أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات / المساجد بين العلمانية الغربية والعلمانية العربية

المساجد بين العلمانية الغربية والعلمانية العربية

بشير بن حسن

مفكر إسلامي.
عرض مقالات الكاتب

في الوقت الذي لا يزال الكثير من المسلمين ينتظرون بشوق فتح المساجد التي علّقت فيها الجماعات والجمعات ، بسبب جائحة كورونا ، وحيث تتطلع قلوبهم و تهفوا أرواحهم إلى العودة إلى بيوت الله تعالى ، لممارسة تلك الشعائر العظيمة، وهذا من حيث هو شيء إيجابي ، يحمدون عليه ، فإن عُمّار بيوت الله تعالى مشهود لهم بالإيمان في محكم القرآن ،

قال سبحانه ( إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ ۖ فَعَسَىٰ أُولَٰئِكَ أَن يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ ) .

كما أنهم موعودون بالأجر العظيم على عمارتها ، وذكر الله فيها ،

قال عز وجل ( رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ ۙ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (37) لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ ۗ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (38) ) .

ولكن أردت أن أنبه ههنا على مسألة مهمة ، تتعلق بالمساجد ، فإنها وإن كانت دورا للعبادة من صلاة و ذكر و تعليم و دعوة لكنها مع الأسف قد تتحول إلى مؤسسات تعمل على تضليل الناس و تغيير الحقائق ، و تبييض الفساد والظلم ، أو ربما مؤسسات للدسّ والتجسس ومراقبة تحركات المصلين و سكناتهم ، وقد أستعمل المسجد لهذا الغرض على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وذلك أن المنافقين ابتنوا مسجدا في أطراف المدينة النبوية ، و كانوا يجتمعون فيه لعقد اجتماعاتهم ومؤامراتهم ضد النبي عليه الصلاة والسلام ، وأصحابه ، و الكيد للإسلام ، وجاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون ( يا رسول الله ابتنينا مسجدا لضعاف الناس وللشيوخ فلو صلّيت لنا فيه ؟
فقال صلى الله عليه وسلم ( إنّا على سفر ، إذا رجعنا فعلنا إن شاء الله )
وكان يتهيأ للخروج إلى تبوك في العام التاسع من الهجرة ، ولما رجع همّ بالوفاء بما وعدهم ، فأنزل الله تعالى عليه قرآنا يمنعه من ذلك قال جل شأنه :

(وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ ۚ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَىٰ ۖ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (107) لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا ۚ لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَىٰ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ ۚ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا ۚ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (108) أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ تَقْوَىٰ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (109) لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (110) ) .
وهكذا نُهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة فيه ، لأنه مسجد ضرار ، و مؤسسة فتنة و تآمر على دين الله عز وجل، بل أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بحرقه !!

فكم يوجد اليوم في عالمنا العربي من مسجد ضرار ؟؟

وتعالوا بنا لنقارن سريعا بين المساجد في أوروبا و العالم العربي ، وبين أوضاعها في ظل العلمانية الغربية والعلمانية العربية ،

1 – فأغلب المساجد في الدول العربية تتولى الدولة بناءها وإنشاءها ، من المال العام طبعا ، أي مال المجموعة الوطنية ، سواء كانت أموال مكوس أو ضرائب أو غيرها !! بينما في الغرب الذي يبنيها هم أبناء الجالية الإسلامية بمختلف جنسياتهم من كدّ يمينهم وعرق جبينهم ، تحت قانون الجمعيات الثقافية والدينية ، وبعد طول عناء وصراعات إدارية وسياسية ، قد تستغرق أكثر من عشر سنوات ، وهذا وقفت عليه بنفسي ، في أكثر المساجد في أوروبا ، وقلّ أن نجد مسجدا تلقى تمويلا من دولة عربية.

