أخبار عاجلة
الرئيسية / بحوث ودراسات / سيناريوهات لحرب إيران وإسرائيل مع قرع طبولها 1 من 2

سيناريوهات لحرب إيران وإسرائيل مع قرع طبولها 1 من 2

د. محمد عبد المحسن مصطفى عبد الرحمن

أكاديمي مصري.
عرض مقالات الكاتب

أوضح المؤرّخ الإسرائيلي مايكل أورين في نهاية كتابه Six Days of War: June 1967 and the Making of the Modern Middle East-ستَّة أيَّام من الحرب: يونيو 1967 وصناعة الشَّرق الأوسط الجديد (2002م) أنَّ في حال فشْل التَّفاوض السّلمي بين الأطراف المتنازعة في منطقة الشَّرق الأوسط، قد تفضي الأمور إلى اشتعال حرب إقليميَّة تشمل “المتطرِّفين الإسلاميين(ص589). ” في ظلّ أجواء “قابلة للانفجار ثانيةً”بسبب الموقف الفلسطيني، الشَّعبي والرَّسمي، الرَّافض للتَّسوية مع إسرائيل وفق بنود خطَّة ترامب للسَّلام المعلنة في 28 يناير 2020م، قد تشتعل حربٌ لا يمثّل أصحاب الملل الباطنيَّة فيها نظام البعث العلوي، إنَّما يقدح شرارتها أعمال استفزازيَّة لنظام ملالي إيران وبعض أذرعته من الحركات المصنَّفة بأنَّها “إسلاميَّة”. وقد قدَّم الكاتب والمخطِّط الاستراتيجي الأمريكي، معتنق العقيدة الصُّهيونيَّة المسيحيَّة، والمنخرط في أعمال التَّبشير، جويل روزنبرغ، عام 2012م كتابًا عنوانه Israel at War: Inside the Nuclear Showdown with Iran-إسرائيل في حالة حرب: في داخل الإغلاق النَّووي مع إيران، يتناول فيه الخطر الذي يشكِّله البرنامج النَّووي الإيراني على منطقة الشَّرق الأوسط، متسائلًا عن مصير المنطقة إذا ما تهوَّرت إيران وشنَّ هجومًا نوويًّا بإمكانه إغراق المنطقة في حالة من الفوضى المدمِّرة.

يطرح جويل روزنبرغ، أمريكي النَّشأة وإسرائيلي الفكر والتوجُّه، عدَّة موضوعات في هذا الكتاب الموجز، يأتي على رأسها إمكانيَّة شنِّ إسرائيل ضربة وقائيَّة، أو استباقيَّة بتعبير أصح، لردع إيران وإجبارها على التَّخلي عن برنامجها النَّووي، بالإضافة إلى مصير المنطقة المضطربة، إذا ما اندلعت حربٌ إقليميَّة بين إيران وإسرائيل. يتضمَّن الكتاب أهم تصريحات قادة إسرائيل، وعلى رأسهم بنيامين نتنياهو، بخصوص الأزمة مع إيران طوال 12 سنةً من المرافَقة. ويبدأ روزنبرغ كتابه بالإشارة إلى لقائه الأوَّل ببنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلي (18 يونيو 1996-6 يوليو 1999م؛ 31 مارس 2009-إلى الآن)، في 25 سبتمبر 2000م، لمَّا أراد نتنياهو ضمَّه إلى فريقه الصَّغير من المستشارين الأمريكيين المفترض أن يتعاون مع فريقه السياسي الإسرائيلي في مساعيه لإعادة نتنياهو إلى السُّلطة، وذلك بعد أن ترك الأخير رئاسة الوزراء لصالح الجنرال والسياسي إيهود باراك في يوليو من عام 1999م، بعد هزيمته حزب الليكود في الانتخابات البرلمانيَّة لصالح حزب العمل.

