أخبار عاجلة
الرئيسية / بحوث ودراسات / أوروبا ومذابح القرن العشرين.. مراجعات في المسألة الأرمنية (1)

أوروبا ومذابح القرن العشرين.. مراجعات في المسألة الأرمنية (1)

معاذ السرّاج

باحث في تاريخ سورية المعاصر وشؤون الحركات الإسلامية
عرض مقالات الكاتب

المسألة الأرمنية.. دروس من التاريخ

–      مقدمة ودروس التاريخ

بقيت “المسألة الشرقية” جزءًا من التاريخ الدبلوماسي الأوربي أجيالا. فصَّلت مجلدات عديدة بطريقة رزينة وواقعية وعلمية, الحروب والمكائد الدبلوماسية التي أدّت إلى تدمير الامبراطورية العثمانية, مرفقة بمصورات تظهر الفقدان المتدرج للأراضي العثمانية. لكنها لم تذكر الخسائر في الأرواح البشرية, والفظائع والمآسي التي صاحبت حل “المسألة الشرقية”.

أما بالنسبة للأتراك والمسلمين الآخرين فإنّ المسألة كانت أكبر من خسارة أرض أو إصابة هيبة الإمبراطورية العثمانية, التي آل بها المطاف إلى “الرجل المريض”.. كانت فقدانًا كاملاً للوجود, والحياة على أراض عاشت عليها أجيال عديدة لقرون, واختلطت بشعوب وأقوام وتآلفت معهم وألف بعضهم بعضًا.

وكانت خسارة فادحة في الأرواح البشرية, نظرًا إلى أن عدد الوفيات واللاجئين نسبة إلى إجمالي عدد السكان, لم تتجشمه أي دولة أوربية أخرى, منذ حرب الثلاثين عاما بين 1618 و1648م.

وبعد أن وضعت الحرب أوزارها, كانت مجتمعات مسلمة في منطقة بحجم أوربة الغربية كاملة, قد تقلّصت أو أبيدت وفقدت وجودها.. وحدثت إحدى أكبر مآسي التاريخ !

بعد عام 1878, نقل وجود مئات الآلاف من اللاجئين على أعتاب الامبراطورية العثمانية, الخطر على الأتراك والمسلمين الآخرين في أوربة, إلى عقر دار العثمانيين. ولذلك عندما قاتل العثمانيون الثوريون في اليونان, وعندما حاولوا التمسك بمقدونيا وشرق الأناضول, إنما كانوا يحمون شعوبهم مما لا يمكن أن يكون إلا نفيًا وقتلاً, وإنهاء وجود. ولم تكن مجرد مشكلة سياسية تسبب القلق وحسب..

عندما خسرت فرنسا الألزاس واللورين (alzace-lorraine) لألمانيا, لم تتوقع أن يقتل أو يطرد الفرنسيون في هذين الإقليمين.. كما أن النمسا لم تتوقع أن يقهر مصير كهذا ألمان تيرول (tyrol) بعد الاحتلال الإيطالي.. بينما كان على الأتراك أن يتوقعوا حدوث ذلك بعد احتلال أراضيهم..

وفي الحقيقة فإن الأتراك, ومن تاريخ أحداث البلقان والقفقاس, أدركوا ما يمكن أن يتوقعوه من ثورة قومية أرمنية, واجتياح روسي للأناضول. وإذا كانت الأحداث في بلغاريا واليونان ومقدونيا, قد أدت إلى قتل الأتراك وترحيلهم, فهل على العثمانيين أن يتوقعوا خلاف ذلك في المناطق الأخرى ؟!

من الناحية الفعلية كثيرًا ما جرى تصوير دفاع العثمانيين عن أراضيهم على أنه عمل إمبراطورية هائلة تحاول التمسك بأراضيها على نحو غير شرعي ضد رغبات السكان المحليين (المسيحيين), ومع الهزيمة المحتومة, وهذا يترك انطباعًا عن تصرف امبراطورية حمقاء متوحشة, وليس إمبراطورية تحاول جاهدة حماية أرواح مواطنيها. وقد لا يكون لهذه القناعة التأثير النهائي على القرارات السياسية لكنها قناعة موجودة بكل تأكيد.

