أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات / رغم عدائه لهم ودوره في تدمير بلادهم.. ما لا يعرفه كثير من السوريين عن “بوتين”

رغم عدائه لهم ودوره في تدمير بلادهم.. ما لا يعرفه كثير من السوريين عن “بوتين”

ياسر العيسى

صحفي سوري
عرض مقالات الكاتب

يكاد لا يمر أي حديث عن الشأن السوري، دون أن يذكر فيه اسم الرئيس الروسي “فلاديمير بوتين”، الذي يعلم القاصي والداني، بأنه لولا تدخله في عام أيلول/ سبتمبر 2015، لكن الأسد ونظامه في خبر كان منذ ذلك التاريخ، وهو ما يقره النظام ومن والاه حتى وقت قريب، قبل أن يتراجعوا مؤخراً، عبر محاولات طمس هذه الحقيقة، بعد استشعارهم الخطر بوجود موقف روسي جديد تجاه الأسد.

ورغم عداء كثير من السوريين لـ”بوتين”، المتحكم بسلطة بلاده منذ عقدين من الزمن، ويعد الآمر الناهي فيها، إلا أن أغلبهم، تخفى عنه الكثير من الحقائق حول الرجل الذي عمل لدى جهاز الاستخبارات الروسي (KGB) كجاسوس في ألمانيا، قبل دخول مجال السياسة. 

 من أراد أن يفهم “فلاديمير بوتين” اليوم، عليه أن يعرف بعض المفاصل المهمة في حياة الرجل وتاريخه، ومن خلالها يمكن التنبؤ بسياسته ونهجه، واعتقد أنها المفتاح لفهم بوتين، وعقليته.

لعل من أبرز ما يثير الاهتمام من معلومات تخص حياة بوتين وعائلته، وربطها بسياسته في سورية، أن ما فعله في سورية من حصار وقصف وتدمير وتجويع لإنقاذ الأسد، كان تكراراً لما حصل مع عائلته من حصار وجوع وقصف من قبل النازيين قبل عقود مضت، حيث مات شقيقه الأكبر جراء المرض والجوع الشديدين، وهو يعاني ويلات حصار قوات ألمانيا النازية لمدينة لينيغراد (سانت بطرسبورغ حاليا) ما بين أيلول 1941 و27 يناير/كانون الثاني 1944 بعد أن فشلت في دخولها واحتلالها خلال الحرب العالمية الثانية.

ويروي بوتين بذاته ما عانته عائلته من الجوع والحصار عام 2015، في الذكرى الـ70 للنصر على النازية، وكتب في مجلة “الرائد” الروسية مستذكراً، كيف أن الأخ الأكبر له ولد خلال الحرب العالمية الثانية وكان عمره 3 سنوات، وكانت المدينة تعاني الحصار والجوع: “والدي كان يعطي حصته من الطعام في المستشفى للطفل الصغير، وكانت تخبئه والدتي، وتخرجه سراً من المستشفى، من أجل إطعامه، وبدأ أبي يعاني من الإغماء في المستشفى بسبب الجوع، وأدرك الأطباء والممرضات السبب ومنعوهم من الدخول”.

وتابع: “أخذوا منها طفلها، وقد فعلوا ذلك، كما أكدوا لاحقاً، من أجل إنقاذ الأطفال من الجوع. و جمعوهم في دور الأيتام لإجلائهم من دون سؤال الأهل، وأصيب الطفل بمرض الخُناق وتوفي”.

ويضيف: “لم تبلغ السلطات عائلتي بمكان دفن شقيقي الأكبر، وتمكنت العام الماضي فقط، من العثور على قبره”.

وفي ذات المقال، روى “بوتين” قصة عن أمه، عندما تم حملها مع مجموعة من الجثث لدفنها في مقبرة جماعية، بعد إصابتها بالمرض، وقيام الأطباء بتثبيت وفاتها ووضعها بين الجثث تمهيداً لدفنها، قبل أن يكتشف زوجها بأنها ما زالت حية، عندما لاحظ بأنها تتنفس.

“الأطباء أصروا على أنها ستموت قريباً، ومنعوه من استرجاعها، فهجم عليهم، وأخذ زوجته، وعالجها”، ليبقى والداه “فلاديمير بوتين” على قيد الحياة حتى نهاية التسعينيات من القرن الماضي. 

بعد بضع سنوات على هذا الحادثة، وفي 7 تشرين الأول/ أكتوبر وفي مدينة لينينغراد، حملت الزوجة التي كادت تدفن حيّة، ووضعت طفلاً إسمه (فلاديمير بوتين)، ليفعل فيما بعد وفي بلد آخر (سورية) ما فعلته النازية بمدينته وأسرته من حصار مدن ومناطق (حلب، الغوطة،…) وتجويع مدنييها، ممن اضطروا في أحيان عدة إلى دفع قتلاهم بمقابر جماعية.