اعتقد المخطِّط الاستراتيجي، المؤمن بنبوءات الكتاب المقدَّس والمعروف عنه تحليل الأحداث في ضوئها، أنَّ عودة نتنياهو إلى السُّلطة، وبالذَّات موقع القيادة، “مقدَّرًا”، وتعامل معه باعتباره “زعيمًا سابقًا ومستقبليًّا”، برغم عدم اتِّفاقه معه في كلِّ قراراته وقتما كان رئيسًا للوزراء؛ وذلك بفضل ما يتمتَّع به نتنياهو من “ذكاء اقتصادي ومالي واستشراف استراتيجي”، خاصَّة وأنَّ الشَّعب الإسرائيلي سيحتاج إلى حزمه الشَّديد لحمايته من “محرقة ثانية”، إذا ما أقدمت إيران على استخدام قنبلة نوويَّة في تهديد أمن المنقطة (ص5). يضيف روزنبرغ إلى ذلك اعتقاده أنَّ “يد الربِّ” على نتنياهو، وأنَّ الربَّ سيبعثه في “لحظة حرجة في تاريخ الشَّعب اليهودي” (ص5).

ورث نتنياهو عن معلِّمه مناحيم بيغن، رئيس الوزراء وزعيم الليكود الأسبق الذي أحبط مساعي صدَّام حسين تأسيس مفاعل نووي مطلع ثمانينات القرن الماضي، مهمَّة الرَّدع عن استخدام السلاح النَّووي ضدَّ إسرائيل، وكان نتنياهو من مؤيِّدي الضَّربة التي أمَر بيغن بشنِّها في 7 يونيو 1981م، برغم الانتقادات التي وُجِّهت للأخير بأنَّ تلك الضَّربة، برغم مجازفتها، لم تنهي مشروع العراق النَّووي بالكليَّة، إنَّما عطَّلته وفقط؛ غير أنَّ التَّجربة أثبتت خلاف ذلك. تعلَّم نتنياهو من تلك التَّجربة عدَّة دروس، هي: أنَّ حسابات المنتقدين تخطئ أحيانًا، وأنَّه يجب على رئيس الوزراء الإسرائيلي اتِّخاذ القرارات الحاسمة الرَّامية إلى حماية بلاده برغم الانتقادات المحليَّة والدوليَّة، وأنَّ العمليَّات التي تستهدف الحصول على حلول أمنيَّة قريبة الأمد قد يطول تأثيرها أكثر من المتوقَّع. لم تعد العراق الخصم الذي يخشاه نتنياهو، إنَّما خصمه الرَّئيس الآن هو نظام ملالي الشِّيعة في إيران، الذي يهدِّد بمحو الحضارة اليهوديَّة-المسيحيَّة من الوجود لتأسيس دولة الخلافة الإسلاميَّة العالميَّة. يعتقد نتنياهو أنَّ نظام الملالي كان يشابه “الرَّايخ الثَّالث”، أو النِّظام الدِّيكتاتوري الشُّمولي الذي أسَّسه زعيم النَّازيَّة، أدولف هتلر، في ثلاثينيَّات القرن الماضي، وارتكب جريمته الشَّهيرة، وهي الهولوكوست، أو المحرقة، إبَّان الحرب العالميَّة الثَّانية (1939-1945م) للتخلُّص من اليهود؛ حتَّم ذلك على نتنياهو وقاية إسرائيل، أُمَّة النَّاجين من الهولوكوست، أن يبذل قصارى جهده في حماية شعبه (ص6).

نجح حزب الليكود، المنتمي إلى يمين الوسط، في العودة إلى رئاسة الحكومة، بعد فوزه في انتخابات 10 فبراير 2009م، بتأييد شعبي عريض، ليدخل نتنياهو المعترك السياسي في منصب رئيس الوزراء من جديد في 31 مارس 2009م، ويصبح في بؤرة الاهتمام العالمي “في أشدِّ اللحظات خطورة في تاريخ الدَّولة اليهوديَّة” (ص6). يشير روزنبرغ إلى أنَّ مخاطر اشتعال حرب تزداد، في ظلِّ تردُّد أمريكي في اتِّخاذ تدابير تمنع إيران من تطوير قنبلة نوويَّة، وهنا يطرح سؤالًا هامًّا “ماذا لو استيقظ الشَّعب الإسرائيلي ذات صباح على أخبار تقول إنَّ هؤلاء الذين يقودون إيران صار لديهم رؤوس نوويَّة، ولديهم كذلك العزيمة والرَّغبة القويَّة في محو إسرائيل للتعجيل بظهور المسيَّا الإسلامي المزعوم، المعروف بالإمام الثَّاني عشر أو المهدي؟”، مضيفًا سؤالًا أهم هو “كيف يمكن لتلك الأزمة أن تفسح المجال لحدوث نبوءات الكتاب المقدَّس في السَّنوات المقبلة؟” (ص7). يحذِّر نتنياهو من تلك الخطورة منذ تسعينات القرن الماضي، ولكن الخطورة حينها لم تكن قد وصلت إلى ما وصلت إليه هذه الآونة؛ ممَّا يستدعي اتِّخاذ قرار حاسم.

ضرورة اتِّخاذ القرار

يبدأ روزنبرغ استعراضه آراء بنيامين نتنياهو وتصريحاته بشأن الخطر الذي تشكِّله إيران، بالإشارة إلى موقفه من تفجير بورجاس، وهو عمل انتحاري وقع في بلغاريا في 18 يوليو 2012م، بتفجير حافلة كان على متنها سيَّاح إسرائيليون، مات منهم 5 أشخاص، وأصيب 32 شخصًا آخرون. نقلًا عمَّا نشره موقع واي نت نيوز، إصدار صحيفة يديعوت أحرونوت الإسرائيليَّة المنشور عبر الإنترنت، صرَّح نتنياهو بأنَّ إيران هي الطَّرف الأوَّل الذي تشير إليه أصابع الاتِّهام، وأنَّ “الإرهاب الإيراني القاتل” يستهدف مواطني إسرائيل في شتَّى أنحاء العالم، وأنَّ إسرائيل “ستتصدَّى له بالقوَّة”.

الجمهوريَّة الإسلاميَّة أعلنت الحرب على أمريكا وإسرائيل!

يرى روزنبرغ أنَّ نظام ملالي الشِّيعة، منذ قيامه مطلع عام 1979م بعد نجاح الثَّورة الإسلاميَّة، قد أعلن الحرب على أمريكا و “الصَّهاينة”، مطلقًا على أمريكا “الشَّيطان الأكبر” وعلى إيران “الشَّيطان الأصغر”، ومناديًا بالموت للاثنين، ومؤسِّسًا ومموِّلًا جماعات إرهابيَّة مسلَّحة لإصابة أهداف أمريكيَّة وإسرائيليَّة. يضرب روزنبرغ المثل بواقعة حدثت في 23 أكتوبر من عام 1983، عندما استغلَّ عملاء الخميني انتحاريًّا في جرِّ شاحنة مليئة بالمتفجِّرات إلى ثكنات المارينز في بيروت، لبنان، ليلقى 241 أمريكيًّا مصرعهم، وأصبحت تلك الواقعة “أكبر تفجير غير نووي” وقع على الإطلاق. أحدث إرهابيون محسوبون على إيران في 25 يونيو 1996م، تفجيرًا بالقرب من مدينة الظَّهران السَّعوديَّة، ليلقى إثر ذلك 19 أمريكيًّا ومواطن سعودي مصرعهم، وأصيب 372 شخصًا. منذ عام 2001م وحتَّى إعداد هذا الكتاب في أكتوبر 2012م، أطلق إرهابيون مدعومون من إيران في قطاع غزَّة ما يقرب من 13 ألف صاروخ على الحدود الجنوبيَّة لإسرائيل.