كثيرًا ما تجاهل المؤرخون تأثير إحداث توازنات سكانية في القرارات السياسية, ونادرًا ما جرى بحث أو تحليل تأثير توقعات معقولة كهذه في السياسة العثمانية, كما في سياسات دول أخرى غيرها.

ومن المهم هنا, لفهم السياسة الخارجية التركية, كما يقول جستن مكارثي, أن يدرك المرء أن الجمهورية التركية الحديثة بعد الحروب, أمة متأثرة إلى حد بعيد بالهجرات الداخلية الواسعة, والوفيات الكبيرة التي حدثت خلال تاريخ قريب, وليس موغلاً في القدم.

لقد كان أحد الأسس الاجتماعية والسياسية للجمهورية التركية الحديثة, هو التاريخ القاسي للمائة سنة الأخيرة من عمر الامبراطورية خصوصًا خسائر الحروب ما بين عامي (1912-1922), والتي تركت آثارًا عميقة في السياستين الداخلية والخارجية للدولة. وكانت البلاد بحاجة لإعادة هيكلة جذرية في الحكومة والاقتصاد والمجتمع.

–      المسألة الأرمنية في الرواية الأخرى:

ظلّت المصادر التي تعنى بوجهة النظر الأخرى, والتي تمثل الأتراك بشكل أساسي, شحيحة ونادرة, واستحوذت الرواية الأرمنية للأحداث على الرأي العام على مستوى العالم, تؤيدها وتروج لها القوى الكبرى, وتدعمها الدبلوماسية الدولية, ووسائل الإعلام والمطبوعات والوسائل المرئية من سينما وتلفزيون وغيرها, وأصبحت من القضايا المشهور تداولها عالميًا, كما يحدث في الهولوكوست اليهودي, وتناقشها برلمانات الدول وتستعملها كورقة للضغط السياسي والدبلوماسي.

ولم تظهر الأبحاث والدراسات التي تتناول وجهة النظر الأخرى, أو “الرواية الأخرى” في المسألة الأرمنية, إلا منذ سنوات قليلة, ولاتزال أقل بكثير من أن تقدم صورة متوازنة, تستند إلى وثائق وشهادات خاضعة للبحث والتدقيق العلمي والمنهجي, بعيدًا عن تأثير الاعتبارات السياسية ومصالح الدول.

في الكتابات التي تدور حول المسألة الأرمنية ,تبرز ثلاث نقاط رئيسية, أولاها تتعلق بتوثيق الأحداث والوقائع والإحاطة بها على نحو شامل, يغطي روايات الأطراف كلها, وتتعلق النقطة الثانية بالدوافع والأسباب التي أدّت إلى حدوث المأساة, والثالثة تتعلق بالعامل الأجنبي ودوره في إشعال الصراع وتأجيجه.

وكما تم إغفال الحقائق التاريخية التي تصف التعايش السلمي بين الأرمن والأتراك, خلال حقبة التاريخ المشترك بينهما, والمستوى الطيب الذي وصل إليه حال الأرمن في الدولة العثمانية حتى أواخر عهدها, فقد تمّ تجاهل الكثير من المسائل الي تحيط بالمسألة الأرمنية من جوانبها, وتحولات المواقف الأرمنية في ضوء تعاونهم الوثيق مع الاتحاديين للإطاحة بالسلطان عبد الحميد, وصلاتهم السياسية والمالية بأوربا, التي كانت حريصة كل الحرص على الإيقاع بالسلطنة, ناهيك عن مشاركة الأرمن الفاعلة في سلسلة من الحروب والنزاعات المسلحة, التي اندلعت في تلك الفترة, ومن بينها الحرب العالمية الأولى. وخلال ذلك كله, كان الكثير من الأرمن, منخرطين في مجموعات منظمة ومدربة ومسلحة بأحدث الأسلحة, وكانت تعمل إمّا ضمن جيوش أجنبية, أو كمجموعات منفصلة تخدم الجهد القتالي للحلفاء, أعداء الدولة العثمانية, والطرف الدائم في تلك الحروب..

وبطبيعة الحال, فقد أدّت الصورة الناقصة والمشوهة, وشديدة التركيز, إلى “تصوير إحدى المجموعات ببياض الثلج بينما الآخر يجلله السواد”, كما يقول البروفيسور تورك قايا في كتابه “ماذا حدث للأرمن في الدولة العثمانية”, والذي صدرت طبعته الأولى عام 2009.