طفولة غير سعيدة

لم تكن طفولة “بوتين” سعيدة أبداً، بل وعانى منها الفقر والعوز كحال أغلب أطفال من ولدوا بعد سنوات الحرب العالمية الثانية، حيث عاش مع والدته ضمن شقة متهالكة تقطنها 3 عائلات (إحداها يهودية) وبلا ماء ساخن وبلا حوض للاستحمام، وكان الممر الذي لا نوافذ فيه يستخدم كمطبخ تشترك فيه العائلات الثلاث، والمرحاض في خزانة ملصقة بالحائط مقابل الدرج.

العيش ضمن الشقة المشتركة التي لم تملك عائلة “بوتين” منها سوى 20 متراً فقط، استمر لنحو 20 عاماً، وخلال هذه السنوات عملت أمه في مختلف الأعمال، مثل تنظيف المباني وإيصال الخبز (كتاب القيصر الجديد بزوغ عهد بوتين – ستيفن لي مايرز). 

ومن جانب آخر، وبحسب ما جاء في كتاب: “بوتين صراع الثروة والسلطة” للدكتور سامي عمار، فإن بوتين ولتاكيد هويته المسيحية، حرصت أمه على تعميده مع جيرانها سراً عن الوالد، الذي لم يكن يسمح بذلك بسبب عضويته في الحزب الشيوعي، ولذلك حرصت حين سافر الى اسرائيل في عام 1993 ضمن قوائم أحد الوفود الرسمية أن تعطيه “صليب المعمودية” حتى يستطيع “رشمه” أو “مباركته” عن مكان ميلاد المسيح.

في طفولته، اختار “بوتين” الملاكمة في البداية، لكن سرعان ما أصيب في أنفه ليعيش الكثير من الآلام المبرحة وليكف عن ممارستها ويتحول إلى مصارعة السامبا ومنها إلى رياضة الجودو. 

تخرج “بوتين” من كلية الحقوق من جامعة لينيغراد في عام 1975، وحالته الاجتماعية مطلق منذ عام 2013 بعد 30 عاماً من زواجه من “ليودميلا شكريبنيفا”، وله من الأبناء “ماريا” و”يكاتيرنا”.

“المخلص”.. “المنقذ”

تسلم “بوتين” مقاليد الحكم من سلفه “بوريس يلتسن”، وهو في عمر الثامنة والأربعين، عقب قرار “يلتسن” المفاجئ بالتخلي عن السلطة مبكراً في ديسمبر/ كانون الأول عام 1999، وقبل عامٍ كاملٍ من الموعد المزمع لتركه منصبه.

لم يشأ “بوتين” أن يلعب بداية دور الحاكم المطلق بشكل واضح وصريح، أو أن يحسب على فصيل سياسي، زاعماً أنه يملك برنامجاً حداثياً، ومتظاهراً بممارسة دور “المخلص” و”المنقذ”، وقضى سنواته الأولى محاولاً إخضاع السلطات التنفيذية ومضاعفة سيطرة الدولة على الاقتصاد وتفعيل دور القوات الأمنية السرية، قابلته معارضة خفيفة من الروس الذين باتوا مستعدين لتقديم بعض التنازلات نظير ملء ثلاجاتهم والابتعاد عن حياة الفقر، بحسب رأي “أولييفه كارول” المراسل السابق لصحيفة “الإندبندنت” البريطانية في موسكو.

مؤخراً، ورغم التراجع الكبير في شعبيته بسبب الركود الاقتصادي خاصة، إلا أن الكثير من الروس ما زالوا يعتبرونه “المنقذ” لبلادهم الذي أخرجها من الفوضى، وفرض وجودها وهيبتها على الساحة الدولية، خاصة بعد ضم شبه جزيرة القرم في عام 2014، وإن كان على حساب الحريات العامة والسياسية.

ولعل ما يجعلنا نفهم سبب التمسك الداخلي به، هو ثقافة الاتحاد السوفيتي والزعماء الكبار التي لم تغب بعد عن أذهان الروس، ويرون أن جزءاً منها يتمثل في “بوتين”، الذي عاصر فترة العلو والقوة السوفياتية في طفولته وشبابه، ما خلق في نفسه حنيناً دائماً لتلك الأيام، وبقي متأثراُ بها عبر محاولته جعل روسية دولة غير عادية، ولعل تدخلاته في الشرق الأوسط وأماكن أخرى في العالم، تصب في هذا الاتجاه.