وبواسطة عمليَّات نظَّمتها حركة حماس وغيرها من الحلفاء الفلسطينيين الضَّالعين في أعمال إرهابيَّة، قُتل ما لا يقل عن 44 إسرائيليًّا، وجُرح أكثر من 1700 خلال العقد السَّابق. وإلى جانب عمليَّات حركة حماس في غزَّة، يشنُّ حزب الله اللبناني المسلَّح، الموالي لإيران والمدعوم بأموالها، ضربات استفزازيَّة على حدود إسرائيل الشَّماليَّة، وحدث احتكاك مباشر في صيف عام 2006م، عندما هاجمت ميليشيات حزب الله جنودًا إسرائيليين أثناء إجرائهم دوريَّات على الحدود، وتطوَّر الأمر إلى حرب محدودة النَّطاق، عُرفت بـ “حرب لبنان الثَّانية” (ص11). منذ ذلك الحين، تساعد إيران حزب الله في تطوير ترسانة ممَّا يقرب من 65 ألف صاروخ وقذيفة، كثير منها يفوق في قدرته ودقَّته ما في ترسانة حركة حماس. وكما نشرت صحيفة هآرتس الإسرائيليَّة بتاريخ 23 مايو 2012م، أظهرت تسريبات مراسلات السَّفارة الأمريكيَّة في تل أبيب والخارجيَّة الأمريكيَّة، أنَّ إسرائيل تتوقَّع أن تقصفها حماس بما يتراوح بين 400 و600 قذيفة في اليوم الواحد لمدَّة شهرين، في حال اندلعت حربٌ إقليميَّة. الأخطر من هذا وذاك هو برنامج إيران المتطوِّر لإنتاج رؤوس نوويَّة وإعدادها شبكات إرهابيَّة لإطلاقها. إيمانًا منه بأنَّ إيران بتطويرها سلاحًا نوويًّا تشكِّل خطرًا على العالم بأسره، يصرُّ نتنياهو على اتِّخاذ إجراء يوقف إيران عند حدِّها، والأمر يستدعي قرارًا حاسمًا.

تهديد إيران بمحو إسرائيل ينذر بحرب عالميَّة

لم يمتنع الرَّئيس الإيراني السَّابق، محمود أحمدي نجاد، عند وجوده في مدينة نيويورك الأمريكيَّة، في سبتمبر من عام 2012م، للمشاركة في الدَّورة السنويَّة للجمعيَّة العامَّة للأمم المتَّحدة، عن تهديده بضرورة محو إسرائيل من الوجود، كما نقلت شبكة رويترز الإخباريَّة في 23 سبتمبر 2013م.

كما رفض أحمدي نجاد التَّنديد بتصريح للحرس الثَّوري الإيراني، يهدِّد فيه بإجراء ضربة وقائيَّة ضدَّ إسرائيل والقواعد العسكريَّة الأمريكيَّة، مهدِّدًا بأن يسفر أيُّ اعتداء على إيران عن اندلاع “الحرب العالميَّة الثالثة”، وفق ما نشرته شبكة رويترز بتاريخ 23 سبتمبر 2013م.

وكان آية الله علي خامنئي، المرشد الأعلى للثَّورة الإيرانيَّة، قد صرَّح في يوليو من عام 2012م، بأنَّ أهم أعداء إيران، الولايات المتَّحدة وإسرائيل، لا تجرآن على الهجوم على إيران، التي يمتدُّ تاريخها إلى ما يزيد على 10 آلاف سنة، مهدِّدًا من جديد بمحو إسرائيل، وفق ما نشرته صحيفة جيروساليم بوست بتاريخ 15 أغسطس 2012م. ليس خامنئي وحده من أقرَّ بعدم إمكانيَّة شنِّ إسرائيل هجومًا وقائيًّا على إيران، فقد صرَّح بذلك مراقبون، مرجعين السَّبب في ذلك إلى طلب من الرَّئيس الأمريكي السَّابق، باراك أوباما، الذي كان يستعدُّ لخوض انتخابات الرِّئاسة لفترة ثانية في نوفمبر من عام 2012م، وأراد عدم وقوع حدث يصيب المنطقة بالاضطراب.

وقد نشرت مجلَّة ذا أتلانتيك (The Atlantic) الأمريكيَّة، للأدب والثقافة والتعليم بتاريخ 11 أغسطس 2012م، مقالًا تحت عنوان ” 7 Reasons Why Israel Should Not Attack Iran’s Nuclear Facilities-7 أسباب تمنع إسرائيل من الهجوم على منشآت إيران النَّوويَّة”، يرصد، كما يشير العنوان أهم أسباب تثني إدارة نتنياهو عن شنِّ هجوم استباقي على إيران لإيقاف برنامجها النَّووي، وهي موت أبرياء؛ وفشل الهجوم؛ نجاح الهجوم في تعطيل البرنامج النَّووي الإيراني لفترة، وليس إنهائه؛ وإمكانيَّة إثارة الحدث تعاطُف أهل السُّنَّة مع إيران برغم عدائهم لنظام ملالي الشِّيعة، لأسباب عديدة قد يأتي على رأسها دعم الملالي نظام بشَّار الأسد في دحره الشَّعب السُّوري؛ واحتماليَّة تطوُّر الأمور وخروجها عن نطاق السَّيطرة باشتعال حرب إقليميَّة، إن لم تكن عالميَّة؛ وتأثُّر علاقة إسرائيل بأمريكا، إذا ما ردَّت إيران على الهجوم الإسرائيلي بهجوم على مصالح أمريكيَّة؛ تفضيل الرَّئيس الأمريكي حينها، باراك أوباما، الحلَّ الدبلوماسي لإنهاء تهديد إيران النَّووي، قبل استخدام القوَّة، ممَّا يعني أنَّ أيَّ استخدام إسرائيلي للقوَّة ضدَّ إيران سيعرقل مساعي أوباما الدبلوماسيَّة.

كيف يقيِّم نتنياهو الخطر

يعرف بنيامين نتنياهو جيِّدًا أنَّ ملالي إيران تحرِّكهم “عقيدة إسلاميَّة متطرِّفة، إلى جانب طموح شخصي وقومي هائل” (ص19). يُدرك رئيس الوزراء الإسرائيلي أنَّ الفهم الصَّحيح لنظام ملالي الشِّيعة القائم يتطلَّب أوَّلًا فهْم طبيعة الثَّورة الإسلاميَّة التي اندلعت عام 1979م، ولعلَّ في تصريح روح الله الخميني، المرشد الأعلى للثَّورة الإسلاميَّة، بنيَّة نظامه “تأسيس إمبراطوريَّة إسلاميَّة عالميَّة تقودها إيران” ما يعبِّر بإيجاز عن حقيقة أهداف نظام الملالي (ص19). وكما ورد في كتاب Islam and Revolution: Writings and Declarations of Imam Khomeini-الإسلام والثَّورة: كتابات الإمام الخميني وتصريحاته (1981م)، صرَّح الخميني بقوله “لا بدَّ أن نسعى إلى تصدير ثورتنا إلى العالم” (ص286). في ذلك الحين، أعلن الخميني الحرب على أمريكا وإسرائيل، واعتاد مئات الآلاف من الشِّيعة على ترديد عبارة “الموت لأمريكا! الموت لإسرائيل!” كلَّ جمعة، تزامنًا مع خطبة الخميني الأسبوعيَّة. وقد صار لعْن أمريكا وإسرائيل سُنَّة توارثها قادة إيران، حتَّى صرَّح آية الله علي خامنئي عام 2001م، بقوله “إنَّ مهمَّة الجمهوريَّة الإسلاميَّة الإيرانيَّة أن تمحو إسرائيل من خارطة المنطقة”، كما يذكر الصحافي الإيراني كسرا ناجي في كتابه Ahmadinejad: The Secret History of Iran’s Radical Leader-أحمدي نجاد: التَّاريخ السِّرِّي لزعيم إيران المتطرِّف (2007م، ص144). ويشير ناجي في الكتاب ذاته (ص143) إلى تصريح الرَّئيس الإيراني الأسبق، أكبر هاشمي رفسنجاني، القائل “قنبلة واحد تكفي لتدمير إسرائيل… في الوقت المناسب، سيحصل العالم الإسلامي على جهاز نووي عسكري”.

