مقالات

من مشكلات اللاجئين السوريين في فرنسا

د. صابر جيدوري

أكاديمي وباحث سوري.
عرض مقالات الكاتب

     بداية لا بد من الإشارة إلى أن اللجوء بحد ذاته هو مشكلة كبيرة يعاني منها ملايين السوريين الذين فروا من بلدهم بسبب عنف النظام وممارساته القمعية، تاركين ديارهم وأرزاقهم بحثاً عن الأمن والأمان. مشكلة اللجوء هذه تمخضت عنها مجموعة من المشكلات التي واجهت اللاجئين في دول اللجوء عامة، ولأنني أعيش هذه التجربة منذ تسعة شهور في فرنسا، فسوف أعرض في هذا المقال عدداً من هذه المشكلات التي تواجه السوريين في هذا البلد، آملا أن تقوم الحكومة الفرنسية بإيجاد حلول لها، أو التخفيف منها ما أمكن ذلك.

مدة طلب اللجوء

     كثيراً ما نقرأ في منتدى السوريين في فرنسا عن هذه المشكلة التي يعاني منها الكثير من اللاجئين في فرنسا، إذ يستغرق طلب اللجوء وسطياً منذ تقديمه حتى يصدر قرار اللجوء أو الحماية أو الرفض ما بين ستة إلى تسعة أشهر، وفي بعض الحالات تزيد هذه المدة إلى سنة وربما سنة ونصف، ومن ثم فإن الإجراءات اللازمة للحصول على إقامة لاجئ في فرنسا هي الأطول في دول الشنغن، هذا إذا تمت الموافقة على اللجوء.

     ورغم أن أصوات المطالبين بتخفيضها من العاملين في الشأن الإنساني في ارتفاع مستمر، إلا أننا لا نتوقع أي تغيير في المدى المنظور، لأن تزايد أعداد اللاجئين المستمر يصعب التعامل معه في وقت قصير حسب ما يصرح به المسؤولين الفرنسيين، مع ملاحظة أن تزايد أعداد اللاجئين لا يبرر هذا الوقت الطويل لاستصدار القرارات التي تخص لجؤهم.

العشوائية في التعامل مع اللاجئين

     المستقرئ لواقع اللاجئين يدرك أن فرنسا تتعامل مع اللاجئين بشكل عشوائي، فهي لم تعمل على تصنيفهم حسب أعمارهم الزمنية مثلاً، ولا حسب شهاداتهم العلمية، ولا حسب نوعهم الاجتماعي (ذكور وإناث)، ولا حسب مهنهم التي يعملون بها، ليسهل عليها على الأقل فرزهم حسب احتياجات المجتمع الفرنسي إليهم مستقبلاً. فمن الممكن أن نشاهد مهندسا متميزاً يعيش في قرية لا يوجد فيها أي مجال للعمل في اختصاصه، وفي الوقت نفسه نجد من لا يحمل أية شهادة علمية يعيش في باريس أو ليون أو أية مدينة كبيرة يتوافر فيها مجالات عمل كثيرة، أو نجد باحثاً علمياً يعيش في قرية لا يوجد فيها جامعات، أو مراكز للبحث العلمي، في الوقت الذي نجد فيه من لا يملك أية مهارة من مهارات البحث العلمي يعيش في مدن تعج بالجامعات ومراكز البحث العلمي. لذلك يمكن القول: إن فرنسا ليست معنية كثيراً بعمل اللاجئين على ما يبدو، ولو كان الأمر غير ذلك لكانت اهتمت بتخطيط توزيعهم على المدن والقرى الفرنسية حسب كفاياتهم العلمية والمهنية، باعتبارهم موارد بشرية يمكن الاستفادة منها في سوق العمل.

صعوبات اللغة

     لا شك أن عامل اللغة عامل مهم في حياة اللاجئ وغير اللاجئ، لأن معرفة اللغة ولو بشكل بسيط قد تساعد اللاجئ في اجتياز بعض المصاعب والتعرف على أولويات الحياة، غير أن معظم اللاجئين السوريين في فرنسا يعانون من مشكلة اللغة، لأن سورية ليست بلداً فرانكفونياً من جهة، ولأن التعليم في سورية لم يكن يهتم بتعليم اللغة الفرنسية بشكل جدي من جهة ثانية، ومن تعلمها كان تعلمه بجهد شخصي أكثر منه جهداً مدرسياً، فضلاً عما كان شائعاً في المجتمع عن أفضلية اللغة الإنكليزية على الفرنسية.