المنتجات البوتينية

وقد لا يعلم الكثيرون منا، وفي دلالة على التقديس الكبير الذي يحظى به “بوتين” من قبل بعض مؤيديه، فإنه في روسيا اليوم، بات هناك ما يعرف بـ”المنتجات البوتينية”، التي تحمله صوره أو اسمه، وتباع في مختلف أنحاء روسية مثل الفودكا البوتينية والقمصان البوتينية والمعلبات البوتينية، بل وباتت صورة “بوتين” عنصراً أساسيا من الفولكور الروسي الذي يتم اقتراحه على السياح، وتطبع كذلك صورته على أي سلعة يمكن بيعها في شكل قائد حربي، أو من يداعب حيوانات برية أو راكباً على دب ( ا ف ب).

وفي إطار الحديث عن المنتجات البوتينية، هناك الأقراص المدمجة التي تحمل عنوان: “لنتعلم الجودو مع فلاديمير بوتين”، والتي تتواجد في الأسواق الروسية، وبدا “بوتين” على أغلفتها مرتدياً لباس الجودو والحزام الأسود، وهذا القرص صدر في مناسبة عيد ميلاد بوتين الـ56، وتحدث فيه الرئيس الروسي عن تاريخ الجودو وفلسفة هذه الرياضة.

روح بوتين

“صرعات” التعلق بـ”بوتين” وتقديسه عند بعض الروس، وصلت إلى حد ظهور طائفة من الراهبات في  منطقة نيجني-نوفوغورد ( 450 كيلومترا تقريبا شرق موسكو) تطلق على نفسها “روح بوتين”، حيث تعتبره تجسيداً لبوليس أحد تلاميذ المسيح على ما ذكرته صحيفة “سوبيسيدنيك” الروسية.

 هذه الطائفة التى تأسست عام 2007 على يد “الأم فوتينا”، تقول فيها مؤسستها، إن “فلاديمير بوتين الذي كان في حياة سابقة بولس الرسول يكافح اليوم مع عائلة الرسل المتجسدين مجدداً ضد عائلة المسيح الدجال”. كما أنها تؤمن بأن “بوتين” أُرسل الى روسيا “لإعداد شعبها وتهيئته لنزول السيد المسيح مرة أخرى”.

وزعمت الأم “فوتينا”: “بحسب الكتاب المقدس كان بولس الرسول في البداية قائداً عسكرياً يضطهد المسيحيين قبل أن يبشر بالإنجيل”. 

لقب القيصر لا يستهويه

لعل من الملفت للنظر، أن لقب “القيصر” الذي دأب أصدقاء ومعجبي “بوتين”، و”منحبكجيته” من السوريين على إطلاقه عليه، لا تستهوي الرئيس الروسي، حيث رفض أن يطلق عليه هذا اللقب، وذلك في أعقاب إقرار المحكمة الدستورية في آذار/ مارس 2020 تعديلات اقترحها على دستور البلاد، تمنحة البقاء في السلطة حتى عام 2036

وفي مقابلة مع “بوتين” أجرتها وكالة الأنباء الروسية الرسمية (تاس)، نشرت في 19 آذار/ مارس الماضي، بمناسبة مرور 20 عاماً على وصوله للسلطة، قال الرئيس الروسي، أن إطلاق لقب القيصر عليه لا يمت للواقع بصلة، وأضاف: “أعمل كل يوم ولا أُهيمن، في حين أن القيصر هو من يجلس وينظر للآخرين من أعلى، ويصدر أوامره لتُنفذ، ويكتفي بتجريب قبعته وهو ينظر في المرآة”. 

وقبل هذا التاريخ، وفي مقابلة مع المخرج الأمريكي “أوليفر ستون” في حزيران/ يونيو 2017، علق “بوتين” كذلك على تسميته بالقيصر: “لا يجوز السعي نحو السلطة المطلقة والتحول إلى قيصر، من المهم التصرف بشكل سليم بالسلطة الموجودة فعلاً”.

وهنا تساءل “ستون” قائلاً: “لديكم سلطة كاملة، ويقولون إنكم تريدون التحول إلى قيصر”.

فأجابه “بوتين”: “المسألة تكمن في كيفية التصرف بالسلطة الموجودة لديك فعلاً. يجب التصرف بها بشكل صحيح”. 

من أين لك هذا؟

بسبب عدم وجود أي مصدر مؤكد لمقدار ثروة “بوتين”، اختلفت التقديرات حول حجم ثروته، وهناك من قدرها بـ200 مليار دولار، علما أنه رسمياً وبحسب تقرير لجنة الانتخابات الروسية في شباط/ فبراير 2018، فإن ثروة الرئيس الروسي الذي يبلغ مرتبه 112 ألف دولار شهرياً، تقدر بحوالى 613 ألف دولار، ولديه حسابات في 13 مصرفاً تقدر قيمة الأموال الموضوعة في هذه الحسابات بحوالى 214 ألف دولار.

