أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات / ماذا يعني السيطرة على قاعدة الوطية الاستراتيجية

ماذا يعني السيطرة على قاعدة الوطية الاستراتيجية

يمان دابقي

باحث سياسي
عرض مقالات الكاتب

بعد نجاح حكومة الوفاق الليبي من بسط سيطرتها على مدن الساحل الغربي وصولاً إلى رأس جدير الحدودي مع تونس في 25/ آذار مارس الماضي، كان متوقعًا أن سير العمليات سيتجه نحو قاعدة الوطية الاستراتيجية قبل ترهونة، نظرًا لما تحمله من أهمية استراتيجية وعامل فاصل في مسار العمليات.

فهذه القاعدة تقع على بعد 140 كم جنوب غرب طرابلس، ومساحتها تقدر بـ 50 كلم مربع وتتسع لـ 7000 مقاتل، وقد أنشأتها أمريكا في أربعينات القرن الماضي كما كانت قاعدة لسرب الميراج الفرنسية، وتحتوي على مخازن أسلحة ومحطة وقود ومهبط للطيران، وكي لا تكون عائقًا أمام أهداف الوفاق في عملية عاصفة السلام نفذت حينها عملية نوعية تم بموجبها أسر 27 من عناصر قوات حفتر، أدى ذلك لتحييد القاعدة وكان ذلك سببًا مباشراً في نجاح العمليات البرّية لغرفة عمليات بركان الغضب. سيما أن القاعدة كانت تعتبر مركز رئيس لقوات حفتر باستهداف محيط العاصمة طرابلس، حيث فرض الأخير تهديدًا كبيرًا على العاصمة انطلاقًا من هذه القاعدة والتي استهدفت أكثر من مرة مطار معيتيقة وعدة مشافي منها الخضراء المخصص لمعالجة مرضى كورونا- 19.

ومن المعلوم أيضًا أنه من يحكم قبضته على القاعدة يستطيع الانطلاق منها لكامل الجغرافية الليبية، فموقعها الاستراتيجي يُتيح بسط السيطرة على الأجواء الليبية، ويبدو أن حفتر فشل في تسخير هذه الميزات لصالحه مؤخرًا، فرغم كل الطائرات التي حصل عليها من قبل داعميه إلى جانب منظومات دفاع جوية روسية فشل في تحصين القاعدة، على حساب الاهتمام والتركيز بطرق الامداد والتي أيضًا فشل في التحكم بها.

كان حفتر على علم أن خطوة الوفاق التالية هي السيطرة على هذه القاعدة، وهو ما دفعه إلى تكثيف اتصالاته مع داعميه، والتي نتج عنها وصول بعض الطائرات من قبل داعميه إلى القاعدة قبل أربعة أيام من زحف الوفاق إليها. وهنا يُطرح تساؤل عن سبب خسارته القاعدة رغم علمه بأنها هدف مباشر أمام قوات الوفاق، ولعل السبب الحقيقي يعود إلى فارق التطور التكنولوجي الملاحظ في معسكر الوفاق من طائرات مسيرة وأنظمة تشويش انتشرت في العاصمة طرابلس، وقد كشفت هذه التقنية التي حصلت عليها من قبل حلفائها زيف الصناعة الروسية لمنظومات بانتسير.

وبالعودة إلى السيطرة على القاعدة، كان إعلان سقوطها مفاجئة بالنسبة لكثير من المراقبين الذين توقعوا أن تكون القاعدة شوكة مستعصية أمام قوات الوفاق، ولم يتوقع أحد ان تسقط بهذه السرعة دون حدوث معارك طاحنة على غرار عمليات بنغازي وسرت، كما أن القاعدة إلى جانب مدينة ترهونة هما آخر معاقل حفتر في الغرب الليبي وخسارتهما تعني إحباط كامل جهود حفتر التي يخوضها منذ إبريل 2019.لإخضاع العاصمة طرابلس وانكشاف مناطقه أمام قوات الوفاق من سرت والجفرة والهلال النفطي، ما يطرح تساؤل عن سير العملية وأسباب السقوط.

رغم إعلان حكومة الوفاق شن هجوم من خمسة محاور على قاعدة الوطية فجر الاثنين 18- مايو- 2020، إلا أن عمليات برية لم تحدث، بل جرى تنفيذ انسحابات تم افساح المجال لهروبها وهي قوات تابعة لحفتر باتجاه ترهونة، ويعزو سبب ذلك فشل حفتر في تأمين طرق إمداده الواصلة للقاعدة والتي فقد التحكم بها بعد رصدها واستهدافها من قبل الطائرات المسيرة، وبالتالي فإن القوات الموجودة داخل القاعدة أصبحت غير ذي جدوى بل غدت محاصرة وتفتقر للذخيرة والعتاد والخطط العسكرية.

ومنه يمكن القول أنًّ سلاح الجو التابع لحكومة الوفاق والمسنود استخباراتيًا أحدث فارق للمرة الثانية بعد تدمير منظومات دفاع جوي، ما يعني أن الأخير بدت خططه الاستراتيجية غير ناجحة في استعادة زمام المبادرة بعد خسارته المدن الستة في الساحل الغربي.

مع ذلك لا يزال هدف العملية تأمين العاصمة من جهتي الغرب والجنوب وقد تكون مدينة ترهونة تحصيل حاصل كونها آخر نقطة في الغرب انقطع عنها الامداد. لكن هذا لا يعني أن استردادها سيكون سهلاً بعد تجمع كتلة بشرية كبيرة لقوات حفتر إضافة إلى تواجد اللواء التاسع، فقد يُحرك حفتر عدة جبهات منها جبهة أبو قرين شرق مصراتة كمحاور اشغال وتخفيف جنوب شرق العاصمة. وسيستميت لمنع سقوط ترهونة كي لا تنكشف مناطقه من سرت للجفرة والهلال النفطي. وفي حال فشله ستنتهي جهوده كليًا في إخضاع العاصمة، مما يعني تفعيله الخطة (ب) وهي الانكفاء في شرق ليبيا والتوجه نحو التقسيم، وما يعزز هذا الطرح إعلانه في 27- نيسان/ إبريل الماضي حاكمًا عسكريًا للبلاد بتفويض قال عنه أنه يشمل عموم الشعب الليبي.

 بالمقابل يبقى تساؤل مهم يُعنى بتحركات حكومة الوفاق المستقبلية في حال نجحت في تأمين العاصمة من جهتي الغرب والجنوب أي بعد السيطرة على ترهونة، ووفقًا لتصريحات رئيس الدولة خالد المشري والمتحدث باسم عمليات بركان الغضب، فإن العمليات ستستمر إلى معاقل حفتر في الشرق حتى تحرير كامل التراب الليبي، لكن يبقى ذلك ضمن الآمال وليس الحقائق، فاستمرار التوغل من عدمه لقوات الوفاق نحو  مناطق الشرق والوسط هي حسابات معقدة مرتبطة بمصالح أطراف دوليين لديهم مصالح أمنية واقتصادية  والأمر لن يكون محصور بشخص حفتر بعد الآن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

نفاق المجتمع المدني!

أ.د فؤاد البنا أكاديمي ورئيس منتدى الفكر الإسلامي تخيلوا معي لو أن مجموعة …