناء المزيد من الكنائس حتى للطوائف التي لم يكن معترفا بها في القسطنطينية قبل فتحها.

يعدد المؤرخ توماس أرنولد في كتابه “الدعوة إلى الإسلام”, مظاهر تسامح العثمانيين في معاملتهم للمسيحيين فيقول: “حدثنا المؤرخ البيزنطي الذي روى قصة سقوط القسطنطينية, كيف كان بايزيد الصارم نفسه, رحب الصدر كريم الخلق مع رعاياه المسيحيين, وكيف جعلهم يألفونه ألفة تامة, بأن سمح لهم بالتردد على مجلسه بحرية تامة. وقد اشتهر مراد الثاني بعنايته في تحقيق العدالة, بإصلاحه للمفاسد التي سادت في عهد الأباطرة الإغريقيين, وعاقب في غير هوادة أي موظف من موظفيه استبد بأي فرد من رعاياه. ولهذا فقد رأينا بعد سقوط القسطنطينية بقرن على الأقل, طائفة من الحكام الصالحين, استطاعوا بفضل الإدارة الصارمة الحازمة أن ينشروا الأمن والنظام في المقاطعات كلها, ووجدنا تنظيما رائعا في الشؤون المدنية والقضائية”.

كانت الدولة العثمانية تستهوي أفئدة المضطهدين والمعذبين في الأرض الأوربية, كما يذكر المؤرخ عبد العزيز الشناوي, ومن الحقائق التاريخية التي لا يُعرف عنها إلا القليل فقط في وسائل الإعلام الغربية, هي أن المجتمع العثماني طوال تاريخه الطويل, كان ملاذا آمنا للأفراد والجماعات التي تعرضت للتمييز والتهديد في بلادها, أو قُتلت واضطهدت, وجُردت من أملاكها, أو هُجرت من أماكن أخرى.

وكم سيكون البون شاسعا عندما نقارنه بما كانت عليه أوربا الفاتحة مع أنها جاءت في زمان متأخر قرونا ثلاثة على الأقل عن العثمانيين, أو حتى في المعارك التي كان يتسنى لهم فيها التغلب على العثمانيين ودحرهم.

وينقل الشناوي عن مارتن لوثر في كتيب نشره عام 1541, “أن الفقراء المسيحيين الذين يظلمهم الأمراء الجشعون وأصحاب الأراضي يفضلون أن يعيشوا تحت حكم الأتراك, ولا يعيشون تحت كنف حكام مسيحيين يمارسون أساليب ظالمة في حكم الفقراء”..

وهكذا ففي الوقت الذي كان جنود القائد والنبيل الإنكليزي, أوليفر كرومويل (1599- 1658), يضطهدون الكاثوليك, وكان الفرنسيون يقمعون أتباع المصلح الفرنسي  البروتستانتي جان كالفن (1509 – 1564), وكان المسلمون واليهود يعانون من محاكم التفتيش في إسبانيا, فإن نظام الملة في الدولة العثمانية منح اعترافه بحقوق الرعايا غير المسلمين كافة, اليهود والمسيحيين الأرثوذكس, والكاثوليك والبروتستانت, المقيمين في الدولة, وكان الأرمن من بينهم.

ويعترف مؤرخون أوربيون بأن الأقليات الخاضعة للدولة العثمانية كانت تتمتع بحقوق أكثر من تلك الأقليات التي كانت تعيش في الممالك الأوربية كفرنسا وامبراطورية الهابسبرغ في النمسا.

ويورد المؤرخ دونالد كواترت في كتابه “الدولة العثمانية” شهادة من “التقرير السنوي لأوضاع اليهود في تركيا” لعام 1893, الذي تنشره الجالية اليهودية في فرنسا ما نصه: “تتمتع اليهود في تركيا بقدر من المساواة قل نظيره حتى في أكثر البلاد حضارة ورقيا. إن جلالة السلطان وحكومة الباب العالي ينتهجان سياسة بالغة التسامح تجاه اليهود”.

وقد سار العثمانيون في هذا على نهج الفاتحين الأوائل, منذ عهد النبوة, والذين سمحوا بوجود طوائف مسيحية وغير مسيحية, وأقروها على ما هي عليه. وما أضافه العثمانيون هو أنهم تبنوا رسميا, نظام الحكم الذاتي  للملل الدينية, فأتاحوا بذلك, لكل جماعة أو ملة دينية, حكما ذاتي خاصا بها, وجعلوا المدارس والمحاكم وأنظمة الخدمات الاجتماعية بيد مسؤولين دينيين, الأمر الذي سمح ببقاء أتباع الأديان والمذاهب واستمرارهم, واحتفاظهم بلغاتهم وعاداتهم وثقافاتهم, وهوياتهم المستقلة, في ظل الهوية العثمانية الجامعة. فالبوسني والألباني والتركي والعربي يسمون أنفسهم مسلمين بكل بساطة, فيما ينتسب أصحاب الديانات الأخرى إلى دياناتهم, من غير أن يمس ذلك بحقوقهم وعلاقاتهم فيما بينهم. والجميع ينتمون في النهاية إلى الملة العثمانية.