الأرقام السابقة لاقت تشكيك الخبراء ومن بينهم “بيل براود” الرئيس التنفيذي لصندوق “هيرمتاج كابيتال منجمنت” بروسيا، الذي قال إن ثروة “بوتين” تقدر بحوالى 200 مليار دولار، ما يجعله أحد أغنى أغنياء العالم، وهو ما نفاه “بوتين” بنفسه في مقابلته مع المخرج الأمريكي “أوليفر ستون” الذي قال لـ”بوتين” إن الإشاعات تقول إنه أغنى رجل في العالم، ورد “بوتين” فوراً مقاطعا “ستون”: “ليس لدي ثروة مالية وكل ما يقال باطل”.

وبحسب ما نشره “براود” في معهد أتلانتك للدراسات، فإن مليارات ذهبت في أعقاب سجن الملياردير الروسي ميخائيل خودوركوفسكي في العام 2003، إلى جيب الرئيس “بوتين”، في الوقت الذي من المفترض أن تذهب لخزينة الدولة.

 أما مستشار الكرملين السابق “ستانسلاف بيلكوفسكي”، فقد قدر ثروة “بوتين” بحوالى 40 مليار دولار، وذلك في تعليقات له نشرتها مجلة “موني”. وحسب تقرير “موني”، فإن لدى “بوتين” حصص رئيسية في شركات كبرى في روسيا وخارجها، من بينها حصة 37 في المئة في شركة “سيرغوت نفت غاز”، وحصة 4.5 في المئة في شركة “غازبروم”، وحصة كبيرة في مجموعة “غينفور”. 

السم.. الاغتيال.. غاز الأعصاب

القتل كان أحد أدوات “بوتين” لترسيخ سلطته ونفوذه، وضد معارضيه البارزين، والذي لجأ إليه بأساليب عدة، من بينها الرمي من النوافذ، ودس السم، وغاز الأعصاب، وكان من ضحاياه رجال أعمال فروا من البلاد على خلفية خلافاتهم معه، فكانت محاولات اغتيالهم هو الرد شبه الوحيد من “بوتين”.

من ضحاياه رجل الأعمال الروسي المقيم في بريطانيا “بوريس بيريزوفسكي”، الذي عُثرعليه مشنوقاً في حمام منزله عام 2013، قبل أن يلحقه صديقه المُقرب رجل الأعمال الروسي “نيكولاي غلاشكوف”، والذي عُثر عليه مخنوقاً في منزله جنوب غربي لندن في آذار/ مارس 2018، وهي المدينة التي هرب إليها عام 1999 بعد خلافه مع “بوتين”.

أحد أبرز الناجين من حملة “بوتين”،  الملياردير “فلاديمير غوسينسكي”، الذي أصدر القضاء الروسي بحقه مذكرة توقيف جديدة، وتعرض للتوقيف من جانب السلطات الإسبانية، بعد تقدم السلطات الروسية بطلب رسمي للقبض عليه بتهمة اختلاس أموال، قبل أن تتدخل إسرائيل لدى رئيس الحكومة الإسبانية “خوسيه ماريا أزنار”، من أجل الإفراج عن غوسينسكي، ليغادر إلى إسرائيل في عام 2001.

الحال نفسه ينطبق على صاحب مجموعة البنوك الروسية «CBC» “ألكسندر سمولينسكي” الذي هرب من روسيا إلى النمسا، حاملًا معه ودائع تتعدى قيمتها المليار دولار، وكذلك  “أندريه بورودين”، وهو الرئيس السابق لمصرف موسكو، الذي فر إلى بريطانيا عام 2011 بعد فتح تحقيق في صفقة قروض ضخمة.

قمع وقتل من يعارضه، يبدو أنها ليست الوحيدة التي حاول فيها الأسد مجاراة راعيه الروسي متفوقاً عليه فيها، بل أن التعامل المالي لـ”بوتين” وكيفية جمع المال، كانت التجربة التي استلهمت الأسد كذلك، ويكفي القول هنا، أن “بوتين” في بداية عهده عمد إلى محاصرة رجال المال النافذين، والقبض عليهم ومطاردتهم قضائياً والحجز على أموالهم عبر حملة كان شعارها: “مكافحة الفساد”، وهو ذات الشعار الذي اتخذه الأسد بالأمس، واليوم كذلك، عندما طالت حملته مؤخراً حتى أقرب المقربين إليه، وأهم أذرعه الاقتصادية: رامي مخلوف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

صراع الموارد والمبادئ

هاني شيخ العيد ناشط فلسطيني بعد هزيمة اللواء المتقاعد خليفة حفتر، وسيطرة حكومة …