ويعتقد نتنياهو أنَّ تلك التَّصريحات ليست واهية، وهو على يقين بأنَّ زعماء إيران يسعون إلى تدمير الحضارة اليهوديَّة-المسيحيَّة، ويعدُّون العتاد اللازم لتنفيذ أهدافهم للإبادة الجماعيَّة. أمَّا عن سبب ذلك، فهو إيمان زعماء الشِّيعة في الجمهوريَّة الإسلاميَّة بأنَّ إغراق العالم في فوضى من بين وسائل التعجيل بظهور المخلِّص. لم يخفِ محمود أحمدي نجاد في خطابه الذي ألقاه يوم 26 سبتمبر من عام 2012م، خلال مشاركته في الدَّورة السنويَّة للجمعيَّة العامَّة للأمم المتَّحدة، إيمانه بعلم آخر الزَّمان (Eschatology) لدى الشِّيعة الاثني عشريَّة، بأن دعا خلال الخطاب بسرعة ظهور الإمام المهدي، الذي سيصاحبه المسيح (عليه السَّلام)، وينشران معًا العدل والسَّلام. حرص نتنياهو خلال كلمته التي ألقاها أمام الجمعيَّة العامَّة للأمم المتَّحدة في اليوم التَّالي، على الإشارة إلى إوشاك إيران على الانتهاء من إعداد قنبلتها النَّوويَّة الأولى. وينقل روزنبرغ عن نتنياهو تصريحه، في سياق آخر، بأنَّه حذَّر في تسعينات القرن الماضي من تدمير المسلمين المتطرِّفين مركز التِّجارة العالمي، ولكن دون جدوى.

يقول روزنبرغ عن لسان نتنياهو “والآن، ونحن في العقد الأوَّل من القرن الحادي والعشرين، أقول أنَّ العالم سيواجه خطرًا هائلًا إذا ما حصلت إيران، التي يرأسها أحمدي نجاد، على سلاح نووي” (ص21). يؤمن نتنياهو بما لا يؤمن به معظم زعماء العالم، وهو أنَّ زعماء إيران، من معتنقي عقيدة الشِّيعة الاثني عشريَّة، يعتقدون أنَّ الله معهم ولن يدعهم عُرضةً لهجوم أمريكي أو إسرائيلي، وأنَّ مهمَّتهم هي إعداد العالم لاستقبال الإمام الموعود مهما كلَّف الأمر وترتَّب على خطَّتهم من فوضى. يرى نتنياهو، كما يشير روزنبرغ، أنَّ “لا الرَّئيس الأمريكي ولا أيَّ زعيم غربي آخر يفهم أو يقدِّر طبيعة العدو الذي يجابهونه”، مضيفًا أنَّ ما يريد زعماء الغرب إدراكه هو أنَّ علم آخر الزَّمان هو الذي يشكِّل السِّياسة الخارجيَّة الإيرانيَّة، وأنَّ حرب إبادة في انتظار الحضارة الحديثة إذا ما امتلكت إيران سلاحًا نوويًّا، تنفيذًا لـ “سيناريو آخر الزَّمان” لدى أتباع العقيدة الشِّيعيَّة الاثني عشريَّة (ص24).

موقف محيِّر لأوباما من إيران وإسرائيل

حرص روزنبرغ في نوفمبر 2009م، على إلقاء محاضرة تحت عنوان ” Train Wreck: The Coming Collision of U.S.-Israeli Relations-حطام القطار: التصادمات القادمة في العلاقات الأمريكيَّة-الإسرائيليَّة”، أعرب فيه عن قلقه على مستقبل علاقة إسرائيل بأمريكا، في ظلِّ تراجُع نسبة اعتقاد الإسرائيليين في تأييد زعماء أمريكا لدولتهم. فقد أشارت استطلاعات الرَّأي في 2008م إلى أنَّ 88 بالمائة من الإسرائيليين يعتقدون أنَّ الرَّئيس جورج دابليو بوش مناصر لإسرائيل، لتتراجع هذه النسبة إلى 31 بالمائة فقط بخصوص الرَّئيس باراك أوباما في مايو 2009م، وفق استطلاعات صحيفة جيروساليم بوست، التي أشارت في أغسطس من العام ذاته إلى اعتقاد 4 بالمائة فقط من الإسرائيليين بأنَّ أوباما مناصر لإسرائيل. علاوة على ذلك، استخفَّ أوباما خلال حملته الانتخابيَّة بإيران، التي وصفها بـ “دولة ضئيلة” لا تشكِّل تهديدًا لأمريكا، لكنه ما لبث أن تراجَع عن ذلك الرَّأي، واصفًا إيران بأنَّها “خطر كبير” (ص25). ومع ذلك، رفَض أوباما فرْض عقوبات “مكبِّلة” على إيران، برغم وعْده بذلك، وبرغم اكتشاف منشأة نوَّويَّة إيرانيَّة ثالثة، أُسِّست بالقرب من إحدى القواعد العسكريَّة الواقعة في أطراف مدينة قُم، مقر الحوزات الدِّينيَّة الشِّيعيَّة. ما عظَّم من حيرة المراقبين حيال موقف أوباما من إيران، مساندته الهزيلة لدُعاة الإصلاح في الشَّارع الإيراني الرَّافضين لاحتفاظ أحمدي نجاد بالسُّلطة عبر انتخابات مزوَّرة. مارس الرَّئيس الأمريكي السَّابق سلطاته للضَّغط على إسرائيل لألَّا تقيم مستوطنات جديدة في القُدس الشَّرقيَّة والضَّفَّة الغربيَّة.