كان من نتائج الحصاد الإيجابي لهذه السياسة, أنها رسخت أكثر فأكثر “ميزة التنوع والتعدد, والتحول التدريجي إلى التجانس والتماثل, الذي تظهر معالمه في اللغة والثقافة والتقاليد والعادات والعلاقات الاجتماعية, التي أشرنا إليها فيما سبق.

وقد أصبح من الشائع المعروف لدى الأسر المسيحية, كما يذكر الخربوطلي, أن تزوج بناتها من المسلمين, ولم تعترض النساء المسيحيات, ويتضح هذا الشعور الطيب المتبادل بين المسلمين والمسيحيين, بما ذكرته العديد من كتب التاريخ من أن حول الاشتراك في الصلوات في أماكن العبادة, وتبادل التهاني في الأعياد والمناسبات, يقول (ماركوبتزي) إنه في يوم القديس إيليا وفد على الكنيسة عدد كبير من المسلمين يماثل الذين وفدوا عليها من النصارى. وتحدثنا أخبار الألبانيين أنهم حتى الوقت الحاضر يعظمون مريم العذراء. وفي مدينة (كاليفاتشي), حيث كانت هناك ستون أسرة مسيحية, وعشرات أسرات المسلمين, ساهم المسلمون في إعانة كاهن أبرشية, إذ كان للسواد الأعظم منهم زوجات مسيحيات.

والحقيقة أننا كلما تعمقنا في كتب التاريخ طالعتنا الكثير من الصفحات حول هذه الصورة من التسامح والتعايش والاندماج, غير أننا نكتفي بهذا القدر الموجز كإشارة لما يقتضيه البحث ونترك للقارئ الكريم الاطلاع على المزيد.

وسنرى أمثلة أكثر حين نستعرض أوضاع الأرمن في الدولة العثمانية حتى أواخر القرن التاسع عشر.

–      الأرمن في الدولة العثمانية:

عاش الأرمن والأتراك, جيرانا, أو مواطنين في الدولة, نفسها قرابة ألف عام, سواء أكان الأتراك سلاجقة أم عثمانيين. وقد أثّر كل منهما في ثقافة الآخر في مختلف مجالات الحياة.

وفي القسطنطينية, عاصمة الدولة العثمانية، وعلى امتداد مقاطعاتها الشرقية, عاش أكبر مجتمع أرمني في العالم, تحت مظلة الملَّة الأرمنية, وبرعاية الدولة العثمانية. 

وفي الوقت الذي لم يكن يُسمح للكنيسة الأرمنية بالعمل في القسطنطينية قبل ذلك، لأن الكنيسة اليونانية الأرثوذكسية كانت تعدّ الكنيسة الأرمنية ضربًا من الهرطقة, فقد بُنيت لهم في استانبول, 55 كنيسة أرمنية, منذ فتحها عام 1453, وسمح السلاطين العثمانيون بتأسيس بطريركية القسطنطينية المسكونية، وأصبح للأرمن زعماء دينيون، يتمتعون بنفوذ كبير وصلاحيات واسعة, ودعم كبير من السلطنة, شأنهم شأن سائر الملل الأخرى.

ومن الحقائق التاريخية المعروفة, أن نظام الملل الذي عملت به السلطة العثمانية, رسخ فكرة وجود “مؤسستين” منفصلتين تتقاسمان السلطة المدنية في الدولة, الأمر الذي منح فئات من الشعب, ومن بينهم الملل غير المسلمة, فرصة كبيرة لشغل مناصب مهمة، إدارية وقانونية واجتماعية واقتصادية.

وقد مكنت هذه الأوضاع من تقوية نفوذ الكنيسة الأرمنية من جهة, وسمحت بعلاقة قوية بين الكنيسة والمجتمع، ووضعت سلطاتٍ مدنية واسعة, في أيدي رجال الدين المسيحيين، وأدت لاحقا إلى ظهور طبقة من الأرمن, اكتسبت ثقة السلاطين, وتمكنت من الوصول إلى مناصب مهمة في الحكومة العثمانية وخاصة في مجال السياسة والاقتصاد العثماني, الأمر الذي لم يكن ظاهرة عادية في دول وإمبراطوريات ذلك العصر.