يقول تورك قايا:

“ما يطلق عليه اليوم الإرهاب المسلح, وهجمات العنف, والاغتيالات والقتل الجماعي, للأتراك, والمشاركة الصريحة في الحرب العالمية الأولى, من قبل الكتائب الأرمنية الثقيلة, هي حقائق معترف بها, وفي بعض الأحيان يُعلن عنها بفخر, في كتب ومقالات من تأليف الأرمن أنفسهم. وبعض المصادر تشير بتطرف إلى أن لجوءها إلى السلاح كان العامل الحاسم في كسب الحرب من قبل أعداء الدولة العثمانية”.

وفي سياق تعبيره عن غياب الرواية التركية, ووصفه حال الأتراك في تلك الفترة, يقول الدكتور تورك قايا:

“ماذا لو أن الأتراك ركزوا على مأساتهم التي راح ضحيتها ما يقارب 11 مليون تركي وغيرهم من المسلمين, حيث قُتل نصفهم وأُجبر النصف الآخر, من الذين عاشوا في الأراضي الإسلامية الشاسعة الممتدة من البوسنة إلى القوقاز, على الهرب. وقد اختفى ذلك العالم الآن, باستثناء عدد قليل من الجيوب في غرب تراقيا (في اليونان), وسراييفو في (صربيا), وفي جمهورية مقدونيا السابقة, وجنوب شرق بلغاريا, وبالقرب من كوستانزا (في رومانيا). ويعيش حاليًا في الجمهورية التركية أبناء وبنات الناجين, مثل المسلمين الألبان, والآذريين, والبوشناق, والشيشان, والشركس, واللاز, والتتار وما إلى ذلك”.

ويستعرض في كتابه هذا, يستعرض تورك قايا, الثورات (التمردات) الأرمنية المسلحة التي عمّت أرجاء الدولة العثمانية, وخاصة مع بدء الحرب الأولى, وما رافقها من أعمال قتل واغتيال ونهب وفوضى. ويتناول مسألة ترحيل الأرمن وملابساتها, والأسباب التي دفعت إلى ذلك, ومبررات المسؤولين الأتراك آنذاك, ويستند إلى الكثير من المصادر والمؤلفات الغربية, والأرمنية بشكل خاص, ووثائق الرشيف العثماني.

وفي كتابه “مذابح الأرمن ضد الأتراك في الوثائق العثمانية والروسية والأميركية”

يذكر الاستاذ أحمد عبد الوهاب الشرقاوي, أنّ المؤرخ البريطاني أرنولد توينبي, أحد أبرز الذين روجوا لمذابح الأرمن, وأصدروا كتبًا ودراسات في ذلك, عاد ليقول في مذكراته المعنونة ب “معارفي”, والصادرة بالإنجليزية في لندن سنة 1967:

“ما سبق أن كتبته ووصفت فيه أحوال الأرمن، كان دعاية حرب، لأن السلطات العثمانية قد وجدت الأرمن العثمانيين يمثلون الطابور الخامس لقوات الحلفاء فقررت ترحيلهم بعيدًا عن مناطق القتال، وأن هذا الإجراء هو إجراء أمني مشروع تتخذه غيرها من الدول في مثل هذه الظروف”.

ويضيف الشرقاوي, بأن توينبي كان قد أصدر بالإنجليزية في لندن سنة 1932, كتابًا بعنوان “المسألة الغربية في اليونان وتركيا”, ذكر فيه أن ما كتب عن التنديد بأحداث سنة 1915 في الدولة العثمانية ضد الأرمن هو دعاية حرب تشوبها المبالغة.

ومن أشهر من كتبوا في هذه المسألة, البروفيسور “جستن مكارثي”, الاختصاصي في الدراسات السكانية العثمانية, في كتابه “الطرد والإبادة مصير المسلمين العثمانيين”. يقول مكارثي:

“هجمات الأرمن على المسلمين لم يأت ذكرها أو تؤخذ في الحسبان إلا فيما ندر، أما هجمات المسلمين على الأرمن فهي فقط التي يهتمون بها ويبرزونها، كان من السهل على المعلقين أن يصوروا المسلمين بوصفهم متوحشين شعروا بين فينة وأخرى بالحاجة إلى قتل المسيحيين.. في الحقيقة هاجم الأرمن المسلمين وفي كثير من الأحيان دون استفزاز واضح أو مسوغ مباشر”.

–      مسؤولية التدخلات الأجنبية:

في كتابه “السلطان عبد الحميد والرقص مع الذئاب”, يقول المؤرخ التركي مصطفى أرمغان: “إن الباحث جوزيف برودا, يعيد سياسة التتريك التي اتبعها الاتحاديون, الذين صعدوا إلى السلطة بوعود الحريات الكبيرة, إلى وقوف الإنكليز وراءها..  والذين توالت خدماتهم السرية عبر جواسيسهم لورانس العرب, وسيتون واتسون في الصرب, والليدي دونهام في الأرناؤوط, ونويل باكستون في البلغار, الذين كانوا يعملون على تهويش القوميات, وإعداد الشروط الضرورية لتمزيق الدولة العثمانية”..

وفي سياق الحديث عن الدور الأجنبي, يشير أرمغان إلى إشعال فتيل التقاتل بين العديد من الأطراف, حول “أرمنستان الكبرى”, و”كردستان الكبرى”, التي ارتأت القوى الأجنبية أن تقيمها على أراض تقتطع من هذه الدولة أو تلك, وهي تعلم أنها وهم وخيال لا يمكن تنفيذها. والغريب في الأمر أنها رسمت حدود هاتين الدولتين “الكبريين”, متقابلتين إلى درجة التطابق, وبهذه الطريقة يتم الإيقاع بين الأكراد المسلمين, والأرمن المسيحيين, وتندلع الحروب, وتعم الفوضى..

على مدى سنوات طويلة, كان هناك من يعمل بحنكة ودهاء وعلى مدى سنوات طويلة, ليس على إثارة هاتين القضيتين وحسب, بل على العديد من القضايا الكبرى في المنطقة, وتحويلها إلى بؤر للصراع المفتوح والمستمر. ستبرز من خلاله القضية الفلسطينية والسورية والعراقية والصومالية وغيرها.. وليس من المبالغة في شيء القول بأن كل بقعة من بقاع الشرق الأوسط قابلة بحد ذاتها لتتفجر كقضية.

ومن بين كل ما أسلفنا, تبرز المسألة الأرمنية, كإحدى القضايا الكبرى, التي ظهرت أثناء الحرب العالمية الأولى, والتي تحظى باهتمام كبير على مستوى عالمي.

يتناول جيرمي سولت في كتابه “تفتيت الشرق الأوسط”, تأثير البريطانيين والفرنسيين, في إغراء الأرمن بإقامة دولة “أرمينية الكبرى”, كما سبق وفعلوا مع شعوب البلقان, وكما فعلوا عندما قدموا بوعدهم للأكراد, مشروطا بإثبات أهليتهم وقدرتهم على إدارة دولة..

وتبرز هنا مسؤولية الأوربيين, في رسم هذه القضايا وإثارتها والإعداد لها. وخاصة بريطانيا وفرنسا.. بريطانيا على وجه الخصوص, وبعد انتصارها الكبير في الحرب العالمية الأولى, “كانت بريطانيا في مقعد (صندوق العربة)” كما يصفها جيرمي سولت.. “فلقد كانت تمسك بكل المناطق المحتلة من الشرق الأدنى”..

كان مسعى بريطانيا, يهدف لوضع حاجز وقائي بينها وبين روسيا، في مناطق نفوذها, عندما منحت لفرنسا الموصل وسوريا وإقليم كيليكيا (سهول أضنة أو شوروكوفا), حتى سيواس (القسم الغربي من بحيرة وان)..

وعلى هذا الأساس, وضمن خطة الفرنسيين لتقوية مطالبهم في المنطقة, فإنهم “بدأوا بنقل قواتهم المكونة من فرنسيين وأبناء المستعمرات, ومن الأرمن, إلى المناطق التي طالبوا بها, وشرعوا في إعادة توطين الأرمن, الذين لازال قسم كبير منهم في سورية –بعد الترحيل الذي تعرضوا له عام 1915- “..

نُقلت ألوية أرمنية خاصة تربو على عشرة آلاف مقاتل, سبق تجميعها وتدريبها في القاهرة, وأرسلت إلى جنوب شرقي الأناضول, وجرى تشجيع آلاف الأرمن, للانتقال إلى تلك المناطق, خاصة أولئك الذين تم ترحيلهم عام 1915, وأصبحوا بدون مأوى, طمعا بالاستقرار فيها.

في جانب مغفل, من المسألة الأرمنية, يذكر جيرمي سولت, بأن ما فعلته فرنسا مع الأرمن في إقليم كيليكيا, يشبه تماما ما فعله الروس عام 1915, عندما ورطوا الأرمن في ثورتهم في “وان” عام 1915, واجتاحوا بجيوشهم شرق تركيا وعاثوا فيها فسادًا, هم والمجموعات الأرمنية المسلحة, ثم انسحبوا بعد ذلك بسبب الثورة البلشفية أواخر عام 1917, وانسحبت معهم المجموعات المسلحة شمالا, تاركين الأرمن من الأهالي يواجهون مصيرهم”.

وبالفعل, فإن فرنسا, وبعد فترة وجيزة, ستنسحب من المنطقة, دون أن تكترث بمصير حلفائها الأرمن, بعد أن رتبت أمرها مع بريطانيا, وبعد أن تحققت مبكرا من أهمية الدور الذي سيلعبه القوميون الأتراك لاحقا في مستقبل المنطقة.

فرنسا التي لم تكن بوضع يسمح لها بالكثير من الإلحاح, قبلت في كانون أول ديسمبر 1918, بالتنازل عن مطالبتها بالموصل في مقابل حصولها على حصة من بترول المنطقة, حددت عام 1920 بنسبة (25%) من الناتج الصافي لحقول بترول بلاد ما بين النهرين, بسعر السوق, أو 25%, من أي شركة خاصة تُشكل لتطوير حقول البترول هناك, وتتسلم أيضا 25% من البترول الإيراني, الذي تضخّه الشركة البريطانية الإيرانية “عبر الأنابيب التي تمر في البلاد الواقعة تحت الانتداب الفرنسي, إلى مصب على البحر المتوسط”.. جيرمي سولت في كتابه “تفتيت الشرق الأوسط”

فرنسا نفسها, وفي الوقت الذي كانت تقاتل الكماليين في الجنوب الشرقي من تركيا, الذين كانوا يدعمون الثوار السوريين في جبل الزاوية بإدلب, وفي جبال اللاذقية التي تحتلها فرنسا, كانت تتفاوض معهم بهدوء وكتمان, وتهرّب لهم السلاح والذخيرة, على طول ساحل البحر الأسود, وهدفها زعزعة الموقف البريطاني في منطقة المضائق, وداخل استانبول وحولها. وقد سبق أن أشار إلى هذه الناحية, الأستاذ خالد العظم في مذكراته, في معرض حديثه عن مسؤولية الساسة والزعماء الوطنيين السوريين, والأخطاء التي ارتكبوها في معالجتهم للعلاقات مع الكماليين في تلك الفترة, حين كانوا يواجهون معهم عدوًا, أو أعداء مشتركين.

وهكذا, وفي 20 أيلول 1920, تنسحب من جنوب شرق تركيا, (كيليكيا وسهول أضنة), وتتفرغ لإدارة انتدابها, أو احتلالها لسورية. تاركة حلفاءها الأرمن بمواجهة القوميين الأتراك, في ورطة أخرى جديدة, وبمزيد من الصلف والاستهتار السياسي والإنساني, وانعدام المسؤولية الأخلاقية, في استغلال مطامح الشعوب وآمالها, في خدمة مصالحها الذاتية, ودون اكتراث بالعواقب.

في العرف الغربي لا يُحكم على الثورات بمبادئها وقيمها وتضحياتها, أيا كانت ومهما بلغت, وإنما يحكم عليها بنتائجها من المنظور المادي وحسب.

وبحسب المنطق الأوربي في الثورة الفاشلة, فلن يهزم المقاتلون وحدهم في نهاية المطاف, وسيكون طبيعيًا أن يُنفى السكان جميعهم من أرضهم, تحت سكين الذبح والتعذيب والاغتصاب, وتدمير البيوت وحرق الأرض تحت أقدام أصحابها, وهكذا سيخسر الثائرون كل شيء…

الثورة تكون ناجحة فقط عندما تحقق أهدافها, ولو على أكوام الجثث والأنقاض, وأما الثورة الفاشلة فلا تخلف سوى “إرهابيين”, أو “مجموعة من المثاليين الفاشلين”, الذين غالبا ما يقتلون أو يتوارون عن الحياة العامة. ولا بأس حينئذ بكيل المديح لهؤلاء, ومن الجانب الإنساني وحسب, الذي طالما تم إهداره وتجاهله على الدوام.

ملاحظة 1:

أراضي الألزاس واللورين الإمبراطورية (بالألمانية: ‘Reichsland Elsass-Lothringen’)‏ إقليم أوجدته الإمبراطورية الألمانية في عام 1871 بعد أن ضمّت غالبية منطقة الألزاس ومنطقة موزيل في اللورين بعد انتصارها في الحرب الفرنسية البروسية.

دخلت القوات الفرنسية الألزاس واللورين في نوفمبر 1918 في نهاية الحرب العالمية الأولى وعادت المنطقة إلى فرنسا في معاهدة فرساي عام 1919.

المنطقة ضمتها ألمانيا النازية في 1940، إلا أنها عادت إلى فرنسا في 1945 في نهاية الحرب العالمية الثانية وظلت جزءاً من فرنسا منذ ذلك الحين.

والمغزى من المثال, أن قاطني الألزاس واللورين من الألمان أو الفرنسيين حافظوا على وجودهم, وظلت مقاطعة الألزاس تغلب عليها الصبغة الألمانية والأصول السكانية واللغوية الألمانية, مقابل تراجع اللورينيين المتكلمين الألمانية إلى 50% من السكان، مع غلبة الصبغة الثقافية الفرنسية عليهم.

ملاحظة 2:

كانت منطقة جنوب تيرول مكانًا للمطالبات المتنازعة والصراع بين القومية الألمانية والقومية الإيطالية. ألحقتها معاهدات السلام بعد الحرب العالمية الأولى بإيطاليا. وفي عام 1939، اتفق هتلر وموسوليني علىحل مشكلة تقرير المصير لألمان تيرول, وتم منحهم خيار إما الاندماج في الثقافة الإيطالية، أو مغادرة جنوب تيرول إلى ألمانيا؛ اختار معظمهم المغادرة إلى ألمانيا.

3 تعليقات

  1. جهد مشكور ولو أنه سريع ويحتاج إلى أن يكون كتاباً موثقاً بالصور والوثائق للوقوف أمام هذه الهجمة الغربية على تركيا
    وفبركة الكثير من القصص والروايات حول مذابح الأرمن والإهمال المقصود لحقيقة خيانة الأرمن والمذابح التي اقترفوها بحق الأتراك المسلمين ومشاركتهم في كل تمرد وتحرك ضد الدولة التركية سواء كانت تركيا العثمانية أو الكماية كما يسمون الجمهورية .

  2. د.تيسيرالنايف

    شكرا مقالة ودراسة تاريخية في غاية الأهمية تسلط الضوء على حقائق يحاول كثير من (المثقفين العرب) وأعداء الأمة الإسلامية دثرها اوتزيفها مقالةموثقة بشواهد وأعلام عرب وغربيين دونوا وفترة لاهبه وخطيرة مهمه لنا ، محاولين إضهار العثمانين كنازيين وسفاحين والأرمن الحمل الوديع . أعداء الأمس هم أعدائنا اليوم. أحب أن أطرح كتابين قرأتها وأحب مناقشتهما ومراجعتهما بوجهات نظر نقدية مفيدة وهما. بلاد الشام في القرن التاسع عشر روايات تاريخية معاصرة لحوادث عام ١٨٦٠ ومقدمتها في سورية ولبنان الدكتور سهيل زكّار دار حسان للطباعة والنشر . والكتاب الثاني دمشق بين عصر المماليك والعثمانيين ٩٠٦_٢٢٩ هج_ ١٥٠٠_١٥٢٠م أكرم حسن العلبي دراسة تاريخية وإجتماعية وثقافية واقتصادية، الشركة المتحدة للتوزيع.

  3. د.تيسيرالنايف

    معذرة غلط إملائي بكلمة محاولين” إظهار” العثمانيين. وكتابين قرأتهما وليس قرأتها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

فتح القسطنطينية – 2 من 11

أ.د. أحمد رشاد أكاديمي مصري المشهد الأول استعدادات الفاتح للفتح ولعل من الأفضل …