واصَل أوباما ما يعتبر جويل روزنبرغ تجاوزات في حقِّ قضيَّة إسرائيل، حتَّى “وقعت الكارثة” في مارس 2010م، عندما، وكما رأى الكثيرون من موطني أمريكا وإسرائيل، خرج أوباما عن حدود اللياقة في تعامله مع نتنياهو. رفَض نتنياهو، أثناء وجوده في البيت الأبيض، طلبًا من الرَّئيس الأمريكي بالتَّوقيع على وثيقة تقضي بتقسيم القُدس وعودة إسرائيل إلى حدود ما قبل 5 يونيو 1967م؛ فتركه أوباما ورفَض إكمال الاجتماع.

تداعيات حرب إيران وإسرائيل

يعتقد مراقبون أنَّ حربًا بين إيران وإسرائيل إذا ما نشبت، فإنَّ رحاها سوف تدور أسرع من المتوقَّع. ويحضر في هذا الصَّدد نموذج ما حدث في يونيو 1967م، حينما وضعت الحرب أوزارها مساء اليوم السَّادس، 10 يونيو 1967م. غير أنَّ هذا النَّموذج قد لا يتكرَّر، ومن الأفضل الاستعداد للسِّيناريو الأسوأ، وهو اندلاع حرب إقليميَّة تمتدُّ لأشهر، وربَّما لسنوات، قد تكون “الأكثر تدميرًا في التَّاريخ الحديث للشَّرق الأوسط” (ص27). يتساءل روزنبرغ “ماذا لو اشتعلت المنقطة بأكملها؟ ماذا لو مات الآلاف من الأبرياء؟ ماذا لو طرأت مشكلة اللاجئين؟ ماذا لو اختلَّ توازُن الأنظمة الصَّديقة (للغرب وإسرائيل) وأُسقطت على يد الجهاديين الإسلاميين المتطرِّفين؟ ماذا لو نشطت الخلايا الإرهابيَّة في الولايات المتَّحدة، وعبر أوروبا، وحول العالم؟ ماذا لو هوجمت السَّفارات الأمريكيَّة والغربيَّة واقتُحمت، كما حدث بالفعل في مصر وليبيا؟ ماذا لو اتَّخذ أهلنا رهائن، أو عُذِّبوا، أو قُتلوا؟ إلى أيِّ مدى ستقفز أسعار النَّفط والغاز؟ كيف سيتضرَّر الاقتصاد العالمي الذي يعاني في الأصل من الهشاشة والتعثُّر، وكذلك الاقتصاد الأمريكي الذي يواجه صعوبات؟”…(ص27). يتأمَّل روزنبرغ في ظروف الحرب، وتداعيات شنِّ إسرائيل ضربة وقائيَّة ضدَّ إيران وكيفيَّة ردِّ الأخيرة، التي ربَّما تُقدم على إغلاق مضيق هرمز، والذي يمرُّ منه خُمس النَّفط العالمي. يتساءل روزنبرغ كذلك عن كيفيَّة الرَّد الأمريكي، وإذا ما كان سيلزم الحياد، كما فعَل خلال أيَّام حرب 5 يونيو 1967م.

شاهد أيضاً

“جمال باشا السفاح” الخنجر المسموم في ظهر الأمة، والسبب المباشر لسقوط الخلافة الإسلامية 2 – 2

عامر الحموي نائب رئيس التحرير أحمد جمال باشا (1872- 1922): ولد في ميتليني …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.