ونتيجة لذلك, فقد حاز الأرمن لقب “الملة الصديقة”, وحظوا بامتيازات كثيرة, سواء في ظل السنوات العجاف أو السمان للإمبراطورية, ودخلوا دون قيود في جوانب الحياة كافة, كتجار وصيارفة وكتاب وصحافيين وأطباء ومحامين وأدباء, وكانوا من الناحية الاقتصادية في أوضاع أحسن من غيرهم من الرعايا العثمانيين, بمن فيهم الأتراك أنفسهم, وربما كانوا الطبقة الأغنى في المجتمع العثماني.

في القرن التاسع عشر احتل كثير من الأرمن مناصب عليا في مجلس الوزراء, في مجالات حيوية مثل الشؤون الخارجية والمالية, وكانوا نوابا, وحكام أقاليم, وسفراء في عواصم حساسة مثل برلين وبروكسل ولندن وروما.. كما كانوا قناصل, وأساتذة جامعات, وإداريين محليين.

واشتُهر من ضمن النخبة الاجتماعية البارزة: آل داديان, المشرفين على صناعة الذخيرة بأكملها في الدولة العثمانية.. وكان آرتين داديان باشا، الذي شغل منصب وزير الخارجية من 1876 إلى 1901، واحدًا من الأمثلة العديدة على المواطنين الأرمن الذين لعبوا دورًا أساسيًا في المجال الاجتماعي- السياسي للدولة العثمانية.

وبرزت أسرة باليان الأرمنيّة في مجال العمارة والهندسة, ولمدة خمسة أجيال, صممت سلالة باليان عددا هاما من المباني الرئيسية في الدولة العثمانية, بما في ذلك القصور والأكشاك والحمامات العامة, والمساجد والكنائس والمباني العامة، وكان معظمها في الآستانة. وقد خدم تسعة من أعضاء العائلة ستة سلاطين في سياق قرن تقريبًا, وكانوا مسؤولين عن الهندسة المعمارية للعاصمة.

وفي ظل هذه الأوضاع, نظّم الأرمن أنفسهم, وأنشأوا الأحزاب السياسية، والنوادي والجمعيات الخيرية بالإضافة إلى المدارس والكنائس والمستشفيات. وساهموا في تأسيس الصحافة في الدولة العثمانية, وبرز منهم الصحفي دريان كليكيان, مؤسس أولى الصحف في تركيا والبروفسور في جامعة اسطنبول العثمانيّة. وأسهم أرمن تركيا كثيرا في تطوير الأدب الأرمني.

وفي القرن التاسع عشر، أصبحت العديد من العائلات الأرمنية صائغي ذهب للسلطان ومهندسين معماريين لديه، واستحوذت على احتياطي العملة واحتياطي الذهب والفضة، بما في ذلك الرسوم الجمركية. وبرز من هؤلاء آل دوزيان (مدراء وزارة المالية). وكان ستة عشر مصرفيًا من بين أهم ثمانية عشر مصرفيًا في الدولة العثمانية من الأرمن”. ( المصدر: كالوست سركيس غولبنكيان: الرجل وعمله. لشبونة: مؤسسة غولبنكيان للصحافة – 2010)

ومن المفيد هنا أن نذكر نبذة موجزة عن كالوست غولبنكيان (1869 – 1955), رجل الأعمال العثماني الأرمني الشهير, (والذي ولد في سكوتاري التي أصبحت الآن جزءا من اوسكودار، إسطنبول), وكان مستشارا مهما لدى السلطان عبد الحميد, وتذكر بعض المصادر أن السلطان أرسله في مهمة تتعلق بالتنقيب عن النفط في العراق, وهو أحد أعمدة صناعة النفط في العالم, وقد خدم كالوست غولبانكيان بصرامة, مصلحة الدولة العثمانية, وسُمّي عام 1898 مستشاراً اقتصادياً للسفارتين العثمانيتين في باريس ولندن، كما كان أحد المستشارين الرئيسيين لبنك تركيا الوطني, ومؤسسة البترول التركية التي أصبحت فيما بعد مؤسسة النفط العراقية. وقد لعب فيما بعد, دوراً في مسار المفاوضات التي أدت الى توقيع معاهدة سيڤر ولوزان بعد الحرب العالمية الأولى.

ويذكر المؤخ التركي يلماز أوزوتا, أن “شخصين من الأشخاص الثلاثة الذين يديرون الخزينة الخاصة (التي كانت بمثابة وزارة خزانة حقيقية ثانية) برتبة ناظر (وزير), خلال مدة سلطنته الطويلة, كانا أرمنيين, وكان اعتماده على أولهما, وهو الوزير آكوب الفندي, كبيرا إلى درجة أنه كان يستخدمه حتى في العلاقات الدبلوماسية السرية”.

والخلاصة أن الأرمن كانوا خلال القرن التاسع عشر, بل وحتى الحرب الحرب العالمية الأولى عام 1914, أكثر طوائف الدولة العثمانية تنظيمًا وثراءً وتعليمًا ونفوذا.. وإذا كان الحال كذلك, فسيكون من المنطقي أن نتساءل: كيف انقلب هذا الحال رأسا على عقب في غضون سنوات قليلة (عشر سنوات 1914 – 1924)؟ وتحول, من ثم, إلى كارثة ومأساة إنسانية تتناقلها بها الأجيال؟

  • ماذا حدث للأرمن في الدولة العثمانية؟

ماذا حدث للأرمن في الدولة العثمانية, وما الذي قلب أوضاعهم رأسا على عقب, وأطاح خلال سنوات قليلة, بماض امتد لقرون, وحوّل التعايش إلى كراهية, والتعاون إلى خصومة وعداء؟

في خلاصة أولية, سنأتي على تفصيلها تباعا في الحلقات التالية, فإن الجاني الحقيقي هو الإمبريالية الغربية بشكل أساسي, التي وقفت وراء ذلك كله, ودأبت على التعامل مع ما سُمي ب “الأقليات” في مختلف مناطق العالم وكأنها أدوات وُجدت لمصالح القوى العظمى, لكي تحقق المزيد من الهيمنة والنفوذ والتأثير.

ولقد وصل الأمر بالأوربيين من أجل تحقيق اهدافهم, أنهم ابتدعوا ما أسموه ب”الحق” في التدخل “لحماية الأقليات”, ثم طوروه على مراحل متتالية, وغلفوه بالسمة الإنسانية, ليصبح “التدخلات الإنسانية”.. لكن هدفهم لم يتغير, وبقي هو هو, تسويغ التدخل في شؤون الدول والشعوب كما فعلوا مع الدولة العثمانية.

تلك التعابير المصطنعة, لاتزال منذ أواخر القرن التاسع عشر وإلى اليوم, تقف وراء “التسويغ الأخلاقي المبتدع”, للتدخلات والضغوط السياسية, والدبلوماسية العشوائية, والحروب المتواصلة, ولاتزال آثارها تتوالى, في تقويض وحدة واستقرار الشعوب في مختلف بقاع العالم, وخاصة في الشرق الأوسط.

ولقد رأينا كيف وصلت الدول الأوربية المستعمرة, إلى الحضيض في تسخيرها لأبناء (الأقليات), عندما جندتهم في قواتها المحلية, واستخدمتهم في قمع الثورات الوطنية, ودفعتهم لارتكاب أعمال القتل والنهب والملاحقات بحق مواطنيهم وأبناء بلدهم. فعل ذلك الروس مع الأرمن قبل الحرب العالمية الأولى وأثناءها. وفعل ذلك الفرنسيون عندما جندوا الأرمن والشركس والمارونيين والبدو والدروز والعلويين, في جيش الشرق والقوات الخاصة, وسخروهم كأدوات طيعة في قمع ثورات السوريين ضد الاحتلال, وأعمال القتل والنهب والملاحقة التي رافقتها.

وبعيدا عما يسمى بنظرية المؤامرة, التي استخدمت طويلا في غلق الباب أمام البحث في جذور المشكلات ودوافعها البعيدة, فمن السذاجة بمكان, النظر بعفوية إلى مثل هذه السياسات ونتائجها الوخيمة, وحجم الآثار التي أحدثتها وستحدثها, في البنى الاجتماعية, والعلاقات بين فئات المجتمع ومكوناته.

ليس من المبالغة القول بأن شعوبا كثيرة, كانت ضحية لهذه السياسات.. الصرب والبلغار واليونان والبوشناق والمقدونيين والرومان والأتراك, ولا تزال الحروب تشتعل بينهم, بين الفينة والأخرى, كما حدث في الحرب على البوسنة والهرسك بين عامي 1992 و 1995.

والصوماليون, رغم أنهم يتمتعون بتجانس عرقي غير معتاد في القارة الإفريقية, نموذج آخر لشعب لم ينعم بالأمن والاستقرار منذ أن عمد الاستعمار الأوربي إلى تقسيمه إلى خمس مستعمرات مختلفة, خضع كل منها لنفوذ استعماري مختلف, ولا يزال غلى اليوم يعيش على وقع حروب داخلية لا تكاد تتوقف.

وما يحدث في سورية وفلسطين والعراق واليمن وليبيا لا يمكن تحليله وفهمه على وجه الحقيقة إلا  في ضوء إصرار القوى الغربية على الاستمرار في هذه السياسات المدمرة.

في الورقة التالية سنستعرض العوامل والأسباب وراء تشكل “القضية الأرمنية”

وانفجارها على النحو الذي حدث أوائل القرن العشرين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

المغرب لما يرغب قريب (4 من10)

مصطفى منيغ سفير السلام العالمي مدير مكتب المغرب لمنظمة الضمير العالمي في سيدني-استراليا عرض مقالات …