أخبار عاجلة
الرئيسية / ثقافة وأدب / أحمد حسن الزيَّات.. مسيرة أديب

أحمد حسن الزيَّات.. مسيرة أديب

محمود القاعود

كاتب واديب مصري.
عرض مقالات الكاتب

على مقربة مِن القاهرة يتفرع النيل شمالا إلى فرعين رئيسيين هما: فرع دمياط وفرع رشيد، وبين الفرعين شقت الترع والقنوات، وحولها قامت المدن والقرى والكفور.

وتكاد تلك المدن، وهذه القرى والكفور، تتشابه في الشكل والنظام، ووسائل العيش وحياة أهلها من أبناء الريف المستقرين إلى جوار الأرض منذ أقدم العصور. فالكفور تتكون من عدة منازل من الطوب اللبن، ودروب ضيقة متعرجة، وأكوام من القش على أسطح المنازل، وتبعد كثيرا عن صورة الحضارة الحديثة التي تليق بأبناء هذا العصر.

وفي «كفر دميرة القديم» التابع لمركز «طلخا» بمحافظة الدقهلية،عاش الزيات، في أسرة من أسر هذا الكفر، ونشأ بين أهلها نشأة عادية، يعيش كما يعيشون، ويتعلم كما كان يتعلم أبناء الكفر على أيدي الفقهاء من أصحاب الكتاتيب أو القارئين من أرباب الحرفة.

و«كفر دميرة» كانت تحيط به من الجهة الغربية أملاك «البدراوي باشا» ومن الجهة الشرقية أملاك الأمير «عمر طوسون»، وبين الإقطاعيتين الكبيرتين يعيش آلاف الفلاحين في قراهم وكفورهم تحكمهم ظروف التبعية لهذين الإقطاعيين الكبيرين.

والقرية على حالها هذا ستجد لها أصداء كبيرة في كتابات الزيات تتناول بالنقد والتحليل والدراسة والعلاج كل نواحي القصور فيها.. وقد أخلص الزيات في نظرته إلى القرية المصرية وفي توجيه الدعوات الإصلاحية ببرامجها المتكاملة المدروسة لإصلاحها، ولعل السر في اهتمامه بها يرجع إلى نشأته الأولى بين ربوعها وإلى تلك الغصص التي تجرعها في بدء معرفته، وصلته بأبناء قريته الأوفياء الذين تأصلت فيهم سمات أبناء الريف في مختلف أرجاء الوطن.

وفي ذلك الكفر عاش الشيخ حسن، الفلاح المصري الذي ينتهی نسبه إلى الشيخ «مجاهد» المدفون في مقام يحمل اسمه بقرية «نبروه» القريبة من كفر دميرة، وإلى جانب زوجته الفلاحة المصرية السيدة «غالية» التي ينتهي نسبها إلى عائلة «المدني» ، نسبة إلى المدينة المنورة التي هاجر منها جدها الأكبر وعاش في مصر، واستقر بمركز طلخا .

وكان الوالد على الرغم من ارتباطه بالأرض، وفلاحتها، يعرف القراءة، والكتابة، على عكس الكثيرين من أبناء الريف في ذلك الوقت، كما كانت الأم تمتاز بالذكاء، ورجاحة العقل.

وكان «أحمد» الابن الثالث لأبيه، تكبره أخت شقيقة هي «فاطمة» تزوجت بالقرية، وعاشت حتى عام 1971م، وكانت صلته بها صلة مودة ورعاية طوال حياته أنست بقربه أحيانا، وتمتعت ببره وحنانه على القرب والبعد.

وأخ شقيق اسمه «عبد الفتاح» كان يعمل بنَّاء، وتوفي في ريعان شبابه عن ابنة واحدة.

ويصغره أخوان توأمان هما: «فتح الله» الذي التحق بالأزهر ولم يتم دراسته لمرض أصابه، ومات غريقا في عام 1934م، وحزن عليه الزيات حزنا شديدا، والتوأم الثاني «حسين» وعمل مزارعا.

ورزق حسين بعدد من البنين منهم «محمد» المهندس الزراعي بمحافظة المنصورة و «عبد الفتاح» المشرف المالى لمجلة الأزهر.

وخص « الزيات» ابن أخيه عبد الفتاح بمحبته ورعايته، ونال قسطاً وفيراً من توجيهه، وإرشاده، وملازمته، والإشراف على تعليمه.

ويرجع ميلاده إلى اليوم الثاني من شهر أبريل سنة 1880م ، وفي تلك الفترة عمت البلاد موجات الحركة الوطنية ، وأخذ الوعي القومي يدفع الأسر المتوسطة إلى التعلق بأسباب العلم والاتجاه بأبنائها إلى الأزهر، كعبة أبناء الشرق – الإسلامي، وطلاب الدين من شتى أقطاره ولم تكن حال الأبوين على درجة من العسر أو الضنك، بل هي إلى اليسر أميل، فعلى الرغم من أن أبناء «كفردميرة» جميعهم، لا يملكون من الأرض شيئا، إلا أن أسرة الزيات كانت تملك من الأرض ما يساوى «أربعة افدنة» وتستأجر إلى جانبها ، قطعة من أرض «الوسية» تعيش عليها عيشة وادعة هانئة، تلبي مطالبهم، وتفي بما يحتاجون إليه من ضروریات.

وأرض كفر دميرة كانت في الأصل إقطاعية، «ملكها محمد على باشا» إلى «على باشا الشريف» أحد الأتراك، ثم تتابع على الأرض ملاك كثيرون حتى آل أمرها إلى أسرة «البدراوي باشا»، وكانت أسرة البدراوي تعطي الفلاح أجرة يومية زهيدة، وفدان یزرعه ليأكل من ريعه، وتتصرف فيه بعد ذلك كما تشاء، وعليه أن يلبي كل ما يطلب منه من تبعات.

وكان لوالد الزيات نزوع أدبي، وكثيرا ما كلفه بأن يقرأ له القصص الشعبي، ويحثه على مدارسة الأدب وتذوقه، نرى ذلك في قوله:

«اشترى أبي الليالي الطاحون الساهرة قصة «سيف بن ذي يزن، وسيرة عنترة بن شداد، وألف ليلة وليلة، وكليلة ودمنة»، وانعقد السامر السماع المحتار منها حول القارئ الممثل قرابة شهر، وكنت من الصبيان القُلل الذين فضلوا سماع القصص والشعر على سماع الغناء والموسيقى» .

وفي المقال نفسه يشرح كيف قضى سنة بأكملها مع شيخه «الشيخ عطا» يقرأ عليه فيها القصص الشعبية: طوالها وقصارها، وحفظ قدرة كبيرة من الكلمات والتعابير، وفهم الاستعارات والتشابيه، وأحس أن فراغا في نفسه قد امتلأ، ويريد أن يفيض ، وبدأ ينظم الشعر ويكتبه، أو يكتبه ولا ينظمه لأنه لم يكن يدرى من الشعر إلا بياضاً في وسطه وقافية في آخره .. ثم يضيف:

«وصدق أبي – رحمه الله – أني شاعر، فأهدى إلى ديوان المتنبي ، فكان أول كتاب أقتنيه، وأول شاعر أحبته».

(من مقال له بعنوان : أول ما عرفت الأدب «في ضوء الرسالة» ص 1 ط 1963م ويقصد بليالى الطاحون، ليالى الإعداد لزفاف العروس.. احتفالا بزواج أخيه الأكبر).

ومن هذين الخبرین نرى مدى تذوق الأب للأدب، ومدى حرصه على أن يكون ابنه أديب عالم، له في مجال الأدب ذكر وخبر.

أما الأم فقد أثرت فيه بخلقها، ورجاحة عقلها، كانت غاية في الذكاء، راوية محدثة، عن الأسرة والبلدة .

وكان إخوته جميعا يشتغلون بالزراعة، ما عدا واحداً (هو الشيخ فتح الله)، درس بالأزهر، وتوفي قبل أن يتم تعليمه، أما أحمد فإنه الوحيد من بين إخوته الذي أتم تعليمه وكتبت له الشهرة والمكانة.

ووسط هذه الأسرة نشأ الزيات تحوطه رعاية الأب، وحنان الأم، وطفولة تنبئ عن مستقبل باسم، وحظ موفور.

وعاش في القرية حتى بلغ الثالثة عشرة من عمره، خالط أهلها، وارتسمت في ذاكرته صور شتى لكل ركن فيها، ولم ينس صلاته بأطفالها أو رجالها أو شيوخها، حتى أخريات أيامه، وعمرت صفحات الرسالة بالعديد من المقالات الضافية عن حال القرية، ووسائل إصلاحها، وأساليب العيش فيها.

قال عن الشيخ حسن معلمه الأول، والشيخ عطا معلمه الثاني، وعن العمدة صديقه الوفي حتى الممات وعن الشيخ عبد القادر مأذون القرية، كما ظلت علاقته قوية صادقة بأحد أعيانها الشيخ عبد الحميد فودة فقال عن كل هؤلاء، وعن أطفال القرية الذين حرموا نعیم الحياة، وذاقوا بأساءها مع المكافحين المحرومين .

وظل متعلقاً بالقرية إليها يغدو ويروح، وعنها يكتب ويدافع، ولما انتقل إلى القاهرة طالبا للعلم في الأزهر استقبل أهل القرية في داره، وعكف على قضاء حاجياتهم، ومساعدتهم فيما ينزل بهم من مكروه، أو يحزبهم من أمر. وفي عام 1902م تزوج من إحدى قريباته «السيدة زكية» بعد حب طاهر عفيف، ورزقت بطفلة سماها «سعاد» عاشت أحد عشر شهرا ثم ماتت، وفارق الزوجة على الرغم منه، وإن ظلت صورتها حية في ضميره ، وكانت تنادیه یا خالى تقدير واحتراما له على عادة أهل الريف في ذلك الزمان..

ثم اقترن بسيدة أخرى في عام 1929م هي السيدة «رتيبة حسن إسماعيل» من مدينة «بلقاس» ورزق منها بابنه «رجاء» الذي توفي عقب عودته من العراق فامتلأ قلبه حسرة عليه، وقال راثياً له في تقديم المجلد الأول من وحي الرسالة: إلى روحك اللطيفة العذبة يا ولدي «رجاء» أقدم هذا الكتاب:

فلولاك ما أنشئت الرسالة، ولولا الرسالة ما أنشأت هذه الفصول

«والدك الحزين إلى يوم يلقاك».

وفي عام 1934 ولد له «علاء» الذي رأى فيه صورة رجاء، وعده عوضا عنه ولم يرزق بولد آخر غيره.

وعاصر علاء مجلة الرسالة، ورجالاتها، وتربى في أحضان الأدب والفن وأظهر تفوقا في دراسته العلمية، فاتجه إلى الطب وبرز فيه، ونال أعلى درجاته العلمية «الدكتوراه» من قسم الأمراض الباطنية بكلية طب قصر العيني سنة 1966م وصار مدرسا بكلية الطب له بحوثه ودراساته العلمية التي يشهد له بها أساتذته وتلاميذه.

ولم يتدخل الأب في توجيه الابن هذه الوجهة العلمية البحتة، وإنما تركه ينمى ميوله ويستجيب لرغائبه، يُذكي فيه الحماسة الأدبية، ويرقب عن كثب میله العلمي، وكثيرا ما كان يختلف الابن إلى المجلة ينهل من مقالاتها، أو يغذی أسلوبه بألوان المعرفة التي حفلت بها، وأحيانا يشهد ندوات الرسالة عصر كل يوم اثنين، لذلك رق أسلوبه، ونما ذوقه، وتأثر بالأدب، وإن لم يخض غماره.

ومر الزيات في نشأته بمراحل ثلاث، كان لها أثرها البعيد في حياته، وشكلت أسلوبه الأدبي وكونت شخصيته، وجعلت منه صاحب الرسالة:

المرحلة الأولى: نشأته بالقرية حتى سن الثالثة عشرة.

المرحلة الثانية: طلبه العلم في الأزهر من عام 1897م حتى عام 1907م.

المرحلة الثالثة: التحاقه بالجامعة الأهلية، وبعدها بمدرسة الحقوق الفرنسية من سنة 1908 حتى 1912م ومن سنة 1922م حتی 1925م.

وكان أول سكن له بمصر في منزل إبراهيم السرجاني بشارع حسن الأكبر قريب من منزل الشيخ مصطفى عبد الرازق بي عابدين ، ومنه انتقل إلى حي السيدة زينب في شارع بني الأزرق .

وطوال هذه الفترة وبعدها لم تنقطع صلته بأصدقائه في الأزهر أوفي الريف خاصة الدكتور طه حسين والشيخ محمود زناتي، فكان يدعوهم إلى منزله، وأحيانا ينامان عنده إذا تأخر بهما الليل.

وسافر إلى العراق عام 1929م لمدة عامين، صحب فيها زوجته الثانية ثم عاد إلى القرية بعد العامين ليترك زوجته عند أهلها وتضع له ابنه «رجاء».

ورجع إلى العراق وحده في عام 1931م ومكث هناك عشرة أشهر، بشر فيها بمولد ابنه «رجاء» وألف كتابه «العراق كما رأيته»، ولكن القدر لم يسعده في الاثنين، فمات الابن في سنواته الأولى، وضاع الكتاب في لهب النار وحزن عليهما حزنا شديدا.

وبعد العودة من العراق للمرة الثانية استأجر مسكنا بحى شبرا، ثم انتقل منه إلى عابدين في عمارة قريبة من شارع حسن الأكبر، وفيها توفي ابنه «رجاء» فتشاءم منها، وأجر مسكنا في منزل (الجسطيني) أحد رجال الخاصة الملكية وبدأ يؤسس للرسالة داراً تتكون من ثلا أدوار: الدور الأرضى للمطبعة والثاني لإدارة المجلة والندوة والضيافة، والثالث لسكناه مع أسرته التي انضم إليها الفرد الثالث «علاء».

وفي عام 1952م ابتاع أرضاً بالمنيل، وبنى عليها دارته «فيلا» في شارع قايتبای رقم 14 وانتقل إليها حتى عام وفاته 1968م، وكان يفكر في بيعها قبل وفاته لينتقل إلى حي هادئ تغمره الخضرة والطبيعة الحانية – بعد أن تغير حال المنيل وساكنوه – ولكن القدر لم يسعفه.

وبعد وفاته باعها الدكتور «علاء» وانتقل إلى حي المعادي في دارة«فيلا» واسعة جميلة تنعم بالراحة والهدوء والحال التي كان ينشدها الأب.

أما عن حال الأسرة الاقتصادي فيدل عليه ما وصل إليه العيش من رغد ويسر، فقد بدأ الزيات يشق طريقه في الحياة، والأسرة لا تملك أكثر من أربعة أفدنة في زمام «كفر دميرة» وبمجهوده العلمي والأدبي، وصل حد الملكية إلى 85 فدانا، منها عشرون فدانا في زمام يبعد عن الكفر حوالي ثلاثة كيلومترات ناحية بلدة «كفور العرب» وبقية الأرض «65 فدانا في زمام کفر دميرة»، وبين هذه الأفدنة ابتی «فيلا» مسكنا خاصا من ثلاثة أدوار ، بني أولها في سنة 1948م.

الدورين الثاني والثالث في عام 1950م، وأحاطها بحديقة فيحاء وأدخل إليها الكهرباء والماء النقي.

وأحب الأوقات لديه تلك التي كان يقضيها في الريف، وفي هذا المسكن المعد على أحسن الطرز، والذي لم يدخر وسعة في تأثيثه أو تجمیله.

وكان بيته في «منيل الروضة» بالقاهرة، وبيته الثاني «في كفر دميرة» أشبه بفندق يعمر دائما بأبناء الريف: أصحاب الحاجات، وزوار القاهرة أو القاصدين للأستاذ في العسر واليسر يلتمسون عنده المطالب، أو يعرضون عليه الأمر الذي أهمهم.

وكل من يقصده يجد في داره المطعم والمشرب والراحة وقضاء المصلحة بل آثر بعض أهل الريف بتربيته – خاصة في طلب العلم – فتبي بنت أخت زوجته وأشرف على تعليمها، وكان كالأب لابن أخي العمدة حتى أتم دراسته وأحاط برعايته ابن ابن أخته، وأشرف على تعليم أولاد أخيه الأخير.. وكان لكل هؤلاء ولغيرهم الأب والأستاذ والرائد.

وكان بالنسبة لأسرته كلها كالأب، إليه يرجع الأمر، وكالمركز تدور حوله كل أحوالها وقراره نافذ، وحكمه مستجاب، يحكمونه في أفراحهم وأتراحهم ويلتمسون رأيه في كل صغيرة أو كبيرة، ولا يقضون من دونه في أمر، وهیبته مقررة في نفوس الجميع لا يخرجون على طاعته، ولا يعصون له أمرا.

وأهل القرية – القريب والبعيد – ينظرون إليه على أنه العون والمرجع، ويسعون إليه – كما عودهم – لحل مشكلاتهم، أو لقضاء مصالحهم، وكان لا يخيب ظنهم، يصدقهم النصح، ويبذل من الجهد غير ملق أو رياء.

وآلت ملكية الأرض بعد وفاته إلى زوجته وإلى ابنه منها الدكتور علاء… وفي حياة الزيات الأسرية روابط إنسانية أطلقها بروحه بين أبناء القرية فكانوا له أهلا، وبين أبناء الأسرة فكان لهم أبا، وفي طرق معیشته، وأسلوب حياته نرى أن الأيام أعطته ما تمني، أنعمت عليه بالأسرة الحانية، وبالابن المرجو، وبالمال الوفير، والعيش الرضى، وأضفت عليه من صفات الخير ما أحله المكان المرموق بین کتاب العربية وروادها.

فعاش بين جيله برسالة، وعاش بعد وفاته بذكرى، وقدم للأدب والنقد نماذج استحقت الدراسة.

نشأته :

البيئة التي نما وترعرع فيها الزيات، وترددت أصداؤها في أدبه، إنما هي «القرية» بطابعها المصري الأصيل، وإلى جوارها «الأزهر» بتاريخه العريق، وسماته البارزة، ومعالمه الواضحة.

ومن هذين الرافدين استقى الزيات ثقافته الأولى، ونظرته الفاحصة لكل ما أحاط به من ألوان ومباهج، ففي القرية عرف الشيخ حسن مُعلمه الأول، وعرف أصدقاءه وأترابه وطرق الغرام شغاف قلبه الرقيق، وارتسمت صورة القرية في ذهنه بحاراتها وأكواخها وطرقاتها وأهلها وعلاقاتهم، وأهله وذكرياتهم. ولما كبرت به السن لم ينس القرية بل أفرد لها في أدبه مكانة خصبة.

وفي الأزهر عرف زميل صباه الدكتور طه حسين، ورفيق الشباب الشيخ محمود زناتي.. وعرف ما في الأزهر من محاسن ومآثر، وما فيه من مثالب ومآخذ، وتتلمذ على يد أساتذة فضلاء حفظ لهم الجميل، وأخلص لهم الود، فأعلى ذكرهم، وكانت له معهم مواقف مشهودة، وكثيرا ما كتب عن الأزهر مطالباً بالإصلاح، أو داعية إلى أن يحتل مكانته اللائقة به في وقت كانت الدراسة به متعثرة متخلفة.

وله إلى جانب هذين الرافدين منابع أخرى، ولكنها تعد من المسارب الجانبية التي كان لها أثر ضئيل في توجيه أدبه، اللهم إلا إذا استثنينا دراسته للغة الفرنسية والتي يعتبرها لغته الثانية بعد العربية، وتلك السنوات التي قضاها معلما بين مدارس الفرير ومدرسة المعلمين العليا ببغداد والجامعة الأمريكية بالقاهرة.

في القرية حفظ القرآن الكريم على يد معلمه الأول الشيخ حسن، وعن معلمه هذا كتب مقالاً بعنوان «سیدنا الشيخ حسن» يصف فيه الشيخ وصفا دقيقا يجمع فيه بين الهيئة التي يرى عليها وبين الخُلق الذي طبع عليه. كما يصور مكانته لديه فيقول:

«كانت لي الحظوة عند سيدنا من دون أولاد الكتاب، لأني كنت أسمع له البردة، وأكتب له الحجاب العالى ، وأرسم الخاتم الدقيق على ركب الأولاد عصر الخميس حتى يستحموا في النهر يوم الجمعة..»

وبرغم ذلك فإن العلاقة بينه وبين معلمه كانت تقوم على الخوف والرهبة، لأنه إذا غضب من تلميذه ينهال عليه ضرباً وتأنيبا، ولذلك لم يحب الزيات الكتاب، وكان أسعد أيامه يوم يموت واحد من أهل القرية فينشغل الشيخ في تشييع جنازته ويستريح هو والتلاميذ من بطشه وحدته.

وكان الشيخ حسن ضعیف البصر فكان يعتمد على تلميذه في كتابة الأحجبة كما كان يقرأ له القصائد الدينية وأولاها بردة البوصيري.

ولما أتم حفظ القرآن وتجويده في كتاب الشيخ حسن، أرسله أبوه إلى بلدة «الربع» بمحافظة الدقهلية، ليجود القرآن الكريم ويتعلم القراءات السبع عند فقیه آخر «هو الشيخ عطا» وقد أتم ذلك في عام.

وفي أيامه الأولى بالقرية أصدر مجلة عنوانها «الانتقاد» وموضوعها «مدح العمدة وذم خصومه بالمقال والقصيدة والزجل» ومنها يقول:

«كنت أكتب نسخة واحدة بیدی، وأقرؤها للمشتركين بنفسي، ثم توقفت بانتقالي إلى القاهرة عند عددها الرابع»

ففي القرية أفاد من حفظ القرآن الكريم وتجويده، ومن تعلم القراءات والأدعية والأذكار، وقرأ كثيراً من القصص الشعبية التي كونت ملكته الأدبية .( ص 5 في ضوء الرسالة بعنوان «أول ما عرفت الأدب»).

ولعل أدق صورة رسمها للقرية التي تفتحت عليها مواهبه تبدو في قوله:

كومة من سباخ الأرض، قامت عليها أكواخ متلاصقة من اللبن، سقفوها بالخشب والقصب، وحملوها بالعلف والحطب، وجملوها بشرفات من الروث اليابس ثم جعلوا ظهرها مراحيض للحاجة.. »

حتى يقول: «ثم جمعوا بين قاعة الإنسان وزريبة الحيوان في فناء واحد، فالحديث يمتزج بالحوار، والمضغ يشتبه بالاجترار، والرجل والثور والمرأة والبقرة، والطفل والعجل، يعيشون سواسية في شيوعية عجز عن تحقيق حلمها (الروس) لا يؤديك إلى هذه الدويرات العمى مسلك واسع، ولا طريق مشروع، وإنما هي طوائف طوائف، تفتحت كل طائفة منها على زقاق ضيق غير نافذ، ولن نستطيع الدخول في هذا الزقاق إلا من الطريق الدائر حول القرية. بل يشق البلدة منفذ صاعد هابط منحدر متعرج وعر، ولكنه يين الفجوات والحفر، يكون أشبه بصراط الحق بين مزالق الفتنة».(ص 215 ج1 وحي الرسالة).

تصویر دقيق يتناول الدور وما احتوت عليه من إنس وحيوان، والطرقات وما حفلت به من مناظر تقذي العين. وتؤذي صاحب الضمير الحي..

هذا التصوير للبيئة كثيرا ما نراه في كتابات الزيات، فهو يصف القرية في صباحها ومسائها في يومها وفي أمسها وغدها.. في الأناسي وما انطووا عليه، في البيوت وما اشتملت عليه.

يصفها في عيدها ومأتمها، في ربيعها وخريفها، في سعادتها وأتراحها، يدق في وصفه حتى ليبدو التعبير في صورة رسم حي نابض، ويحلل ويناقش العلل والأوجاع حتى ليصل بك إلى حد الإثارة والحسرة..

فهو ابن بار لقريته، متحمس لها، مخلص في وداده، يشاطر أهلها أسقامهم، ويوالى الكتابة عنها حتى آخر رمق في حياته.

ونظرة سريعة إلى العناوين التي ورد فيها ذكر القرية نستبين فيها مدى حبه لها… من ذلك «القرية بين أمس واليوم»، «عيد الأضحى»، «إلى القرية يا بك»، «جمعية نهضة القرى» «إلى بعض الكبراء»، « الخريف في الريف»، «ليالي الحصاد»، «ليت للأوقاف عيناً»، «بل ليت للأوقاف قلباً»، «يا إنسان.. أين الإحسان ؟»، «بين الفقير والغنى»، «كيف نعالج الفقر؟»، «فلاحون وأمراء»، «هل لأغنيائنا وطن ؟»، «منهاج لوزارة الشئون الاجتماعية»، « هذا هو المنهاج فكيف يكون المسير»؟، و«يوم الفقير»، «مشكلة الرغيف»، «صحة الفقير تعویض من ثروة الغني»، و «كيف عالج الإسلام الفقر ؟» . وهناك كثير غيرها.

انطبعت البيئة في ذهنه، واستجاب لها، وعمل على إصلاح ما فيها من أخطاء، وتجنب ما يساورها من آلام.

مِن كتاب «أحمد حسن الزيَّات ومجلة الرسالة» بتصرف.

📌أحمد حسن الزيات (2 إبريل 1885 – 12 مايو 1968) من كبار رجال النهضة الثقافية في مصر والعالم العربي، ومؤسس مجلة الرسالة. اختير عضوا في المجامع اللغوية في القاهرة، ودمشق، وبغداد، وفاز بجائزة الدولة التقديرية في الآداب عام 1962 م في مصر.

شاهد أيضاً

بعد أن ظن الكثيرون أنها تراث.. كاتب الأغنية الحورانية الشهيرة من مفرق جاسم للصنمين، يكشف سرّ كتابتها بعد أربعين سنة…

د. نور الدين اللباد شاعر ودبلوماسي سوري سابق أولا ً : أنا نورالدين …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.