2 – المساجد في الدول العربية تدار شؤونها من قبل الدولة ، فالدولة هي التي تنصّب الأئمة والخطباء والمؤذنين والمنظفين و غيرهم من الطقوم ، وتتولى الدولة أيضا دفع رواتبهم ” الزهيدة ” ، و لا يخفى على عاقل أن اختيار الدولة للأئمة يقوم على اعتبارات سياسية لا على اعتبارات علمية في الغالب ، فالذي يُشمّ عليه رائحة المعارضة للسلطة لا يمكن أن يولّى الإمامة ، بل لو خرج عن الخطّ التحريري الرسمي في خطبه ومواعظه يتمّ عزله فورا ، بل ربما يلاحق عدليا ويرمى به في السجون بتهمة التحريض وبث خطاب الكراهية وإثارة الفتنة !!
أماّ المساجد في الغرب ، فإن المصلين هم الذين يختارون من يصلي بهم ، ويؤمهم في الصّلوات الخمس أو في الجمعات ، ولهم الحرية المطلقة في ذلك ، دون أن تفرض الدولة عليهم من يؤمهم لأن ذلك ليس من حقها باعتبار أنها دول علمانية تفصل الدين عن مؤسساتها ولا تتدخل في الشؤون الدينية ، اللهم إلا أن توجد بعض المساجد التي حوّلتها الجمعيات المديرة لها إلى مؤسسة موالية لبعض الدول العربية والمغاربية ، في خيانة تامة للمصلين و انتهاك لحرمة بيوت الله ، ولا يقع ذلك إلا من أشخاص موالين لعروش السلاطين، يتقاضون على ذلك المنح والرواتب ، وينعمون بعدة أنواع من الامتيازات في مقابل ما يقدمونه من ولاء وطاعة لحاكمهم.
كما أن رواتب الأئمة والدعاة تتولى الجمعيات دفعها وذلك عن طريق ما يجمع من التبرعات ، في أيام الجمعات وغيرها ، مع العلم أن اختيار المصلين للإمام يقوم في الغالب على اعتبار حفظ القرآن الكريم ، و المستوى العلمي له ، اللهم إلا أن يوجد في بعضها اعتبارات أخرى كالجنسية ، حيث لا يختار في بعض المساجد إلا الإمام الذي تكون له نفس جنسية أعضاء الجمعية ، في قومية مقيتة يرفضها الإسلام جملة وتفصيلا .

3 – والمساجد في الدول العربية تُفرض على أئمتها مواضيع خطب الجمعة ، ومضمون المواد الدعوية والوعظية — على قلتها ووجازتها وضحالة مستواها — بينما في الدول الغربية للإمام الحرية المطلقة في اختيار موضوع الخطبة أو المحاضرة ، دون أن يفرض عليه أحد ذلك !! وليس من صلاحية الدولة ولا الجمعية المسيرة لشؤون المسجد أن تطالبه بموضوع الخطبة .

4 – والمساجد في الدول العربية تفتح أبوابها في أوقات محددة محدودة ، ولا يمكن أن تكون مفتوحة طيلة اليوم ، بل ذلك ممنوع في أكثر الدول ، بخلاف المساجد في أوروبا ، فإنها مفتوحة طيلة اليوم ، قبل الصلوات وبعدها ، ولا تغلق إلا في ساعة متأخرة من الليل ، حين يفرغ الناس من صلاة العشاء والنوافل !! ، ولذا لو فاتتك صلاة الجماعة في الدول العربية ووصلت متأخرا تجد المسجد قد أغلق في وجهك ، بخلاف المساجد في الغرب تجدها مفتوحة وربما تسنى لك أن تصلي جماعة ثانية بعد جماعة الإمام .

5 – بالمساجد في الدول العربية ، لا يعدو دورها على إقامة الجماعات والجمعات ، وبعض الأنشطة القرآنية ، ككتاتيب التحفيظ ، بينما المساجد في الغرب ، لها أنشطتها أكثر من ذلك بكثير ، فمع الصلوات ، نجدها تحتوي على معاهد و مدارس للعلوم الشرعية ، علاوة على تحفيظ القرآن الكريم بالروايات العشر ، كما تحتوي أيضا على كثير من الأعمال الخيرية كجمع الصدقات والتبرعات ، وايصالها الى المحتاجين سواء كانوا داخل تلك الدولة أو في الوطن العربي !!
وبعض المساجد تجد فيها مكاتب للشؤون الاجتماعية التي تتولى إصلاح ذات البين بين الناس ، أو تعمل على إيجاد حلول للمشاكل الزوجية ، أو تساعد الأولياء على تأطير الأبناء واحتواءهم ، كما أن كثيرا من المساجد في الغرب تنظم الدروس الدعمية لأبناء الجالية الاسلامية لتحسين مستواهم الدراسي ، فهل يوجد مثل ذلك في بلاد العرب ؟؟

الا من رحم الله عز وجل !!

ومن هنا ندرك الفروق بين وضع المساجد في ظل العلمانية الغربية والعلمانية العربية ، و يتبين لنا مدى ما ينعم به المسلمون في الغرب من حرية وبين ما يعانيه إخوانهم في أوطانهم الأم .

والعجيب أن بعض الشيوخ الذين يأتون في زيارات لأوروبا يستفتيهم الشباب في حكم الإقامة في بلاد الكفر فيفتونهم بتحريم ذلك وضرورة العودة إلى بلاد الإسلام !!

فعن أي إسلام يتحدث هؤلاء ؟؟؟
وهل العبرة بالمسميات والألقاب ؟؟ أم بالمعاني والحقائق ؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

صديق عن صديق يختلف

حسام الدين الفرا شاعر وكاتب سوري رُشّح صديقي لاتباع دورة، وورشة عمل في …