     ولهذا، فمن النادر أن يأتي لاجئ سوري إلى فرنسا ولديه معرفة كافية باللغة الفرنسية، وهذه الإشكالية لا يعاني منها لاجئو السويد والدانمارك وهولندا، ولا حتى ألمانيا التي يعرف عنها تمسك مواطنيها بلغتهم الأم، ففي البلدان المذكورة فإن معرفة بسيطة باللغة الإنكليزية قد تساعد في اجتياز بعض المصاعب، والتعرف إلى أولويات الحياة ولكن في فرنسا الأمر مختلف.

     مع ملاحظة أن هذه المشكلة بدأت تتعامل معها الحكومة الفرنسية بشيء من الجدية، فبعد أن كان يخصص للاجئ 200 ساعة لتعلم الفرنسية، فقد زادت القرارات الجديدة هذه الساعات إلى  600ساعة، وهذا إجراء جيد يُحسب للحكومة الفرنسية، لأن زيادة ساعات تعلم اللغة سوف يساعد على تمكين اللاجئين من تعلمها، ومن ثم البحث عن عمل والتخلص من المساعدة الاجتماعية.

عدم الاعتراف برخصة القيادة السورية

     يُعدّ قرار الجهات الفرنسية منع تبديل شهادة القيادة السورية من المشكلات التي تواجه اللاجئين السوريين في فرنسا، وهو قرار مجحف حتى لو سلمنا أن بعض اللاجئين قاموا بعمليات تزوير وتزييف لشهاداتهم السورية بغية تبديلها بشهادة فرنسية، ومع استنكارنا ورفضنا لكل أعمال التزوير التي تمت في هذا الموضوع، غير أننا لم نكن نتوقع أن يأتي القرار عاماً وشاملاً لكل السوريين المزور منهم وغير المزور. كيف يحصل هذا في دولة لديها من الإمكانات والقدرات ما يكفي لفرز المزورين عن غير المزورين؟ ومن ثم كان عليها أن تكشف المزورين وتوقع عليهم أقسى العقوبات، لا أن تأخذ الصالح بالطالح، وتحرم الجميع من تبديل رخصهم، مع أن الكثير منهم لم يمارس أية عملية تزوير على رخصته.

مشكلة السكن الاجتماعي

     ولا تقف مشاكل اللاجئين على مدة طلب اللجوء، أو العشوائية في التعامل، أو حرمانهم من تبديل رخصة القيادة، أو ضعفهم باللغة، بل تتعداها إلى مشكلة البحث عن سكن، فعلى الراغبين بالحصول على سكن مؤقت الاتصال بالمركز المسؤول عن الإيواء، والذي بدوره يخُطر اللاجئ بوجود أو عدم وجود سرير له، ومن ثم عليه أن يتدبر أمره بنفسه. تقول إحدى اللاجئات: اتصلنا بـ 115 من أجل البحث عن سرير لشخص من ذوي الاحتياجات الخاصة وليس لديه سوى الشارع، وأخبرنا الموظفة بوضعه الصحي فكان ردها: إنه من غير الطبيعي أن يكون مقدمي اللجوء والهاربين من الحروب دون إعاقة، فالإعاقة الجسدية لا تُعدّ من الأولويات لأنها الحالة العامة لمعظم النزلاء لدينا، وقالت إنه إذا وجدنا له سريراً سوف نستقبله ليوم أو يومين، ولكن ليس بشكل دائم.

     مع ملحوظة أنه عندما يريد اللاجئ أن يسكن على حسابه الخاص فإنه لا يجد سكناً بسهولة، وإن وجد فيكون ذلك بالأسود أي بشكل غير نظامي، وبأسعار غالية جداً، ويبقى الأمر كذلك حتى يصدر قرار اللجوء الذي يمتد إلى عام كامل في بعض الحالات، ليصار بعدها إلى التسجيل على السكن الاجتماعي، الذي يأخذ أيضا وقتا طويلا وبخاصة في المدن الكبيرة.

     هذه عينة بسيطة من المشكلات التي تواجه السوريين في فرنسا، والتي تحتاج إلى جهود متضافرة من السوريين أنفسهم، ومن الجهات الفرنسية المسؤولة عن وضع اللاجئين، للتخفيف منها ما أمكن ذلك. يبقى أن أختم هذا المقال بالقول: إن ما يواجه اللاجئين السوريين من مشكلات في فرنسا لا يمكن مقارنته بالمشكلات التي تواجههم في الدول العربية التي لجأوا إليها، فعلى الرغم من الصعوبات المذكورة آنفاً إلا أن اللاجئ يحصل على التأمين الصحي، والمساعدة الاجتماعية، والتعليم المجاني لأبنائه، وغير ذلك من الميزات التي لا تتوافر في الدول العربية التي ضاقت ذرعا باللاجئين، مع أنهم يعيلون أنفسهم بأنفسهم، والكثير منهم ساهم بشكل أو بآخر في عملية التنمية في هذه الدول من جوانبها كافة. 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى