مقالات

“الظلم يؤذن بخراب العمران” ما أصدق ما قاله الفيلسوف الاجتماعي ابن خلدون

محفوظ الرحمن

كاتب من بنغلادش
عرض مقالات الكاتب

كم من أيام تختلج في صدري هذه العبارة التي تجدر بأن تكتب بماء الذهب و الفضة و تسطر علي القلوب والأفئدة . و كثيراما ترن هذه النغمة الخلدونية في الأسماع إبان أيام الحجر الصحي و خلال تفشي فيروس كرونا في أرجاء المعمورة كلها فكنت أتسائل نفسي وأناقشه في هذا المجال و في مصداقية قول ذلك الفيلسوف الفذ العبقري وواقعيته . مست حقيته مئة بالمئة و أدركت صدقه كله في الظروف الحالية بين الشعوب و الأجيال الراهنة وقبل أن نلم بالبحث في هذا الصدد أود أن أسرد قوله و توضيحه في هذا المجال
ماذا قال الإمام ابن خلدون رحمه الله : فأولا عنون الإمام بهذه العبارة الحسنة والجملة البليغة الفصيحة ثم أطال الكلام وأسهب في تشريحها و بيان مطالبها ومما قاله ’’ اعلم أنّ العدوان على النّاس في أموالهم ذاهب بآمالهم في تحصيلها واكتسابها لما يرونه حينئذ من أنّ غايتها ومصيرها انتهابها من أيديهم وإذا ذهبت آمالهم في اكتسابها وتحصيلها انقبضت أيديهم عن السّعي في ذلك‘‘ فحاصل ما قاله أن أن الظلم والإعتداء علي الناس بجميع معانيهما ومطالبهماقد يؤدي إلي البطالة والتقاعد عن الأعمال لأن العدوان السافرعلي الناس في أموالهم مثلا يميت آمالهم وطموحاتهم في اكتسابها وتحصيلها لما أنهم في نهاية المطاف يشاهدون الظالمين والجائرين يقرعون أبوابهم و يدقون أقفالهم انتهابا لأموالهم التي اكتسبوها و سلبا لممتلكاتهم التي اجتاحوها بجهود بليغة وبأعمال متعبة في لمحة البصر وفي طرفة أعين ، لايبالون بأي مبالاة ولا يحتفلون .
وإن من القواعد المقررة بين الناس في هذا الكوكب الأرضي أن لا قوام للشريعة إلا بالملك ولا عز للملك إلا بالرجال ولا قوام للرجال إلا بالمال ولا سبيل إلي المال إلا بالعمارة ولا سبيل إلي العمارة إلا بالعدل ولا سبيل إلي العدل إلا بعدم الظلم علي الناس والاعتداء … فهذا فحوي كلامه وفذلكة أقواله عبرت عنها بإيجاز و اختصار
حقا صدق الإمام وهو حقيق بأن يصدق ويقول الحق لأن الظلم عاقبته وخيمة و مصيره حسرة وندامة و إنه لخلق سيئ أثيم يفتك بالإنسانية فتكا ذريعا و يقضي علي حياتها علي غرة
الظم في نظر اللغويين: ولكن الظلم ما هو وماذا حدوده و ما حقيقته وماهيته فقد اختفلت فيه أنظار العلماء و اللغويين فمن لغوي يحدد الظلم بمعني والآخر يعبر عن معناه بلفظ آخر بيد أن مآل كل واحد غير مختلف . فقال إبن منظور الإفريقي المتوفي 711ه: الظلم هو وضع الشيء في غير محله يقال من أشبه أباه فما ظلم أي فما وضع الشبه في غير موضعه ويقول رحمه الله أن أصل الظلم الجور ومجاوزة الحق وقيل أنه هو الميل عن القصد وقال الإمام اللغوي و المحدث الجهبذ المرتضي الزبيدي المتوفي 1205ه: الظلم هو تصرف في ملك الغير ومجاوزة الحق وقال الراغب الأصفهاني المتوفي 502ه: الظلم وضع الشيء في غير موضعه المختصّ به، إمّا بنقصان أو بزيادة، وإمّا بعدول عن وقته أو مكانه، ومن هذا يقال: ظَلَمْتُ السِّقَاءَ: إذا تناولته في غير وقته،
الظلم في نظر ابن خلدون:وإن مما يستلفت الأنظار أن الإمام الحكيم ابن خلدون استطاع أن يصرف النظر عن معني للظلم يسبق إليه الذهن إلي معني أعم وأشمل ويحول النظرة من مصداقه الذي اشتهر أمره إلي مفهوم لم يشتهر أمره لئلا يظن الناس أن الظلم محدود حدوده ومحاط في إطارخاص فقال رحمه الله ما نصه: ’’ ولا تحسبنّ الظّلم إنّما هو أخذ المال أو الملك من يد مالكه من غير عوض ولا سبب كما هو المشهور بل الظّلم أعمّ من ذلك وكلّ من أخذ ملك أحد أو غصبه في عمله أو طالبه بغير حقّ أو فرض عليه حقّا لم يفرضه الشّرع فقد ظلمه فجباة الأموال بغير حقّها ظلمة والمعتدون عليها ظلمة والمنتهبون لها ظلمة والمانعون لحقوق النّاس ظلمة وخصّاب الأملاك على العموم ظلمة ووبال ذلك كلّه عائد على الدّولة بخراب العمران الّذي هو مادّتها لإذهابه الآمال من أهله ‘‘ نعم، هذا هو الظلم حقيقة لا أخذالمال من يد مالكه قسرا فحسب ، فعلي هذا لو أنك بخست أحدا حقه فأنت ظالم ولو أنك ماقدرت مؤهلا حق قدره فأنت ظالم ولو آثرت أحدا علي غيره بمحض العصبية الذميمة أو الحمية الجاهلية فأنت ظالم أو أنك فيما يبدو رجل انتهازي تنتهز الفرصة لمصلحتك فتؤثرها دون مصالح الناس وحظوظهم و تحرمهم نصيبهم فأنت ظالم أو… أو … ما إلي ذلك
الظلم عاقبته الوخيمة ومصيره المحتوم : ومن الجدير بالذكر أن الأديان والمذاهب مهما اختلفت نظريتها و تباينت أصولها وشرائعها كلها قد اتفقت كلمتها علي ذم الظلم و إنكاره و اتحدت وجهة النظر علي الحرب ضد الظلم وشيوعه فلا تجد أحدا من الناس من لايدين الظلم و يستنكره و يشنعه و يستقبحه حتي أن الظالم نفسه ينكر عليه لقب ” الظالم ‘‘ وقد اشتهرت في هذا الصدد قصة حجاج بن يوسف ذلك الظالم البغيض مع أحد من شعبه حيث أنه أطلق عليه بين يديه لقب القاسط فغضب حتي احمرت وجنتاه …
فالظالم بظلمه و اعتدائه واستبداده واضطهاده لايضر نفسه بل العالم كله و إن آهات المظلوم وصرخاته لايستجاب بشانه فقط بل اذا جاءت العذاب عمت فاتقوا دعوة المظلوم و آهاته و اصرفوا عن المجتمع الإنساني الظلم والعدوان
الظلم المستمر والأوضاع الحالية: ومن الواقع المؤلم أننا في العصرالراهن نعاني من مشكلات فيروس كورونا نتيجةالظلم المستمروالعدوان المتواصل لأهل الظلم والجور علي حد قول ابن خلدون و تفسيره و إن هذه الأزمات والحادثات لمن الله سبحانه عذابا لأولئك الظلمة ورحمة للمؤمنيين ليعذب من شاء ويرحم من شاء و إنه تعالي قد استجاب نداء المظلوم واستغاثته و إنه قد استمع ندآء الطفل السوري الذي قال ” سأخبر الله بكل شيء “
نعم يا ولدي قد وفيت بعهدك وصدقت وعدك و إنك قد أخبرت ربك وربنا الله بكل شيء ، بطغيان الجبابرة ، والطاغوت ، و تجبرهم في الأرض ، قد أخبرته بسفك الدمآء و قتل الأبريآء، بالجملة قد أفدته بكل شيئ ….
مسؤوليتنا دفع الظلم و قمعه : و إننا كعبد متواضع ، خاشع ، خاضع ننيب إلي الله تعالي نبكي علي خطيئاتنا ونستغفره و نتوب إلي الله عزوجل مما سلف منا و نعزم العقد علي ألا نعصيه في أمر في هذه الأوضاع المكروبة و نحمل علي عواتقنا عبأ الأمربالمعروف والنهي عن المنكر بقدر المستطاع ولا نغفل عن دفع الظلم و الجور عن المجتمع البشري و عن هذا الكوكب الأرضي ليتنفس الناس عن نفحات الإنصاف الطيبة و يستنشق هواءه العطر ، فخذوا أيها المسلمون يد الظالم والمظلوم لينتشر الأمن والأمان والسلم والسلام والله معكم وهو الموفق المعين !

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى