أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات / كانط: التربية من أجل التنوير

كانط: التربية من أجل التنوير

د. صابر جيدوري

أكاديمي وباحث سوري.
عرض مقالات الكاتب

     ما يستحق التنويه إليه بداية أن الحركة التنويرية التي انطلقت في الغرب هي التي شكلت أساساً وإطاراً للثورة الفرنسية، ومن ثم للثورة الأمريكية، وحركات التحرر في أمريكا اللاتينية. وكان الهدف الرئيس الذي سعى عصر التنوير إلى تحقيقه هو تكوين “فلسفة جماهيرية ” تكون بديلاً لفلسفة الطبقة الارستقراطية المحافظة، وتهيئة الأذهان لتغيير الأنظمة الاجتماعية والسياسية والثقافية، التي باتت لا تتلاءم مع روح العصر، وكان محورها الأساسي هو فكرة التقدم الإنساني الذي ينبثق عن قدرة العقل البشري على السيطرة على الطبيعة، وتسخيرها لصالح الإنسان والمجتمع البشري. وكان من نتائج عصر التنوير احترام العقل انطلاقاً من أن العقل البشري هو المصدر الوحيد للمعرفة الصحيحة.

     ولهذا يرى كانط أن الإنسان مجموعة من الإمكانات التي تستلزم أن يكون حرًا وعاقلًا؛ حر لأنه يتجاوز حاله إلى ما يستحيل إليه، وعاقل لأنه يعي طبيعته كحرية. وهذه الأخيرة هي التي تلزمنا بالتأمل في خصائص التربية، وغايتها الأسمى اقتداء بفلاسفة الأنوار.

     لقد بحث “كانط” في بنية العقل الغربي، فتمكن من تشريح مكوناته وتبيان وظائفه، وانتقد اشتغاله من حيث نقائصه. وقد قلده في هذا بعض النقاد العرب في تحليلهم ونقدهم للعقل العربي والإسلامي؛ بيد أنهم أغفلوا البحث في أساس التفريق بين العقل بوصفه ملكة كونية، والعقل بوصفه خاصية ثقافية (الذهنية أو العقلية). وربما يكون هذا السبب ليس سوى التربية بمعناها العام، أي في جميع أبعادها ومكوناتها ولحظاتها، يقول كانط:

     “تتوقف الأنوار على التربية، كما أن التربية تتوقف بدورها على الأنوار” (دنكير، 2015). وطالما أن الأنوار هي رفع الوصاية عن العقل، فإن التنوير سيكون، من الناحية التربوية، هو إعطاء الفرصة للمتعلم أن يُعبّر عن قدراته الفكرية والعقلية بحرية أكثر. لذا، يمكن أن نربط بين التأمل في التربية والتنوير، فيتحول بذلك إلى مشروع مجتمعي وتاريخي. وذلك لأن فلسفة الأنوار تقوم على فكرة أساسية مفادها أن “على الإنسان أن يثق في قدراته العقلية من أجل قيادته (بوسلهام، 2010).

     ومن ثَمَّ يرفع الإنسان كل وصاية عن ذاته؛ سواء أكانت وصاية سياسية أم اجتماعية أم فكرية. بمعنى آخر، على العقل أن يعتمد “أنواره” للتخلص من الأحكام المسبقة، والخرافات، والأوهام التي هي مصدر لكل فكر ظلامي، ولكل أيديولوجية استغلالية. وتبعًا لذلك، فإن التربية تُمارس أثرًا أساسيًا ما دامت من المفترض ألا تعيد إنتاج هذه الخرافات والأوهام الاجتماعية، وانطلاقًا من تلازم مفاهيم التنوير، أي تحرير العقل والفرد، والتربية، أي تطبيع الفرد، لا بد من النظر في علاقة التربية بالحرية والأنوار من خلال رأي كانط في التربية.

     في هذا السياق يبدو أن كل إنسان ملزم بأن يربي نفسه بصورة مستمرة، وأن يساعد غيره على تربية طبعه، ولذلك بأن يبقي على الحرية الطبيعية للأطفال، وأن ينمي لديهم طاقة اللعب، ويدربهم على احترام غيرهم، والتعاون معهم، وينتقل في مرحلة الرشد إلى مستوى رعاية الآخرين، والاعتناء بإعالة ذاته والآخرين. كما يركز كانط على الثقافة المدرسية، أو التعليم والتكوين المدرسي، لأنه يرى فيهما أفضل الطرق لاكتساب المهارة والحيطة، وبلوغ الرشد والنضج، وذلك بمعرفة اختيار الوسائل، وتحديد الأهداف، والوعي بالمقاصد.

     ومن ثَمَّ فإن أول ما يحتاجه التلاميذ هو أن يصبحوا واعين لنوع العالم الذي يعيشون فيه، وأن يروا التعارض بين القوى التي تتنازع على السيطرة، وأن يُقرروا بعقولهم أي هذه القوى كانت من الماضي، وأي منها يتطلع إلى المستقبل ويبشر بحياة أكثر تنويراً للطبيعة الإنسانية. وهذا يعني أنه لا بد أن نتطلع إلى مجتمع مدرسي يكون التلاميذ فيه أحرارًا غير مكبلين. مجتمع مدرسي يسوده نوع من التنظيم ينتج شخصيات حرة ذكية، مع ملحوظة أن هذا لن يحدث إلا عندما يصبح التعليم فنًا عاليًا.

     بصفة عامة، لا بد أن تبتعد المدرسة عن أيّ شكل من أشكال الإملاء الشخصي، لأنه إذا كانت القيمة التربوية مؤكدة في الحصول على خبرات، فإن مركز الجاذبية ينتقل من العامل الشخصي ويتواجد في الخبرة النامية، التي يشارك فيها كل من التلاميذ والمعلمين على حد سواء، على أن يبقى المعلم هو القائد في النشاط المشترك لما لديه من نضج، وأن يبقى مقياس قيمة التربية المدرسية هو درجة ما تخلقه من الرغبة في استمرار التنوير، وما تعدّه من الوسائل لجعل التلاميذ أكثر وعياً بحريتهم.

مراجع المقال

– بوسلهام، سمير (2010) كانط بين التربية والتنوير، متاح على الموقع الالكتروني الآتي:  http://anfasse.org

– دنكير، السعدية (2015) مفهوم التنوير على ضوء مقالة إيمانويل كانط: ما التنوير؟ متاح على الموقع الالكتروني الآتي: http://www.ahewar.org

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

الدكتور العالم عبد الستار أبو غدة في ذمة الله

فريق التحرير العلماء هم الكواكب السيارة التي تنير للبشرية الطريق، وتقيها من آفات الجهل، وظلمات …